شبوة في نقش كرب إ ل وتر

شبوة في نقش كرب إ ل وتر

 أ.د. ناصر صالح حبتور

ملخص:

يرجع نقش المكرب السبئي كرب إل وتر بن ذمار علي إلى مطلع القرن السابع ق.م وقد دونه ذلك المكرب بمناسبة قيادته حلفا عسكريا ضم كل من سبأ وحضرموت وقتبان وقد شكل ذلك الحلف لمواجهة المد الأوساني الذي تمكن من هزيمة مملكة حضرموت واقتطع منها مساحات واسعة، كما امتدت حروب أوسان؛ لتشمل مملكة قتبان وكافة المناطق التابعة لها.

عاشت في الفترة أعلاه أربع من الدول الكبيرة وبقدر ما سادت الحروب فيما بينها فإن التقارب والتأثير والتأثر بين تلك الدول كان سائدا في فترات التعاون والتحالفات التي كانت تسود بين تلك الدول، وكانت أهم الكيانات التي قامت في ذلك الزمن في ما يعرف اليوم بمحافظة شبوة الدول التالية:

  • مملكة أوسان التي كان مركزها في وادي مرخة وعاصمتها (مسور) وضمت إلى كيانها أودية ضراء وعبدان والحجر وحطيب كما ضمت كل من هضبة دثينة وأخور وأبين (تفض) وتبن وبلاد يافع.
  • مملكة قتبان وكان مركزها في وادي بيحان وحريب أما عاصمتها فكانت مدينة (تمنع) التي تعرف اليوم باسم (هجر كحلان) وبهذا الموقع كانت تشرف على خط التجارة الدولي القادم من الساحل الجنوبي باتجاه سبأ، وشمال الجزيرة العربية ولازدهار التجارة في قتبان فقد احتلت الدولة الأولى بين دول العربية الجنوبية من حيث إصدار التشريعات في مجالي الزراعة والري والتجارة وكان قانون قتبان التجاري هو أهم تلك القوانين.
  • مملكة حضرموت وكانت عاصمتها مدينة شبوة، أما أراضيها فقد كانت تضم أودية جردان وعرما والمعشار، كما كانت تضم كل هضبة السوط ووادي حجر وبلاد سيبان في غرب المكلا بالإضافة إلى كل حوض وادي ميفعة وموانئه في بالحاف وقنأ وفي الشرق كانت تضم كل من بلاد الشحر والمهرة وظفار و(خور روري) وسقطرى، وكانت ظقار مركز إنتاج اللبان.

كانت الدولة الكبيرة المحادة للدول أنفة الذكر هي مملكة سبأ التي اتخذت من صرواح عاصمة لها ثم اتخذت مارب عاصمة وبها بنت القصر الملكي السبئي (سلحين)، وبقدر ما ضمت دولة سبأ كل منطقة مارب فقد ضمت كل مناطق الهضبة الشمالية الغربية، وعبر مارب تمر الطريق التجاري نحو شمال الجزيرة العربية.

أشرنا سابقا إلى مؤشرات التقارب والتعاون والاستقرار التي سادت حوالي مطلع القرن السابع قبل الميلاد ودور التجارة في حفاظ دول ذلك الزمن على استمراريتها نظرا لما تدرّه من دخل على مصدريها وحماية طرقها من قبائل ودول، لكن الحروب لم تنته والذي يهمنا هنا تلك الحرب التي دارت في مطلع القرن السابع قٌ.م.

وهي الحرب التي أورد ذكرها المكرب السبئي كرب إل وتر بن ذمار علي في نقشه الموسوم (RES3945) والتي كانت في نظرنا ردا على ما سبق أن قام به ملك أوسان من حرب على كل من حضرموت وقتبان وبواسطة تلك الحرب تمكن الأوسانيون من اقتطاع مساحات شاسعة من مملكتي حضرموت وقتبان وضمها إلى مملكته الأوسانية.

لم يشر الأوسانيون إلى انتصاراتهم ربما يعود ذلك إلى قيام سبأ بتدمير كل الوثائق الأوسانية كما أشار إلى ذلك التدمير كرب الوتر ذاته.

أما كرب إل وتر فقد تجاهل الإشارة لدور أوسان وامتداد نفوذها وأسبابه، لكن لو دققنا في النقش نجد بعض العبارات التي تشير بطريقة غير مباشرة إلى أن أوسان كانت قد قامت بحرب تمكنت بها من اقتطاع مساحات واسعة من أراضي حضرموت وقتبان وضمتها لدولتها بدليل قول كرب الوتر قي نقشه بأنه قد "أعاد لكل من حضرموت وقتبان أراضيهما من تحت أوسان" مما يعني أن أوسان كانت قد شنت حروبا على كل من حضرموت وقتبان وسلبتهما بعض أراضيهما، ولم تعد لهما إلا بعد تحالفها مع سبأ وحضرموت.

الحروب في نقش كرب إل وتر:

تشكل الحلف السبئي الحضرمي القتباني في مطلع القرن السابع قبل الميلاد وكان الهدف من تشكيله مواجهة أوسان وإيقاف توسعها ومن خلال النقش كرب إل وتر نجد أن ذلك الحلف قد شن تسع حملات عسكرية ضد أوسان كانت منها أربعا على مناطق في شبوة أو في مناطق تتبع  دول شبوة أي المناطق التي انتزعتها أوسان من حضرموت وقتبان وقد تعددت المناطق التي اكتسحها جيش ذلك التحالف، ونتيجة لتعدد تلك المناطق فقد أوحى ذلك لكثير من المؤرخين بأن تلك الحروب قد شكلت نصرا عسكريا لمكرب سبأ (كرب إل وتر) وأنه بواسطة تلك الحرب قد وحد كل بلاد اليمن تحت حكمه، بينما لم يشر ذلك المكرب إلى شيء من ذلك، بل  أشار بصريح العبارة إلى أنه قد أعاد لحضرموت أراضيها من تحت أوسان، كما أعاد لقتبان أراضيها من تحت أوسان أيضا، وتشكل إعادة تلك الأراضي لأصحابها دليلا على التعاون وتنفيذ اتفاقات التحالف، وبعودة سيادة كل من حضرموت وقتبان على أراضيهما أصبحت هناك ثلاث دول كبيرة تقوم في العربية الجنوبية وهي دولة سبأ ودولة حضرموت ودولة قتبان وقد خرجت اوسان ولم يعد لها أثر يذكر.

وقد أشار النقش إلى أن عدد القتلى من أوسان والجوف بلغ أكثر من ثلاثين ألفا بينما بلغ عدد الأسرى أكثر من ستين ألفا.

لقد أخطأ المؤرخون الذين ضنوا أن كرب إل وتر قد وحد اليمن، فهو لم يقم بأكثر من العمل على تدمير أوسان لشعوره بأن انتصار أوسان على كل من حضرموت وقتبان لا بد أن يشجع أوسان على غزو سبأ، فعمدت سبأ لإقامة ذلك التحالف وانتصرت بواسطته.

هناك من اعتقد بان سبأ قد أقامت دولة مركزية لعموم اليمن وهو قول خاطئ، فكل دولة من الدول الثلاث استقلت بأراضيها أما أراضي ـأوسان فقد خصص كرب إل وتر بعض منها لسبأ والمقه، لكن أغلب أراضي اوسان عادت لمملكة قتبان بعد زمن لاحق.

كما ذهب بعض المؤرخين  إلى القول بان كرب إل وتر بقدر ما وحد كل اليمن وأقام دولة مركزية فقد وحد الديانة لعموم البلاد هو قول لا يدعمه أي مؤشر نقشي.

التعليقات (0)