المقاومة الشعبية للوجود البريطاني في سلطنات شبوة ومشيخاتها (1934-1967م)

            المقاومة الشعبية للوجود البريطاني في سلطنات شبوة ومشيخاتها

(1934-1967م)

      د. محمد سعيد يسلم المدحجي

  أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر المساعد

     كلية التربية شبوة – جامعة عدن

ملخص البحث:

يتناول البحث جانباً مهماً من تاريخ محافظة شبوة في عهدها الحديث والمعاصر، وتحديداً في فترة السلطنات والمشيخات (سلطنة العوالق العليا، والسلطنة الواحدية، ومشيخة العوالق العليا، وإمارة بيحان) التي قامت في النطاق الجغرافي لمحافظة شبوة اليوم، وذلك أبان الاحتلال البريطاني لهذه السلطنات والمشيخات ولبلاد جنوب اليمن عامة. ألا وهو دور مختلف مناطق شبوة في المقاومة الشعبية للاحتلال البريطاني منذ مد نفوذه غير المباشر لها من خلال فرض معاهدات الحماية على حكامها المحليين، أو نفوذه المباشر بعد استحداث نظام الاستشارة الذي مكن الضباط البريطانيين المستشارين من إدارة حكم هذه السلطنات والمشيخات إلى جانب حكامها المحليين.

وقد عبر أبناء مناطق شبوة في مختلف سلطناتها ومشيخاتها عن رفضهم للحماية والوجود البريطاني منذ أن وطأت أقدام البريطانيين أراضي بلادهم، وقاوموا المخططات البريطانية الرامية لفرض سيطرتها على المنطقة واستغلال خيراتها، وقد مرت المقاومة الشعبية للاحتلال البريطاني في مناطق شبوة منذ بدايتها في ثلاثينيات القرن الماضي حتى الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967 بمرحلتين رئيسيتين هما:

المرحلة الأولى للمقاومة الشعبية ظهرت على شكل انتفاضات قبلية قامت نتاجاً لمجمل المتغيرات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها المنطقة، مع بداية تنفيذ السياسة الاستعمارية الجديدة الرامية إلى استغلال المنطقة استغلالاً كاملاً. وعلى الرغم من أن هذه الانتفاضات كانت عفوية دون توجـــيه سياسي محدد، لكنها قامت على أرضية الدفاع عن الكرامة والسيادة الوطنية، ورفضاً للسياسة البريطانية الرامية إلى تدعيم سلطة السلاطين والمشائخ على حساب مواطنيهم لفرض سيطرتها الفعلية في المناطق الداخلية والتدخل المباشر في شؤون حكمها.

وكذلك قامت هذه الانتفاضات رفضاً لسياسة التعسف تجاه السكان الذي بدأه البريطانيون بالشروع في إقامة نظام ضرائبي قاس، ومثال ذلك ما فُرض على منطقة العوالق العليا لأول مرة من نظام ضرائبي مخيف يسمى " التخمين" بمعني أن يقوم مندوب السلطة بتقدير محصول الحبوب قبل حصاده، وتفرض عليه الضريبة بمقتضى هذا التقدير، الذي رفضته القبائل لاسيما قبائل معن في مشيخة العوالق العليا، وتلتها  العديد من القبائل الأخرى في مختلف مناطق شبوة، وكذلك رفض مقترحات بريطانيا لإجبار الفلاحين على زراعة ربع أراضيهم قطناً كما حدث في إمارة بيحان، مما دفع البريطانيين إلى تحريك قواتهم العسكرية لمواجهة القبائل ما أدى إلى الأحداث الدامية والانتفاضات المستمرة التي لم تخمد إلا بصعوبة بالغة من قبل البريطانيين.

وعمت هذه الانتفاضات القبلية كل مناطق شبوة في بلاد العوالق العليا وبني هلال كانتفاضة قبائل معن الأولى، والثانية بقيادة آل أبوبكر بن فريد في كور العوالق، وانتفاضة آل سليمان والطواسل كذلك في كور العوالق، وانتفاضة قبائل ربيز بقيادة آل معور في حطيب، وانتفاضة قبيلة آل ديان في خورة، وانتفاضتي قبائل النسيين في مرخة، وآل خليفة بقيادة آل احمد بن طالب في الحاضنة. وفي بلاد الواحدي كانتفاضات كل من آل العظم في الحامية، وآل رشيد بقيادة آل علي بن أحمد في الريدة، ولقموش والمطاهيف في الخبر والمطهاف، وآل باحقينة في وادي الحنكة، وكذلك في بيحان كانتفاضات كل من قبائل المصعبين في حدجة  وعيلان، والمرة الثانية في اللفج وحدجة، وقبائل بلحارث في وادي بلحارث.

