الأهمية الإستراتیجیة لوادي یشبم

الأهمية الإستراتیجیة لوادي یشبم

     د. فیصل حسین البعسي

أستاذ التاریخ والآثار القدیمة المساعد

 كلیة التربیة شبوة – جامعة عدن

ملخص البحث:

يناقش البحث جوانب هامة من تاريخ وادي يشبم وآثاره، لتبيان أهميته الأثرية والتاريخية، والتي تتضح من خلال ذكره في النقوش وفي المصادر التاريخية، ومن خلال البقايا الأثرية المنتشرة على ضفتيه وفي الروافد. كما يناقش الخصائص الجغرافية والطبيعية وذلك لبيان أثرها وتأثيرها على الجذب السكاني وبالتالي على النشاط الزراعي والتجاري والصناعي، وعلى الأهمية الاقتصادية للوادي والأدوار الحيوية التي اضطلع بها قديما، مما اكسبه مكانته الخاصة وأهميته الاستراتيجية في سياسة الممالك العربية الجنوبية التي حكمت المنطقة قبل الإسلام، وتبادلت السيطرة والنفوذ على وادي يشبم. 

وقد ورد اسم يشبم في عدد من النقوش (ي ش ب م) وهو اسم مشتق من الجذر (ش ب م)، والذي من اشتقاقاته أيضا شبام بكسر أوله: وهي خشبة أو عود يعرض في فم الجدي لئلا يرضع أمه، حيث يقال: شبم الراعي الجدي: أي جعل الشبام في فمه لكيلا يرضع من أمه. وعليه فالمرجح لدينا أن لمسمى يشبم بهذا المعنى علاقة بالطرق التجارية القديمة، فهي يشبم الطرق التجارية أي حاكمها وبوابتها الرئيسية، وهو مسمى يتناسب مع طبيعة تواجد كل من الوادي والمدينة، فإذا نظرنا لموقع الوادي نجده في الأسفل (عند النقبة) يقف كبوابة تلتقي عندها معظم الطرق القادمة من الشرق من بئر علي وسواحل رضوم عبر وادي ميفعة وحبان وهدى وروافدهم، وفي المنتصف تقريبا (عند منفذ وادي الشعبة) نجده يقف بوابة أخرى تلتقي عندها كل الطرق القادمة من الجنوب من سواحل أحور عبر وادي رفض ووادي الشعبة. أما يشبم المدينة فنلاحظ أنها كانت تقع عند ملتقى الطريقين وبين مفترق طريقين آخرين، مما يجعلها بذلك شبيهة بشبوة وشبام حضرموت وشبام الغراس وشبام كوكبان ... الخ. ولعل نقش متحف بيحان "م.ب 659" يرجح ما ذهبنا إليه من تفسير لهذا اللفظ، حيث يتحدث صاحبه "هو فيعم بن مقنعم بن ثجر" عن توليه الإشراف على بوابة يشبم "خ ل ف ن / ي ش ب م".

