تمنع عاصمة دولة قتبان

تمنع عاصمة دولة  قتبان

  د. نبيل عبد الوهاب عبد الغني

أستاذ مساعد قسم التاريخ كليه الآداب

الملخص:

قِتبان اسم قبيلة واسم دولة، أما قِتبان القبيلة من المرجح أن مقرها كان بين هجر كحلان وبيحان القصب، وحيث تقع اليوم هجر بن حميد. واسم قتبان لا يدل على الدولة فحسب بل على مجموعة من القبائل تكون فيما بينها اتحادا قوياً يطلق عليه (أولاد عم)، وهو الإله الرسمي للدولة، ويعد وادي بيحان من صميم أرض دولة قتبان وأودية أخرى... وقد كان للدولة حضور فاعل في التاريخ السياسي والحضاري لليمن القديم، وقد تميزت نقوشها عن سواها من دول العربية الجنوبية بأنها تحوي نصوصا قانونية ومراسيما رسمية... وقد اتخذت مدينة تِمنع عاصمة لها.    

تقع مدينة تِمنع حاضرة القتبانيين التي ذاع صيتها عند الرومان واليونان، وتعرف اليوم بهجر كحلان، على الضفة اليسرى لوادي بيحان الشهير (ب ر م) في النقوش حيث يقترب الوادي من نفاذه إلى السهل الصحراوي، وقد كانت هذه المنطقة معروفه بخصبها وكثرة مراعيها ووفرة مياهها. ووادي بيحان من أقدم مناطق السكنى في اليمن. وكان لهذا الموقع أهمية اقتصادية، إذ جعلها تسيطر على مياه الري، وطرق التجارة. وتِمنع بكسر أول الاسم، هي الرواية التي استقر عندها رأي العلماء بعد اختلاف.  

لقد كانت البعثة الأمريكية لدراسة الإنسان هي أول بعثة قامت بـأعمال حفر في المنطقة بقيادة (ويندل فيلبس) في العام 1950م، قدرت مساحة تمنع ب 60 فدان أي ما يعادل 252,000 متر مربع، وكبر مساحة المدينة بهذا القدر ربما يبرر ما قاله عنها (بليني) أن بها 65 معبداً، وأرجعت تاريخ بناء المدينة إلى القرن الرابع قبل الميلاد كما قدر المسافة بين تمنع ومدينة غزة على ساحل فلسطين المحطة التي تتجمع فيها كافة السلع القادمة من اليمن بـ(2437500) (خطوة وتقطع هذه المسافة بـ(65) يوم على الإبل، وليس كما هو مذكور في بعض المراجع أنه يمر عبر 65 محطة. وفي اعتقادي أن الاهتمام بقياس المسافة بين تِمنع وغزة يعبر عن مكانة المدينة في نظر الكلاسيكيين.

كانت تِمنع عاصمة القتبانيين واقعة على حافة طريق اللبان وعلى مقربة من الصحراء، مثل بقية العواصم اليمنية القديمة: شبوة، ومأرب، وأشار بليني إلى أن طريق اللبان لابد أن يمر عبر أراضي القتبانيين، ولابد أن ندفع للقتبانيين أتوات جمركية لحكامها، وكان ما يأخذه ملوك قتبان من المر والأصماغ العطرية يساوي الربع. وكانت تمنع محطة تجميع اللبان والمر، وفي دراسة تشير إلى أن سعر رطل من المر يساوي ضعف سعر رطل من اللبان، ربما لأهميته الصناعية والدوائية.

وقد استحقت تمنع اسم مدينة لتوافر عناصر المدنية فيها وفقاً لنظرية العالم الألماني ماكس فيبر: إن ما وصلت إليه المدنية من نمو وسعة في العمران، وتنظيم إداري وسياسي واقتصادي ما هو إلا نتيجة للتطور الطبيعي للنشاط التجاري فيها باعتبار السوق المركزي الذي يتوافد إليه المزارعون من القرى المجاورة لتسويق منتجاتهم...) ووجود الغرباء بغرض القيام بأعمال تجارية وغيرها. وقد ذكرت النقوش القتبانية توافد المعينيين مستوطنين، وبعض قبائل أمير الذين كانوا أصحاب جمال، ومن المعروف أن الجمل كان الوسيلة الرئيسة للنقل.

واعتماداً على اللقي الأثرية التي عُثر عليها عند البوابة الجنوبية توصلت البعثة الأمريكية لدراسة الإنسان إلى تاريخ نسبي يدل على أن بناء المدينة قد تم في القرن الرابع قبل الميلاد.

لقد تميزت النقوش القتبانية عن سواها من نقوش بقية الممالك الأخرى، فالمدنية النقوش القتبانية ظاهرة فيها. فأغلب ما تذكره النقوش القتبانية يتعلق بهيئات المملكة وبالتشريعات وإصدار المراسيم، والقوانين الجزائية للمخالفين التي من شأنها تنظيم المجتمع وتنظيم الأعمال التجارية، والأعمال الزراعية المختلفة، وحفظ الحقوق وإظهار الواجبات مما يبرز دور الدولة فيما يخص مبدأ الثواب والعقاب، وحفظ الأمن، فأمن الناس على أرواحهم وعلى أموالهم وعلى تجارتهم وهذا له أثرٌ كبيرٌ على سلوك القتيانيين وغير القتبانيين في تعاملهم فيما بينهم وفي تعاملهم مع الدولة.

