التشريعات القتبانية صورة للتطور الحضاري في تاريخ جنوب الجزيرة العربية القديم (قانون تمنع التجاري انموذجاً)

التشريعات القتبانية صورة للتطور الحضاري

في تاريخ جنوب الجزيرة العربية القديم

(قانون تمنع التجاري انموذجاً)

                 

         عوض عبد الرب عبد الولي الشعبي

أستاذ مساعد دكتور في التاريخ القديم ـ كلية التربية ـ يافع

ملخص:

لقد عرفت (الممالك – المدن) في جنوب  الجزيرة العربية القديم  القوانين والتشريعات التجارية منذ وقت مبكر، وهذا إن دل فإنما يدل على مدى تطور النضج التشريعي والوعي الاجتماعي والثقافي لسكان هذه الممالك، ويبدو أن هذا الواقع التشريعي قد هيأ لوجود التفاعل المتبادل في العلاقات التجارية القائمة بينهم البين، كما كان من نتائج هذا التفاعل إنه قد أدى إلى ظهور قوة سياسية لهذه الممالك، ولهذا فإن مملكة قتبان كغيرها من ممالك جنوب الجزيرة العربية قد أسهمت في العملية التجارية وسنت القوانين والتشريعات المنظمة للحركة التجارية، فـ تمنع (هجر كحلان) العاصمة القتبانية الواقعة على وادي بيحان، كانت الرائدة في التشريع التجاري، أما قانونها فيعتبر (قانون تمنع التجاري)، من أهم النصوص التشريعية الخاصة بتنظيم الأعمال والأسواق التجارية في العالم القديم، وهذا يظهر مدى التطور الفكري والحضاري لدى سكان (الممالك– المدن) اليمن القديم، كما أنه من القوانين النادرة المتكاملة والتي تتناول تنظيم التجارة داخل الأراضي التي شرع لحكمها، وفضلاً عن ذلك فإن هذا القانون هو بمثابة برهان تاريخي على معرفة سكان المنطقة بالنظم القانونية، حيث يشكل نموذجاً لتشريعات أخرى أصدرتها السلطات الحاكمة في نواحي الحياة كافة.

ويعد هذا القانون التجاري القتباني من أقدم القوانين في تاريخ العالم القديم، والقانون عبارة عن تشريع أصدره الملك القتباني (شهر هلل) أو (شهر هلال)، قبل أكثر من ألفين عام، لتنظيم التجارة وبيان واجبات التاجر والضرائب التي كان متوجباً عليه أن يدفعها إلى الحكومة. وسيكون البحث موزع على ثلاثة محاور، وهي على النحو التالي:

المحور الأول: أثر موقع أو مكانة مملكة قتبان وعاصمتها تمنع في  النشاط التجاري.

المحور الثاني: اكتشاف قانون وأهميته ومضمونه.

المحور الثالث: نص القانون (المكان تمنع .... شمر... الخ).

المحور الأول:

أثر موقع أو مكانة مملكة قتبان وعاصمتها تمنع في  النشاط التجاري:

  • أهمية موقع مملكة قتبان:

يشير النشاط التجاري عادة إلى حالة من التقدم والازدهار الحضاري، فهو يستند إلى مقومات طبيعية تتمثل بمقومات البيئة الجغرافية التي تسند هذا النشاط، وإلى مقومات بشرية تتمثل في الإمكانات الحضارية ومن بينها التشريعات والقوانين والأنظمة المالية، وإذا ما كانت الزراعة الحرفة الرئيسة لسكان المملكة، فإن التجارة هي حرفة سكان المدن وفي طليعتها العاصمة تمنع.

أما بصدد المقومـات الطبيعيـة للتجارة فتشيـر إلى دور الموقع الجغرافي لهـذه المملكة، فهي مثل غيرهـا من الممالك اليمنيـة القديمة كان لموقعهـا دوره الفعـاّل في تنشيـط العمـل التجاري مـع العالم الخارجـي، وهو عمـل يـراه الباحثـون أسـاس الاقتصاد اليمنـي حينذاك، فقتبان بموقعهـا الجغرافي أمست على خطوط التجارة البرية والبحرية التي تمرَّ بجنوب الجزيرة العربية، فهي كما تبدو على الخارطـة تقع عند التقاء البحـر العربي بالبحـر الأحمر حيث ينفتـح البحر العربي علـى المحيط الهندي،  وإذا ما حصـل أن نشطت التجـارة على خطوطهـا البرية على حساب خطوطهـا البحرية، أو حصل العكـس فقتبان لا تتأثر بذلك حيث تبقى منتفعـة من جميع الحالات.