ومع أننا لا نعرف بالتحديد متى حمل وادي يشبم هذا الاسم، وهل أطلق الاسم أولا على المدينة أم على الوادي، إذ إن أقدم ذكر نقشي ليشبم ورد في نقش R 2976 للملك المعيني أيل صدق ويعود لحوالي منتصف القرن التاسع قبل الميلاد، فمع ذلك يمكننا تتبع مراحل هامة من تاريخ هذا الوادي العريق، حيث كان منذ قبل القرن السابع قبل الميلاد ضمن أراضي مملكة أوسان التي امتد نفوذها قبل غزوة الملك السبئي لها وتدميرها في القرن السابع ق.م من ميناء قنا (بير علي حاليا) في الشرق إلى الحجرية غربا، ومن سواحل البحر العربي وخليج عدن جنوبا إلى حدود مملكة قتبان (وادي بيحان) شمالا، وكان وادي يشبم أحد الأودية الهامة التي اعتمد عليها الأوسانيون في سبيل تحقيق نهضتهم الزراعية والتجارية. ورغم أن الملك السبئي (كرب أيل وتر) لم يذكر وادي يشبم صراحة في نقش صرواح الكبير الموسوم بـ (RES 3945) و "GL 1000"، الذي يرجع إلى القرن السابع قبل الميلاد، ويتحدث أساسا عن غزوات هذا الملك على أراضي أوسان، بعد أن تحالف مع كل من قتبان وحضرموت، فإنه قد ذكر أودية أخرى محيطة بيشبم وقريبة منه مثل عبدان وحبان وجردان، وغيرها من المناطق التي غزاها هذا الملك. كما أن الثابت في حملات كرب آل وتر على أوسان أنها استهدفت وادي يشبم وامتداده الطبيعي المتمثل في أودية كور العوالق الأخرى وحبان وميفعة وهدى ومرخة بعد هذه الأودية كانت تشكل أهم ممرات الطرق التجارية، وكان هدف السيطرة عليها من أهم أهداف الحملة، ومن أهم أسباب ذلك الصراع، الذي يبدو انه تفجر أساسا أثر محاولة أوسان لتحويل طريق التجارة إلى الهضبة وحرمان مراكز هذه الدول الثلاث من مردوده الاقتصادي، وهو المشروع الذي نجحت فيه حمير لاحقا في حوالي 115 ق.م.

ويفهم من سياق الحديث في نقش صرواح الكبير أن وادي يشبم والمنطقة عموما كانت ضمن أراضي قتبان قبل أن يمتد إليها النفوذ الأوساني حيث يتحدث عن استعادة أراضي حضرموت وقتبان التي سيطرت عليها أوسان.  

ولا نعرف بالتحديد كم استمر النفوذ السبئي على يشبم والمنطقة بعد حملة كرب أيل وتر في القرن السابع ق.م، وقبل أن يتم إعادته إلى قتبان التي امتد نفوذها بعد ذلك ليشمل معظم الأراضي الجنوبية من بئر علي شرقا إلى باب المندب غربا ومن حريب شمالا إلى الحجرية في الجنوب الغربي، وكان وادي يشبم من أهم المناطق التي اعتمد عليها القتبانيون في سبيل نهضتهم الاقتصادية الزراعية والتجارية، وهذا ما يتأكد من خلال نقش متحف بيحان "م.ب 659"، ومن خلال بقايا الأبراج على جانبي الوادي وفي الروافد، كما يتأكد من خلال بقايا منشآت الري الضخمة وخاصة القيود الأرضية وسد المحضرة والذين يبرز عليهما الطابع القتباني، وقد استمر النفوذ القتباني على وادي يشبم والمنطقة عموما إلى القرن الثاني قبل الميلاد، حينها شهدت قتبان مدة ضعف مجهولة أسبابه إلى الآن أدى إلى فقدانها كثير من المناطق في الجنوب. وخلال المدة القتبانية لا شك أن وادي يشبم بحكم قربه من حدود مملكة حضرموت قد شهد ما شهدته أراضي قتبان الأخرى من غزوات ملوك حضرموت بدءاً من الحملة التي شنتها حضرموت على أراضي قتبان في عهد مكرب قتبان يدع أب ذبيان يهنعم بن شهر ملك قتبان وولد عم وأوسان ودهسم وتبنو. حوالي القرن الرابع ق.م، ومرورا بالقرن الأول الميلادي الذي استطاعت فيه دولة حضرموت أن تغزو قتبان وتهدم عاصمتها تمنع، وتدمر قصرها المسمى (حريب) أو (حرب)، وانتهاء بالعام 175 م الذي أصبحت فيه قتبان جزء من دولة حضرموت، كما شهدت المنطقة نفوذ حضرمي آخر في حوالي عام  230م.

