اللغز المحيِّر لم يعد لغزًا

اللغز المحيِّر لم يعد لغزًا

نادر سعد العُمَري

من الإصدارات الجديدة التي أخرجها مركز عدن للدراسات والبحوث التاريخية والنشر مؤخرًا دراسة تاريخية – أدبية للمؤرخ والأديب الفاضل د. محمد أبو بكر حميد، عنوانها: "اللغز المحيِّر عمر محمد محيرز: صفحات مجهولة من تاريخ الحياة الثقافية في عدن من خلال رسائله إلى علي أحمد باكثير"، وتقع في 179 صفحة من القطع المتوسط.

ومؤلف الكتاب د. محمد أبو بكر حَميد معروف في الأوساط الثقافية بدراساته التي تنوعت بين التاريخ والأدب والفن والنقد الأدبي، وتخصصه الذي عُرِف به بأدب الأستاذ الكبير علي أحمد باكثير (1910-1969م)، إذ إنه أخرج أكثر الأعمال الأدبية الشعرية والسردية التي لم تُنشر من قبل، وما زال يُخرِج مزيدًا منها، وقدَّم دراسات قيمة عن حياة باكثير وأدبه وفنِّه ورحلاته، وتجاوز ذلك إلى دراسة حياة بعض أصدقاء باكثير، كالأستاذ صلاح عبدالقادر البكري (1913-1993م)، والأستاذ عمر محمد عوض محيرز (1910-1983م) الذي خصص هذا الكتاب لدراسة حياته وأدبه وفكِّ أسرار شخصيته التي ظلت مجهولة من قبل، ويعمل د. حميد حاليًّا على إخراج الأعمال الكاملة لباكثير من روايات ومسرحيات ودواوين شعرية وغيرها. (وبالمناسبة فإن أول مرة عرفتُ فيها د. حميد كانت في أواخر سنة 1989م، وكان سِنِّي حينها دون الأربعة عشر عامًا، حينما قرأتُ اسمه على ديوان باكثير الأول "أزهار الربى في شعر الصبا" الذي حققه د. حميد، ونشره سنة 1988م، فجلب الوالد لي هذا الديوان مع عدة دواوين شعرية أخرى من السعودية، وكان أثر هذه الهدية لذيذًا على نفسي).

وقد أهدى الدكتور حميد كتابه هذا "اللغز المحيِّر" إلى "قلعة الجنوب الحصينة الصامدة قاهرة الفتن... عدن موطن كل فن. وإلى الذين ضربوا أروع الأمثلة في الاستشهاد..."، وبعد تقديم الدكتور إيهاب عبدالسلام (من القاهرة) للكتاب، ذكر المؤلف قصة معرفته بالأستاذ عمر محمد محيرز، الذي سقط اسمه من تاريخ حركة الحياة الأدبية في عدن، وطواه النسيان، ولم يَعرف حتى أفراد أسرته شيئًا عن تاريخه الأدبي، ولم يعلموا أنه كان أديبًا ناقدًا وشاعرًا، وعضوًا مؤسسًا مع محمد علي لقمان وآخرين لحركة النوادي الأدبية الرائدة في عدن في الثلث الأول من القرن العشرين الميلادي، ولم يكتب عنه حتى أقرب الناس إليه وهو ابنه الإعلامي خالد عمر محيرز (1936-2017م)، أو ابن أخيه المؤرخ عبدالله أحمد محمد محيرز (1931-1991م).

وظهر الجانب المحيِّر في شخصية عمر محيرز عندما عثر د. حميد على عدة رسائل خطية أرسلها محيرز إلى صديقه باكثير بعد مغادرة هذا الأخير لعدن إلى الصومال ثم الحجاز ثم القاهرة في الفترة (1933-1935م)، وكشفت هذه الرسائل عن لغته الأدبية وسعة ثقافته ووعيه بنظريات النقد الأدبي، ووجد ضمن هذه الرسائل ستًّا من القصائد الراقية في شكلها ومضمونها، تدل على نضج تجربته الشعرية، فكيف يكون شاعرًا وناقدًا بهذا المستوى الناضج ويغيب اسمه عن المشهد الثقافي ولا يعرف عنه ذلك أقرب الناس إليه؟!

ودفعتْ هذه الوثائق التي عَثر عليها د. حميد ضمن أوراق باكثير إلى أن يقوم بالبحث في شخصية عمر محيرز وأدبه، وانتهى البحث بهذه الدراسة التي قسمها إلى ثلاثة أقسام، جعل القسم الأول منها للكلام عن شخصية عمر محمد محيرز، ومراحل حياته المجهولة، منذ ميلاده في عدن سنة 1910م، حتى وفاته في جدة سنة 1983م، بعد هجرته من عدن سنة 1973م؛ إثر الإطاحة بالرئيس قحطان الشعبي وانطلاق التصفيات الدموية عقب أحداث 22 يونيو 1969م. وخَصَّ القسم الثاني بالقصائد الست التي أرسلها محيرز لباكثير، والقسم الثالث للجانب النقدي عند محيرز من خلال رسائله إلى باكثير، وأورد في القسم الرابع النصوص الكاملة لرسائل محيرز، وأردفه بملحق للرسائل مصورة بخط يده.

ويعدُّ هذا العمل نفضًا للغبار عن شخصية رائدة طواها النسيان، وإعادة اعتبار لقامة من القامات الأدبية التي توارت عن مشهد الأحداث ثم عن مسرح الحياة، وإضافة نوعية إلى التاريخ الثقافي لمدينة عدن، وإنجازًا علميًّا غير مسبوق يُضَمُّ إلى رصيد د. محمد أبو بكر حميد.

ويبقى أن أشير هنا إلى الدور الذي قام به عدة باحثين أفادوا د. حميد في جمع التاريخ الشفهي لهذه الشخصية، وأشاد بهم في مقدمته، وهم د. ضياء خالد عمر محيرز أستاذة القانون بجامعة عدن، وحفيدة الشخصية التي يبحثها الكتاب، والأستاذ هاني باسل الباحث الخبير في التاريخ الثقافي لعدن، والشاعر د. شهاب محمد عبده غانم.

وكتبه: نادر سعد العُمَري

الجمعة 15 أكتوبر 2021م

التعليقات (0)