الدور العلمي لأسرة آل محمد بن عمر المالكي في شبوة في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي

الدور العلمي لأسرة آل محمد بن عمر المالكي في شبوة

 في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي

    أ.د. محمد يسلم عبدالنور

 كلية الآداب ــ جامعة حضرموت

الملخص:

يتناول البحث الدور العلمي لأسرة  محمد بن عمر بن راشد بن خالد بن مالك المالكي نسبا والشافعي مذهبا، في شبوة في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، في المحاور الآتية:

ــ التعريف العام بالأسرة وانتقالها إلى حبان بشبوة: تعود اصول هذه الأسرة الى منطقة عمقين وهو واد بين جردان وحبان، حيث انتقل اباؤه بسبب حادث ثار بينهم وبين بني عمهم، فانتقلوا طلبا للكلأ والماء الى ابين عدن، ثم انتقل الشيخ محمد بن عمر إلى وادي الخبر، وهو وادي بين أحور وحبان، وبه قرية بها سلطان يعرف بالسلطان باحمل فتلقاه بالقبول والإعظام والإجلال والإكرام، وزوجه بابنته، ثم نقله بنو عبد الواحد بعد موت السلطان إلى المصنعة مدينة وادي حبان وبنوا بها بيتا بقرب الجامع تحت الحصن.

ـــ أشهر علمائها:

1 - الفقيه الإمام أبو عبدالله محمد بن عمر، الإمام الورع الزاهد العابد؛ وقد ذكرنا شيئا عنه آنفا، وبنوه:

2 - الفقيه فخر الدين أبوبكر بن محمد الفقيه الورع الزاهد.

3 - الفقيه الامام نور الدين علي، البارع في العلوم، ذا كرم وجود وسخاء، نشأ بالخبر، وقرأ القران بحبان، وسافر إلى عدن لطلب العلم، ولقي بها جماعة من العلماء، فقرأ "منهاج النووي"، ثم عاد الى زبيد وقرأ "الروضة للنووي"، ثم خرج إلى بلده حبان، فأقام بها أياماً، ولم ينتظم له أمر المعاش فأنشأ برحبة محصن، قرية غلب عليها اليوم اسم الحوطة بأسفل وادي عمقين، وعمرها، وأقام هناك يكرم الضيف ويؤمن الخائف وينشر العلم؛ الى ان توفي سنة 832هـ/1428م.

4 - الفقيه المفتي القاضي إسماعيل بن محمد (ت834هـ) شيخ الإسلام ومفتي الانام، بحر الحقيقة وموضح الطريقة، أبو الذبيح شرف الدين، الإمام الصالح الورع الزاهد الجامع لفنون العلم، كانت له اليد الطولى في الفقه والنحو واللغة والتفسير والحديث والأصولين، وبلغ في تحقيق هذه العلوم النهاية، ومن طالع فتاويه عرف محل الرجل وقضى العجب واعتقد بأنه من منازل التبحر والتحقيق في أعلى الرتب.

5 - الفقيه كمال الدين إسرائيل بن محمد الفقيه الامام الورع الزاهد العابد الناسك.

6 - الفقيه إبراهيم بن محمد.

ـــ دورهم ونشاطهم العلمي في المجتمع، من خلال الآتي:

  1. التدريس: فقد تولوا مهمة التدريس في منطقته، وتعليم الناس ونصحهم وارشادهم ووعظهم، سواء في المساجد التي انشاؤها أو في غيرها، أم في البيوت وأماكن التعليم الأخرى.
  2. الإفتاء: تحتل الفتيا في الاسلام مكانة عظيمة، واهلها القائمون بها من العلماء بمنزلة شريفة، ذلك انها أمر تولاه الله بنفسه، وقام بها الانبياء عليهم السلام، ثم العلماء من بعدهم، فهي توقيع عن رب العالمين. ونظرا الى ان الفتاوى تناولت مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية الجديدة، النابعة من الظروف المختلفة بحكم خصوصية المجتمعات في تلك المناطق، فان هذه الفتاوى بدأت تجذب الباحثين والدارسين اليها باعتبارها مصدرا من مصادر التاريخ الاجتماعي والاقتصادي. فقصد الشيخ إسماعيل بالفتاوى من جميع الجهات خاصة من جهة حضرموت. فانتشرت عنه الفتاوى المشهورة.
  3. القضاء: القضاء فريضة محكمة، وهو من فروض الكفاية، وهو: "منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي وقطعا للتنازع"، ويجب على الامام تعيين قاضي، لأنه لا يقدر عادة على فصل الخصومات بنفسه لكثرة مشاغله العامة، فالحاجة تدعو الى تولية القضاة، ولان أمر الناس لا يستقيم بدونه، ومنزلة القضاء بعد منزلة الخلافة، قال الله تعالى: " يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ"[ سورة ص، الآية (26)]، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم الى عظيم اجر القضاء، فقال: "لا حسد الا في اثنين رجل اتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ــ أي انفقه في الخيرات والطاعات ــ ورجل اتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها"[ صحيح البخاري، 1/25 رقم (73)]، فبالقضاء تصان الحياة والكرامة والحرية، وتحفظ الدماء والاعراض، وبه يتحقق للمجتمع التأخي بين افراده، ولهذا كان للقضاء في الاسلام منزلة رفيعة سامية، فهو فريضة من اقوى الفرائض؛ وعبادة من أشرف العبادات، لأنه اظهار للعدل وازالة للباطل.

وحين قدم الشيخ عبد الرحمن الشيرازي (ت 817هـ/1414م) من الهند سنة 813هـ/1410م، ودخل اليمن والتقى بعدن بالشيخ ابن حجر العسقلاني (ت852هـ/1449م) ودخل حبان والتقى بالشيخ إسماعيل بن محمد، وعرف علمه، وطلب منه ان يولي القضاء، فأعتذر منه لأنه لم يؤمر بذلك لا من السلطان ولا قاضي القضاة المخولان بالتعيين، فرفع رسالة الى قاضي القضاة بالدولة الرسولية الشيخ مجد الدين الفيروزابادي (ت 821هـ/1418م) الذي تولاه منذ اواخر سنة 797هـ/1394م؛ حتى وفاته، مستسمح منه ان يوليه القضاء، وهذا ما وجد من الرسالة:

"أستاذنا الأستاذ الشريف، حاكم المجتهدين، وتاج الإسلام والمسلمين، القاضي مجد الملة والحق والدين؛ أعاد الله علينا من بركاته. وبعد: يعرض بين يدي سيدنا ومولانا أن تلميذكم لما رجع من الهند دخلنا بندر الشحر؛ وعزمنا نطلع إلى بلاد صنعاء اليمن، فوصلنا إلى بلد يقال لها مصنعة عبد الواحد فرأينا ثَم إمامنا جامعاً لجميع الفنون؛ يحفظ "منهاج الإمام النووي" وله اليد الطولى في علم النحو والتصريف واللغة والأصول، اسمه الفقيه شرف الدين إسماعيل بن محمد بن عمر، وهو شريف مثل اسمه في كل الأشياء، جوهرة ضائعة بين تلك الجبال والدمون، وعربان تلك الجهة طائعون له راضون بحكمه، ولكنه لين في الأحكام. وقلت له: لم لم تحرر الأحكام؟ قال: ما معي إذن من سلطان البلد ولا من قاضي الأقضية وإنما أنا أصلح بينهم – السؤال من احسانكم: أن تولوه القضاء من باب بروم إلى باب أبين وما بينهما من القرى والبلاد، مثل: حجر الحصين ودثينة وأحور وحوارق ميفعة والعين وغيرهم، أن يعزل من لم يصلح ويولي من يصلح، وأكثره لمقصود المسلمين، فأهل هذه البلاد ما يحكم عليهم وثم عربان من قبائل، وتنالوا بذلك الجزيل من الثواب يوم الحساب".

وبعد ذلك مكتوب بخط غير خط الفقيه الفيروزابادي في شق الورقة، يستمر بالناحية المذكورة موفقاً مباركاً إن شاء الله تعالى، وأذنت له أن يولي من يصلح وأن يعزل من لا يصلح (ويقسم) لنا في صالح دعواته وكتب في عاشر محرم سنة 815هـ/1412م.