وخلال المدة القتبانية هذه أيضا ظهر (اليشابمة) أو (بنو يشبم) والذي يشير إليهم النقشان (الإرياني 76 وثلاء)، وهي إشارتين توحي بوجود أسرة حاكمة لكيان سياسي ارتبط وجوده بوادي يشبم، وربما كان مركزه وادي يشبم، وبغض النظر أن كان لليشابمة حينها دولتهم المستقلة أو كانوا حكاما محليين يدينون بالولاء للملك القتباني، فيبدو انهم في مدة ضعف قتبان في القرن الثاني قبل الميلاد استطاعوا أن يستقلوا بحكم يشبم. وفي عصر اليشابمة الذين لا زلنا نجهل حتى الآن إلى متى استمر حكمهم تعرض وادي يشبم للغزو الحبشي في أواخر القرن الأول قبل الميلاد مما اضطرهم للتحالف مع خولان الجديدة حسبما يشير نقش (إرياني 76)، وربما تؤكد هذا الغزو أيضا المخربشات الصخرية المنتشرة في الوادي وروافده، حيث يحتوي كثير منها على حروف وعبارات باللغة الحبشية.

وفي القرن الرابع الميلادي انضوى وادي يشبم تحت لواء الإمارة اليزنية التي أسسها ملشان أريم اليزني وبنيه في وادي عبدان في حوالي 355م، ليمتد نفوذهم بعد ذلك ويشمل معظم أراضي الجنوب، وكان وادي يشبم من أهم المناطق التي اعتمد عليها اليزنيون في سبيل النهوض بدولتهم واقتصادهم، يؤكد ذلك البقايا الأثرية التي يمكن نسبتها بوضوح إلى اليزنيين وخاصة منشآت الري، بل وكان وادي يشبم أحد معاقل اليزنيين الهامة، و أحد مراكز الثقل السياسي في دولتهم، يرجح ذلك الذاكرة الجمعية لسكان الوادي اليوم و الذين يتفاخرون بنسبهم للملوك اليزنيين، وتؤكده إشارات المشهور في الطرف الأجور، وإشارات كل من بونجمة والشبلي في مواضع عديدة من المخطوطتين يشيران إلى نسب قبائل أهل علي بن أحمد التي تسكن الوادي اليوم إلى الملوك اليزنيين، كما يمكن أن تدل على ذلك إشارات الهمداني وقوله عند ذكر وادي يشبم في الصفة: يشبم واد عظيم للأيزين من حمير". وفي الإكليل الجزء2: يشير إلى يشبم بأنه للأيدوع ويعده من حضرموت. وكل ذلك يؤكد المكانة الهامة التي كان يحتلها وادي يشبم في إستراتيجية الدولة اليزنية، وذلك قبل أن تخضع المنطقة برمتها لمملكة حمير في عهد ملوكها العظام (التبابعة) ملوك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وأعرابهم طودا وتهامة، وهو العهد الذي دشنه الملك شمر يهرعش بن ياسر يهنعم في القرن الرابع الميلادي، ليشمل حكمهم بعد ذلك كل اليمن ومناطق واسعة من الجزيرة العربية، ويستمر إلى دخول المنطقة في الدين الإسلامي الحنيف في القرن السادس الميلادي. ورغم هذا التوسع الحميري فقد بقي وادي يشبم وامتداده الطبيعي والمتمثل في أودية كور العوالق الأخرى ووادي ميفعة وحبان وهدى محتفظا بأهميته الاستراتيجية في سياسة مملكة حمير، يتضح ذلك من خلال ما وصلنا من أخبار الثورة الشعبية التي قادها أمراء حمير الأحرار ضد الوجود الحبشي أثر مقتل الملك الحميري ذي نواس على يد الجيش الحبشي في سواحل تهامة في القرن السادس الميلادي، حين اتخذ الحميريين هذه المنطقة مركز لثورتهم، واتخذوا من جبالها الوعرة حصونا انطلقوا منها لتحرير كامل اليمن.

وختاما بقي الإشارة إلى علاقة لا زالت مبهمة حتى الآن بين وادي يشبم ومملكة معين، ومع أن الإشارات الدالة عليها قليلة حتى الآن فان وضعها مع مقاربات أخرى قد ترجح ما يذهب إليه البعض من تحديد وادي يشبم باعتباره الموطن الأول للمعينيين، وهذا ما سيكون موضوع أحد بحوثنا القادمة أن شاء الله، وما نتمنى أن ينال اهتمام الباحثين في إطار اهتمامهم بكشف العلاقة المبهمة أيضا بين حضرموت ومعين.

التعليقات (0)