العلاقات الدبلوماسية في تاريخ مملكة حضرموت من خلال نقوش العقلة

العلاقات الدبلوماسية في تاريخ مملكة حضرموت

 من خلال نقوش العقلة

            أ.د/محمد بن هاوي باوزير  

أستاذ تاريخ اليمن والجزيرة العربية القديم-جامعة عدن

 الملخص:

حضرموت اسم تاريخي عتيق، بل معتق برائحه البخور، حضرموت موطن اللبان أو بلاد البخور ... حباها الله عز وجل بأمرين مهمين أولهما الموقع الجغرافي الذي مكنها من أن تلعب دوراً تجارياً بين الشرق والغرب، ثم إنتاجها لسلع كان الطلب عليها كبيراً كاللبان والمر والصبر وغيرها، بالإضافة إلى ما كانوا يستوردونه من بضائع أجنبية من الهند والصين وسيلان ومن شرق افريقي.

كذلك حباها الله بخلود اسمها الذي مازال حياً يطلق على مساحة شاسعة من جنوب شبه الجزيرة العربية (محافظة حضرموت حالياً)، فلها أن تفخر بهذا على شقيقاتها من الممالك العربية الجنوبية أو اليمن القديم:  

(أو سان، معين، قتبان، سبأ وحمير) التي عاشت قبل الميلاد، تم ماتت أسماؤها وبقي ذكرها بشكل محدود.

تلك هي حضرموت المتميزة بفرادة مكانها، وعظمة الإنسان في أرضها وجلال تاريخها وحضارتها.. إنها مملكة حضرموت التي تميزت عن جارتها في الممالك العربية الجنوبية بخصائص جغرافية حضارية كان لها أثر كبير في ازهار تجارتها محلياً ودولياً كموقعها الجغرافي الاستراتيجي على طرق التجارة العالمية، خاصة البرية، وكذا سيطرتها على جزء من ساحل البحر العربي الجنوبي والذي أقامت عليه موانئها ومراكزها التجارية الرئيسية ( ميناء قنا، وظفار وميناءها سمهرم وجزيرة سقطرى)، بالإضافة إلى مواردها الاقتصادية المتمثلة باستحواذها على زراعة محاصيل كان الطلب عليها كبيراً كالمر واللبان (البخور) والصبر، والمعروف أن هذه السلع كانت تشكل العمود الفقري لتجارة مملكة حضرموت، بالإضافة إلى ما كان يصلها من بضائع آسيوية  مستوردة من الهند وسيلان والصين ومن شرق أفريقيا، كالتوابل والمنسوجات والاخشاب والعاج وغيرها التي كانت – هي الأخرى – لها رواج عند شعوب العالم القديم.

تلك هي أهم الأمور التي تميزت بها مملكة حضرموت، ولعلها هي التي لعبت دوراً كبيراً في شهرتها وذيوع  صيتها، فعرفت عند الكلاسيكيين بأنها بلد التوابل والبخور، وتحدثت عن تجارة هذه السلع الثمينة. ويبدو أن هذه الظروف الجغرافية والاقتصادية قد عكست نفسها في المدى التاريخي على الصلات والعلاقات التجارية والحضارية بين مملكة حضرموت والحضارات القديمة وخاصة المجاورة لها.. وهكذا استغل عرب الجنوب وعلى وجه الخصوص الحضارم موقع بلادهم على طرق التجارة العالمية، واستثمروا نشاطهم التجاري، فأقاموا اتصالات وعلاقات تجارية وحضارية منذ مرحلة مبكرة في التاريخ مع بلدان اسيوية ومتوسطية وكذا أفريقية، وتشهد على ذلك الجاليات العربية الجنوبية التي استقرت في مستوطنات على طريق القوافل البري الذي يربطها ببلاد الشام وبالطرق المتصلة بها كما استقرت جاليات منهم في الهند وشرقي أفريقيا ومصر وفي جزيرة ديلوس اليونانية.

وعلى هذا الأساس فإن الباحث سيقدم في هذه الدراسة المتواضعة نوعاً مهماً من العلاقات، هي العلاقات الدبلوماسية بين مملكة حضرموت وبعض جيرانها في شبه الجزيرة العربية (جام 919) وعلى وجه الخصوص بعض جاراتها من الممالك العربية الجنوبية كمملكة سبأ وذوريدان في عهد ملكها (ثأران يعب يهنعم) (جام 923)، بالإضافة إلى علاقاتهم الدبلوماسية خارج شبه الجزيرة العربية، مع الشام والعراق والهند (جام 931).

كل ما تقدم يؤكد لنا مدى العلاقات الطيبة التي تربط مملكة حضرموت بتلك الدول، بالإضافة إلى ما تتمتع به حضرموت وعاصمتها شبوة، من مكانة قوية ومهمة بين تلك الدول المعاصرة لها آنذاك بفضل تجارتها وتحكمها في بعض المواد العطرية، وتدلنا بعض النقوش الحضرمية التي عثر عليها في موقع العقلة بالقرب من العاصمة شبوه. على أن مملكة حضرموت كانت تتبادل السفراء والمندوبين مع بعض الدول المعاصرة لها داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها.. ولعل ذلك أشبه بمثل ما تقوم به دول العالم في عصرنا الراهن وذلك لتسهيل العلاقات بينهم.

التعليقات (0)