وعلى ضوء ذلك أصدر السلطان الرسولي الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل (ت827هـ/1424م) ثامن ملوك الدولة الرسولية اوامره الى الشيخ إسماعيل بتولي القضاء، فتولاه بحبان سنة 815هـ/1412م من بروم إلى أبين وما بينها من القرى، ولعله استمر في القضاء الى وفاته، حيث لم تشر المصادر الى انعزاله عنه.

  1. المكتبة العامة: بعد دراستنا لفتاوى الشيخ إسماعيل ونقولاته بها وجدنا إن نقولاته ثقة لا يعتمد على الذاكرة، فبمقارنتنا لنصوصه المنقولة وجدناها مثبتة بحركاتها وسكناتها، وطول بعض النصوص يؤكد رجوعه إلى المصادر، وهو فوق ذلك لا يقف عند مصدر أو مصدرين، بل تكثر مراجعه في المسألة الواحدة وفي كتب متقدمة ومتأخرة، كثير منها لا زال مخطوطا حتى يومنا. كـ "الحلية" للروياني (ت 502هـ/1108م) و"فتاوى العمراني" و"شرح الوسيط" لأبي شكيل، وابن النقيب (ت 769هـ/1367م ) والسبكي (ت 756هـ/1161م) في شرحهما "للمنهاج" وغيرها، وهو يكثر النقل عن الإمام الشيرازي في "المهذب"، وعن العمراني في "البيان" وعن الإمام النووي (ت 676هـ/1277م) في "الروضة" و"المنهاج" وعن المنفسي في "حل النوازل والحوادث في غرائب المسائل والمباحث"، وعن ابن النقيب (ت 769هـ/1367م)  في "العمدة" وغيرها من الكتب التي لا تخلو فتوى من جملة منها، كما إنه لا يهمل الفتاوى فينقل عن القاضي حسين المروزي (ت462هـ/1069م) والعمراني وابن الصلاح (ت643هـ/1245م) والأصبحي وأبي شكيل والسبتي في فتاويهم.

وإلى جانب كتب الفقه والفتاوى ظهر جليا الاستدلال بالحديث النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، من "الصحيح" لمسلم (ت261هـ/874م) و"السنن" للترمذي (ت 279هـ/892م) والبيهقي (ت 458هـ/1065م) و"شرح معاني الآثار" للطحاوي (ت321هـ/933م).

والذي بدا من معالجتنا لهذه الفتاوى، نجد أن تحت يد الشيخ مكتبة زاخرة بالمخطوطات في مختلف العلوم والمذاهب، لعل أمهات كتب المذهب الشافعي تحتل مكانا مرموقا فيها. إضافة إلى غيره من المذاهب وبقية فنون العلوم، وهذا يجعل الباحث يقف موقف إكبار وإعزاز لمثل أولئك، حيث لم تمنعهم البيئة القاسية، والعيش الشظف، والتباعد بين الأماكن، ومشقة الأسفار، وطول أزمانها، من اقتناء الكتب، والحرص على متابعة كل جديد ونسخه، ولعل جزء من هذه المكتبة ما زال عند احفاده، نتمنى ذلك.

  1. النتاج العلمي: ولعلنا نشير إلى أشهر ما وجدناه، وهي فتاوى الشيخ إسماعيل، بنوعيها:
  2. الفتاوى الصغرى: وتضم (11) سؤالا سأل عنها الفقيه عيسى بن عيسى بن أحمد حريز، ونسخت سنة 1261هـ/1845م، وقد طبعت مدروسة ومحققة من كلا من: د. محمد يسلم عبد النور ود. محمد عبد القادر العيدروس، ونشرت عن دار تريم للدراسات والنشر سنة 1430هـ/2009م.
  3. الفتاوى الكبرى: وتقع في (200 صفحة) ونسخت سنة 1036هـ/1626م وهي مبوبة على جميع أبواب الفقه، وتوجد بمكتبة الأحقاف للمخطوطات بتريم برقم (886 فقه) ولا توجد نسخة اخرى ــ حسب ما نعلم ــ وتضم (254) مسألة، وهي قيد الدراسة والتحقيق، لعلها ترى النور قريبا، والله الموفق...
التعليقات (0)