علاقة بريطانيا بمحمية عدن الغربية (إمارة بيحان أنموذجا 1903-1967)

علاقة بريطانيا بمحمية عدن الغربية

(إمارة بيحان أنموذجا 1903-1967)

 

   أ.د أسماء أحمد ريمي

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر

ملخص:

تتناول هذه الورقة علاقة بريطانيا بمحمية عدن الغربية وإمارة بيحان بعدها نموذجاً لهذه العلاقة  للمدة من عام 1903-1967م.

تعد إمارة بيحان إحدى الإمارات المهمة في جنوب اليمن، وقد شهدت تنافساً قوياً بين القوى المسيطرة على اليمن تمثلت بالنفوذ العثماني على شمال اليمن، والنفوذ البريطاني في جنوبه، فقد عملت بريطانيا على مد نفوذها عن طريق معاهدات الصداقة والولاء ومعاهدات الاستشارة لحماية وجودها في مستعمرة عدن التي كانت قد احتلتها عام 1839م، وكذا الحفاظ على طريق مواصلاتها إلى الهند باب المندب.

وقعت بريطانيا مع الدولة العثمانية مجموعة من المعاهدات بشأن تخطيط الحدود بين مناطق النفوذ العثماني العقربي، العولقي، وشيخ الحورة السفلى، وشريف بيحان، وسلاطين يافع العليا ويافع السفلى والعوذلي، والحوشبي، والعلوي، كل هذه كانت تسمى محميات عدن الغربية كما انها عقدت معاهدات مع سلاطين المكلا وسقطرى التي كانت تعرف بمحميات عدن الشرقية إضافة إلى المعاهدات التي عقدت سابقا مع إمام صنعاء عام 1821م، والمعاهدات المعقودة مع حاكم المخا عام 1840م، ومعاهدات الصداقة التي عقدتها بريطانيا مع الإدريسي حاكم عسير عام 1914م. وطبقا لهذه المعاهدات بالنسبة لجنوب اليمن تتعهد الإمارات والسلطنات والمشيخات عدم التنازل عن أي جزء من أراضيها أو تأجير أو رهن لأي دولة أخرى إلا بموافقة الحكومة البريطانية.

البريطاني في المنطقة عام 1914م، كما وقعت معاهدات الصداقة مع سلاطين العبدلي، الصبيحي، الفضلي.

تبدا محميات عدن الغربية خلف عدن بسهل رملي يتراوح ما بين 4 أميال إلى أربعين ميلا وتمتد نحو الداخل بسلسلة من المرتفعات والهضاب. وقد قسمت المحميات الغربية إلى خمس مناطق رئيسية، هي:

  • المنطقة الشمالية الشرقية: وتضم إمارة بيحان وسلطنة العوالق العليا ومشيخة العوالق العليا .
  • المنطقة الجنوبية الشرقية: وتضم العوذلي وسلطنة العوالق السفلى واتحاد دثينا يطلق عليه اسم ( جمهورية دثينا لأن رئيسها ينتخب كل سنة ).
  • المنطقة الوسطى: وتضم سلطنة الفضلي وسلطنة يافع السفلى ويافع العليا .
  • المنطقة الجنوبية الغربية: وتضم سلطنة لحج ومشيخة العلوي وسلطنة الحواشب .
  • المنطقة الشمالية الغربية: وتضم إمارة الضالع ومشيخة الشعيب ومشيخة المفلحي ومشيخة ردفان .

تعد بيحان وهي محط دراستنا ( إمارة الهبيلي) إحدى محميات عدن الغربية، وتحتل أهمية استراتيجية وسط الطريق التي تربط المحميات الغربية ومملكة الإمام يحيى وسلطان حضرموت.

إمارة بيحان:

بعد سقوط الدولة الطاهرية حكمت بيحان كيانات عشائرية متعددة تحالفت تحت مسمى (المصعبين) والمصعبين قبيلة تجمع عشائر متعددة الأنساب وهي قبيلة يجمعها الحلف وليس النسب أو الجد.

أما بيحان الأسفل كانت معظمها تحت حكم قبيلة بالحارث وهناك مابين بيحان الأسفل والأعلى منطقة الأشراف والسادة. عاشت بيحان عقود طويلة تحت سيطرة عشائر وقبائل متصارعة، ولم تكن بيحان ضمن منطقة الحكم العثماني.

نفوذ ال الهبيلي:

تنتسب أسرة الهبيلي إلى الهاشميين الذي انتقلوا إليها من نجران، وهي موطن الأشراف الأول قبل خلافاتهم وتفرقهم وهجرتهم إلى مناطق متعددة، مثل: الجوف ومارب وبيحان التي استقرت فيها أسرة الهبيلي، وتعد هذه الأسرة حديثة عهد مقارنة بنفوذ سلاطين ومشايخ العوالق والواحدي. وترجع بداية هذا النفوذ إلى نهاية القرن التاسع عشر إذ أصبح الشريف أحمد بن محسن الهبيلي من أعيان المنطقة وعزز ذلك بعلاقته الودية بالزواج والمصاهرة للعديد من القبائل، وبهذا أصبح له شأن ومكانة كبيرة في المنطقة.

