شبوة القديمة في اللغة والشعر والتاريخ

  شبوة القديمة في اللغة والشعر والتاريخ

أ.مشارك. د . ناصر سعيد ناصر العيشي

ملخص البحث:

شبوة عاصمة مملكة حضرموت قد مرّت بأطوارٍ مختلفة في حقيقتها؛ لفظةً لغوية جاءت على ملافظ مختلفة، ودلالات متعددة، وكذلك هي في الشعر؛ حيث برزت فيه بأطوارها الحضارية والمدنية، ولم تختلف في أطوارها التاريخية المتقلبة؛ ما بين ازدهارٍ وانهيار، وقد ارتسمت تلك الأطوار في معالمَ واضحةٍ بيّـنة عند الدارسين.

فإذا نظرنا إلى (شبوة) اللفظة اللغوية بدءاً من كتاباتها المسندية في اللغة العربية الجنوبية إلى لفظها في اللغة العربية الشمالية؛ لغة القرآن الكريم، ثمّ لغة التورات ولغة الإغريق واللغات الغربية المعاصرة وجدناها على بنىً لفظية؛ مختلفة في زياداتها، ومتفقة في أصولها.

فهي في لغة المسند: (شَبْوَتْ)، ولم تتغير في معظم النقوش اليمنية إلآ بسقوط حرفٍ أو حرفين في بعض النقوش المسندية.

أما في اللغة العربية الشمالية فقد جاءت على لفظ (شَبْوَة) و(شَباة) بالتاء المربوطة، و(شَباهْ) بالهاء الساكنة و(شبام)، والميم في (شبام) إبدالٌ لغويّ من الهاء في (شباهْ)؛ ساكنة الهاء، وتأتي الحركة حسب التصريف الإعرابي في نهاية الكلمة، وجذرها اللغوي (شَبَوَ) في الأصل، وفي الاستعمال (شَبا).

وجاءت في لغات الكتب السماوية القديمة كالتورات على (سابتاه) في العبرية، وقد سلك المؤلفون الإغريق مسلكاً لغوياً مقارباً لما جاء في التورات، فهي عندهم (ساباتاه، وسابوثا وسابوتا و وسابّـاثا)، وكذلك الأمر لدى اللغات الغربية مع اختلافٍ يسير.

واسم شبوة في اللغات المختلفة لم يخرج عن جذره اللغوي إلآ في بعض الإضافات المدية أو في قلب الشين سيناً، أو الهاء ميماً، أو قلب التاء ثاءً، وهي أمورٌ حكمتها أصوات تلك اللغات، وقدرات متكميها على مقاربة اللفظ العربي في صيغته العربية الجنوبية و الشمالية.

أما معاني اللفظ فقد تنوعت في دلالاتها في العربيتين مع تمركزها حول معنىً واحد جامعٍ ورابط بين جميع الدلالات، وذلك المعنى هو (العلو أو الارتفاع والظهور والبيان)، ومنها شبا الوجهُ أضاء، و شبا الفرسُ قام على رجليه، وشبا الرجلُ النارَ أوقدها، وشبا الرجلُ طال، و شبتِ الشجرةُ ارتفعت .. والشباة الرجل السفيه، وجارية شبوة فاحشة، والشباة إبرة العقرب، ومعاني أخرى لا تخرج عما سبق.

وشبوة المدينة سُمّيت كذلك لوقوعها على مرتفع صخري بمحاذاة وادي المِعْشار.

كما أن لها أحكاماً في النحو والصرف، وهي تصريفاتٌ نحوية في الإعراب، وتصريفاتٌ في الصيغ الصرفية المختلفة في الأسماء المشتقة والتثنية والجموع.

أما شبوة في الشعر فقد تغنّى بها الشعراء مظهرين مكانتها في التحضر المدني المتمثل في الزراعة وما يتبعها من ثروة حيوانية، قال الشاعر علقمة الفحل:

وهذا لا يعني أن شبوة لا تعرف الشعر لانشغالها بالزراعة والرعي، بل؛ أن ملوكها قد أحاطوا به وتذوقوه؛ فيقول قائلهم:

فذلك الملك لا يتذوق الشعر فقط، بل؛ يجزل العطاء للشعراء بكثير من الأنعام.

و يقول الآخر:

إلى أن يقول:

وهذه الأشعار قيلت في تَقَلُّب أحوال شبوة حرباً وسلماً، بناءً وهدماً، تجارةً وثروة.

أما شبوة في التاريخ فقد مرت بأطوار مختلفة، حددها الدكتور جواد على بمراحل ثلاث؛ هي: 1 ـ الازدهار، 2 ـ الانحطاط، 3 ـ الإبادة بعد الحريق الكبير. وقد تخللت هذه المراحل حملاتٌ حربية سبئية في الأعوام الآتية: (115 ق. م، و225 ب. م، و315 ب. م).

وعلى الرغم من ذلك فقد شهدت شبوة كثافةً في المباني التي تحيط بها تحصيناتٌ دفاعية، ولها سوران؛ أحدهما داخلي والآخر خارجي، وللمدينة خمسة أبواب، وقد بَنَى قصرَها الملكيَّ (شقرَ) الملكُ الحضرميُّ (يدع إل بين رب شمس)، وقد تعرّض القصر للتدمير والتخريب، ولكن تمّت إعادة ترميمه كل مرة، وله مبانٍ فرعية وملحقاتٌ ملكية.

وبيوت المدينة السكنية تتراوح ما بين (150 ـ 170) بيتاً، وقُدّر سكناها بألفي نسمة، وقبورهم جنائزية و تذكارية، وتأتي على شكل غرف بأحجام مختلفة وكهوف كثيرة، وبعضها مدافن تحت الأرض، والأخرى منحوتة في الجبال، وقد شهدت المدينة كثيراً من المعابد التي تربو على الـ (60) معبداً، وقد عرفوا التوحيد في القرن الرابع الميلادي.

أما التجارة فقد كانت شبوةُ المخزنَ الأول للبخور والمر واللبان والأكاسيا والعناب وتربية النحل ومنجم الملح، أما طرقها التجارية فطرقٌ رئيسة وأخرى فرعية، وقد حُكمت تجارتها بقوانين ضابطة للبيع والشراء ومواعيدهما.

(3) هذا .. وقد عرفت المدينة المسكوكات النقدية واللوحات والرسوم والأختام، وأشكالاً متنوعة من الترف.

وقد اهتم بها الأثريون والمستشرقون والبعثات الحكومية الرسمية من مشرق الأرض ومغربها.

ويطالب البحث بالآتي:

1 ـ استعادة آثار شبوة من الخارج والبحث عن منهوباتها.

2 ـ تكليف مترجمين لنقل ما كُتب عنها.

3 ـ دعم اليونسكو في مسعاها لاعتماد طريق البخور ضمن لائحة التراث الإنساني.    

التعليقات (0)