وكانت هيئات الدولة تتكون من: الملك على رأس السلطة، مجالس نيابية تمثل الشعب نيابياً وهي مجلس قبلي إلى جانب العرش، ولكل قبيلة ممثلين في الهيئات التشريعية المختلفة. وممثلين لأصحاب الأراضي الخصبة، وسكان المزارع والمراعي الممثلين بطبقة السادة إلخ. وهناك المجلس الاستشاري. كان المجلس القبلي يعقد جلساته مرتين في العام في العاصمة تمنع بدعوة من الملك...

لقد كان لمدينة تِمنع دور بارز في حياة القتبانيين، وللتجار سواءً المحليين أو الذين يأتون من خارج مملكة قتبان. فبالإضافة إلى السوق الذي يتوسط المدينة واسمه سوق شمر وفيه منافع الناس كافة فإنها كانت تلعب دور إعلامي مهم في تنويرهم بالقوانين المتعلقة بحياتهم اليومية ففي وسط ساحة السوق تنتصب مسلة كتب على جوانبها الثلاثة تعاليم خاصة بسوق المدينة سوق شمر الذي ينظم أعمال التجارة من بيع وشراء، وتداول البضائع، وجباية الضرائب، وأوقات البيع والأماكن المحددة للبيع، وتأجير المحلات إلخ. وكذلك كانت تكتب على بوابتها المراسيم الملكية ليطلع عليها الداخلين أو الخارجين منها. وكانت الساحة التي تقع خلف البوابة الجنوبية مكان مناسب يلتقي فيه الناس يتبادلون الآراء في أمور حياتهم، وقد أعدت لهذا الغرض مقاعد حجرية كشفت عنها البعثات الأثرية.

كما كشفت البعثات الأثرية عن الذوق الرفيع في فن النحت والعمارة عند القتبانيين، وذلك يتجلى في اختيار موقع بناء سوق شمر الذي يقع في وسط المدينة وبذلك يسهل حركة استقبال القوافل التجارية ومغادرتها، ولا شك أن المهندس قد قدر حجم القوافل التي لابد أنها كانت كبيرة، كما جعل للسوق ثلاث بوابات: البوابة الشمالية الشرقية، والبوابة الجنوبية الغربية، والبوابة الشمالية الغربية. ثم جعل في الجنوب محلات وربما منازل أيضاً، ومثلهما في الجهة الشرقية. وعلى أساس تنقيبات البعثة الامريكية فإن بيت يفش كان في الجهة الجنوبية، وبيت يفع كذلك، وبناية أخرى يظهر من وصفها بأنها مقر حكومي، وبيت آخر أطلق عليه بيت حداث الذي عثر في داخله على تمثال السيدة (برأت)،  ومن الملاحظ عند اكتشاف البنايات أو المنازل عثروا على  كتابة توضح اسم صاحب المنزل، وعلى ضوء هذه الكتابة عدل المنقبون الأسماء الذي اقترحوها على البيوت المكتشفة. وفي اعتقدي أن هذا له دلالة حضارية، فهل كان ذلك لتسهيل وصول البريد (المراسلات)؟

كما تميزت أساسات المحلات أو الدكاكين في سوق شمر بالارتفاع والمتانة مما توحي بأنها كانت مخصصة لحمل أكثر من دور، وكان الوصول للدور الأول بواسطة سلم، وكان بين الدكاكين ممرات، على أن الدخول كان عبر البوابة الرئيسية للسوق فقط وذلك بغرض التأمين.

أما الزخرفة نشير إلى ما توفرت من معلومات في بيت يفش وفي الجبانة أو مقبرة تِمنع، فقد عثر في بيت يفش على الأسدين وعليهما راكبين وهما نسخة عن أصل هيليني أتقن الفنان القتباني في صنعهما، وقد كانا يزينان جدار بيت يفش لوجود حوافٍ في ظهر التمثال استعملت في الأصل لتثبيته في جدار البيت.

وفي مقبرة تِمنع فإن أشهر ما عثر عليه هو رأس جميل لامرأة شابة منحوتاً من رخام معرق شفاف، وكان لها خصلات من الشعر المجعد تتدلى على الطريقة المصرية وراء رأسها، ولم يفت على الفنان أن يحلي وجهها بوضع غمازة على دقنها، وقد أطلقوا اسم مريم على ذلك الرأس الجميل. وكان لون بشرتها اللطيف الأبيض مائلا إلى لون الكريم...

وفي الجهة الشمالية من السوق يقع معبد المدينة وتقدر مساحته والساحة التابعة له بـ  160 قدما طولاً 135 قدما عرضاً وكانت الساحة مرصوفة بقطع من الرخام. وفي بناية المعبد هذا ظهرت تأثيرات نماذج بناء بابلية، وفلسطينية – سورية، وأخرى فارسية، وهذا يدل على علاقة تِمنع بهذه الدول. بالإضافة إلى  التأثيرات المصرية واليونانية.

لقد كشفت آثار المدينة حجم الدمار الهائل الذي تعرضت له في بداية القرن الأول الميلادي، ليس فقط في البوابة الجنوبية وإنما أتى على المدينة بما فيها المعبد أيضاً، وكان هجوما قد أعد بإحكام معتمدا على النار بدرجة رئيسة، فقد أحرقت حرارة النار كميات من الصخور في المعبد، فاختلطت ببقايا الأنقاض مكونة كتلاً متشابكة غريبة وثقيلة. وهذا يدل على قسوة المعتدي وجبروته، وأنه من خارج الأرض اليمنية وهكذا انتهت تمنع بعد عز دام قرون.

وأحب أن أختم هذا الملخص بعنوان كتاب ألفه أول من زار الموقع الأثري للمدينة، وذلك عام 1900م وهو الرحالة (بري) وكان عنوان الكتاب (أرض العز).

التعليقات (0)