وقد أثبتت هذه الانتفاضات الشعبية القبلية في مختلف سلطنات شبوة ومشيخاتها مدى الرفض الشعبي لمد النفوذ البريطاني في مناطقها، على الرغم من أن طابع المقاومة فيها لم يكن على مستوى الإدراك والوعي الوطني المتعارف عليه اليوم – وهي مسألة طبيعية في سلم التاريخ - وإنما كانت ردة فعل طبيعية لنظام قبلي عشائري عاش في ظل تقاليد وعادات وأعراف وقواعد موروثة نظم بها علاقة مجتمعه، وتم تناقلها وتوارثها عبر الأجيال. وعلى الرغم من ذلك فقد لعبت هذه الانتفاضات دوراُ بارزاُ في تصعيد نشاط الحركة الوطنية التي بدأت تأخذ شكلاً منظماً، وأهدافاً واضحة في المرحلة الثانية من مراحل المقاومة الشعبية للاحتلال البريطاني في مختلف مناطق شبوة.

أما المرحلة الأخرى للمقاومة الشعبية فقد كانت أكثر وعياً وتنظيماً بعد قيام ثورة 14 أكتوبر 1963م المسلحة والمنظمة في ردفان، وبروز نشاط الحركة الوطنية في عدن وباقي إمارات جنوب اليمن التي بدأت تأخذ شكلاً منظماً وأهدافاً واضحة، وكانت بمثابة البداية الحقيقية لصحوة أبناء مختلف مناطق سلطنات شبوة ومشيخاتها ليسلكوا الطريق الثوري المنظم لمقاومتهم ضد الاحتلال البريطاني وعملائه من الحكام المحليين، على أن العمل التنظيمي للمقاومة الشعبية في سلطنات شبوة ومشيخاتها تأخر مقارنة بالسلطنات والمشيخات المتاخمة لعدن.

ويرجع ذلك إلى عدة عوامل ذاتية، وأخرى موضوعية على أن أبرزها: قسوة الطبيعة في هذه السلطنات والمشيخات وصعوبة المواصلات ووجود الحدود والحواجز المصطنعة بينها، وكذا الصراعات القبلية التي لم تكن لتلهي القبائل عن النضال ضد العدو المشترك فحسب، بل تمنع أي تحرك بين المناطق خوفاً من القتال القبلي، وكذلك التخلف الثقافي والاجتماعي الذي كان سائداً في هذه المناطق، غير أن كثيراً من أبناء سلطنات شبوة ومشيخاتها الموجودين في القطاعات الشعبية والعسكرية انضموا إلى جبهات المقاومة والقتال ضد المستعمر البريطاني منذُ أواخر عام 1964م، وكان لهم أثر بالغ في مناطق سكنهم لصالح الثورة وتنظيمها، وكذلك كان للكثير من أبناء شبوة الذين ظلوا مناوئين للاستعمار وحلفائه في المنطقة ونزحوا واستقروا في شمال اليمن دور بارز إلى جانب الثورة المنظمة بطرق وأشكال مختلفة.

بدأ التحضـير التنظيمي والسياسي والعسـكري الواسـع للكفاح المسلح ضد البريطـانيين على مستوى كل مناطق شبوة بقيادة قوى وطنية أبرزها الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل التي كان لها الدور الأبرز في هذه المناطق، وجبهة التحرير، وبدعم ومساندة من شمال اليمن سواء أكان من الجمهورية الوليدة حينها أم من المصريين الموجودين هناك، وتُعد هذه المرحلة من العمل التنظيمي للمقاومة الشعبية في مختلف مناطق شبوة هي المــرحلة الحـاسمة لنهاية الاحتلال البريطاني وعملائه المحليين فيها.

التعليقات (0)