ومن جانب آخر أدَت المقومات الطبيعية دوراً مهمـاً عندما وفرت الظروف المناسبة لزراعـة وإنتاج الكثير من المنتجات الزراعية حتى شكلت الطيوب، وكذا التوابل أحَد مصادر التجارة الرئيسة فيها التي تجد طريقها براً وبحـراً إلى سورية ومصر وعبر البحر المتوسط إلى بلاد اليونان والرومان، وبفعل هذه المنتجات لم تكن قتبان منطقة ترانزيت (مرور تجاري) فحسب، بل هي منطقة إنتاج لبعض من الصادرات الزراعية، حيث تنتج حضرموت البخور ومشتقاته (اللبان والمر والصبر) وتنتج قتبان المر، أما بصدد المقومات البشرية فهي كثيرة لعل في مقدمتها وجود عدد كبير من البحارة المهرة الذين تجمعت لديهم الخبرة بأسرار البحر وتمكنوا من الوصول إلى مسافات بعيدة، كل هذه المقومات ساعدتها على انتعاشها وتميزها الاقتصادي.

المحور الثاني:

اكتشاف قانون تمنع وأهميته ومضمونه.

اكتشاف القانون:

تم العثور على هذا القانون منقوشاً على عمود حجري في سوق (تمنع) عاصمة قتبان (بيحان القديمة) التي قامت وازدهرت قبل أكثر من ألفي عام، وقد تم اكتشاف هذا القانون من قبل البعثة الأمريكية لدراسة الإنسان، وقد ترجمه وعلق عليه لغوياً وطبوغرافيا البروفيسور (بيستون) جامعة إكسفورد – بريطانيا ونقل محتواه إلى اللغة العربية الدكتور جواد علي، كذلك المؤرخ المرحوم سلطان ناجي.

أهمية القانون لتجاري:

يعد (قانون تمنع التجاري) من أهم النصوص التشريعية الخاصة بتنظيم الأعمال والأسواق التجارية في العالم القديم، إذ يظهر مدى التطور الفكري والحضاري لدى سكان (الدويلات – المدن) اليمن القديم، كما أنه من القوانين النادرة المتكاملة والتي تتناول تنظيم التجارة داخل الأراضي التي شرع لحكمها، وفضلاً عن ذلك فإن هذا القانون هو بمثابة برهان تاريخي على معرفة سكان المنطقة بالنظم القانونية، حيث يشكل نموذجاً لتشريعات أخرى أصدرتها السلطات الحاكمة في نواحي الحياة كافة.

و(قانون تمنع التجاري) هو مجموعة من القواعد التي تهدف الى:

1- تنظيم التجارة داخل العاصمة (تَمْنع) وأراضي قتبان قاطبة.

2- حماية حقوق (الشعب القتباني) التجارية من منافسة التجار الغرباء.

3- ضمان حقوق (الدويلة – المدينة) في الحصول على الضرائب.

المحور الثالث:

نصوص القانون التجاري.

يعد قانون تمنع التجاري من أهم النصوص التي تَمَّ الكشف عنها حتى الآن، وهذا القانـون يظهر مدى التطور الفكري والحضـاري لدى سكان تمنع ومعرفتهم بالنظم القانونية، وهذا القانون يحمي حقوق الشعب القتباني في التجارة من منافسة التجار الغرباء، وأيضاً حقوق الدولة في الضرائب التجارية، ويعود هذا القانون  الى عهد  الملك "شهر هلال بن يدع أب" في القرن الثاني ق.م، والذي أصدر هذا القانون.

ومن الواضح أن الهدف من وضع هذا القانون كان تنظيم المسـائل المتعلقة بالتجارة الداخلية والخارجيـة وتحديـد الوضع القانوني للسكان المحليين والأجانب عند ممارستهم النشاط التجاري، ويلاحظ أن هذا القانون يرتكز على ثلاث قواعد:

أ- ضمان أمن الدولة، وتمكين أجهزتها من مراقبة تحرك التجار الأجانب، كما ورد في المادتين الثانية والخامسة.

ب- حماية السوق الوطنية والتجار الوطنيين من منافسة التجار الأجانب، وتحديد أسواق معينة للسماح للتجار الأجانب بممارسة النشاط التجاري، كما تشير إلى ذلك غالبية المواد.

ج- تحديد منطقة للنشاط التجاري تتمركز في سوق شمر، كما هي واردة في المادتين الأولى والثانية حيث تشمل الأولى أهالي قتبان، بينما تشمل المادة الثانية القادمين من خارج قتبان.

يبدو أن هذا القانون قد شجع عملية الاستثمار وجذب الكثير من التجار الأجانب للعمل في المدن اليمنية ولاسيما في تمنع، وبفضل حسن التعامل معهم فقد أصبح البعض منهم من رعايا المملكة القتبانية، وكما يتضح لنا أيضأ أن دراسة قانون سوق شمر تكشف عن رقي النظم التجارية عند اليمنيين ولاسيما القتبانيين في تاريخهم القديم، وتوضح لنا مدى عمق التواصل الحضاري لليمنيين في نهلهم من تراثهم الإنساني الذي كان سائداً قبل الإسلام.

التعليقات (0)