علاقة ال الهبيلي ببريطانيا:

كان أول اتصال بين آل الهبيلي وبريطانيا عام 1882م عندما زار الشريف أحمد بن محسن عدن لأول مرة واستطاع من خلال هذه الزيارة إقناع البريطانيين بتوقيع معاهدة حماية معه، وهذا ما تم فيما بعد في 29 ديسمبر 1903م.، حصل شريف بيحان بموجبها على راتب شهري قدرة 30 ريال. وقد خلقت هذه المعاهدة لديه طموحا كبيرا لتأسيس الإمارة  الهبيلية الهاشمية في بيحان؛ ليكون هو الحاكم الأول وأن يخلفه ابنه بعده. وبهذه المعاهدة أصبحت بيحان جزءاً لا يتجزأ من محميات عدن، ثم أصبحت فيما بعد عضوا مؤسسا في اتحاد الجنوب العربي.

اقتنع البريطانيون أن يكون الاشراف آل الهبيلي حلفاء لهم وحكام لمنطقة بيحان، وذلك لمعرفتهم بطبيعة التركيبة القبيلة والاجتماعية للمنطقة. وخصوصا أن القوتين الكبيرتين اللتان كانتا في المنطقة هما قبيلتا المصعبين في جنوب بيحان، وبالحارث في شمالها، ومن الصعب أن تدين إحداهما للأخرى، فجاء اختيار الشريف الهبيلي لما يمتلكه الأشراف من مكانة روحية واحترام بين القبائل. ولما يمتلكه الشريف أحمد بن محسن حينها من مكانة اجتماعية وقوة شخصية أهلته إقناع البريطانيين ان يكون هو حلا وسطا ليحكم بيحان ويكون حليفها المستقبلي. وقد ظهر ذلك من خلال وقوف الشريف إلى جانب بريطانيا في الحرب العالمية الأولى. وفي المقابل وقف البريطانيون إلى جانب الهبيلي من خلال ردع تهديدات الإمام يحيى الرامية إلى مد نفوذه إلى بيحان ولأهمية بيحان كونها منطقة حدودية مع الإمام أقامت بريطانيا مدرج لهبوط الطائرات لتعزيز وجودها في المنطقة.

بعد صراعات وحروب عنيفة مع القبائل في بيحان وبمساندة بريطانيا للهبيلي استطاعت أسرة الهبيلي  تأسيس الإمارة الهبيلية في كل منطقة بيحان وأعلنت بريطانيا عن تأسيس هذه الإمارة في 17 سبتمبر 1943م. ويعد الشريف حسين بن أحمد بن محسن الهبيلي هو المؤسس الحقيقي لهذه الإمارة واتخذ من مدينة بيحان (القصاب العليا) مقرا له وعاصمة لإمارته.

معاهدة الاستشارة:

لأحكام سيطرة بريطانيا على المنطقة استحدثت معاهدة مكملة لمعاهدات الصداقة والحماية مع الحكام المحليين، وهي المعاهدات التي عرفت بمعاهدة الاستشارة التي بموجبها بدأت بريطانيا تهتم بالتغيير والتنظيم الإداري في الإمارة حفاظا على مصالحها في عدن.

كانت معاهدة الاستشارة قد فرضت المستشارين الإنجليز من قبل حكومة عدن على زعماء هذه الإمارات للهيمنة على المناطق الداخلية. وأظهرت بريطانيا في سياسة الاستشارة أن وظائف المستشارين البريطانيين تتمثل في غسداء النصح والمشورة للحكام المحليين ويملكون السلطة الكاملة في إمارات الجنوب العربي ومشورتهم بمثابة نصائح الزامية.

مثلت معاهدة الاستشارة قمة التدخل المباشر والهيمنة  للشؤون الداخلية، وعززت موقف بريطانيا إلى الانتقال المباشر للسيطرة على إمارة بيحان، ذلك من خلال وجود قواتها المسلحة وتدخل المستشارين في كل صغيرة وكبيرة وأصبح المستشارون هم الحكام الحقيقيون لإمارة بيحان، وعملت على تأسيس تنظيمات إدارية تقدم فيها بعض الخدمات العامة مثل: السلطة التشريعية المتمثلة في مجلس الدولة وفي الإدارات التنفيذية المتواضعة والتنظيمات البلدية والقضائية والمحاكم الشرعية والعرفية، كما بنت قوة عسكرية وامنية، وأيضا بعض المرافق الخدمية والثقافية والرياضية.

وقد كان الأمير صالح بن حسين الهبيلي آخر حكام إمارة بيحان 1959-1967م. وكانت إمارة بيحان تعد من المؤسسين لاتحاد الجنوب العربي في 11 فبراير 1959م. وذلك ضمن توقيع 6 ولايات من محميات عدن الغربية وهي السلطنة الفضلية، والسلطنة العوذلية، وإمارة بيحان، وإمارة الضالع، ومشيخة العوالق العليا، وسلطنة يافع السفلى (بني قاصد).

وقد انضمت لاتحاد الجنوب العربي رسميا عام 1963م. وعاصمتها سوق عبدالله وتسمى اليوم بيحان (وقد تبوأ الشريف حسين بن أحمد الهبيلي وزير داخلية الجنوب العربي) .

بعد قيام ثورة 14 أكتوبر عام 1963م، أخذت تهدد قيام اتحاد الجنوب العربي بالنضال من أجل استقلال الجنوب فقد ألغيت إمارة بيحان وغيرها من إمارات وسلطنات، ومشيخات الجنوب العربي بعد استقلال الجنوب عام 1967م وإعلان جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية.

التعليقات (0)