شبوة في كتابات الرحالة الأوربيون بنات سبأ أنموذجا

شبوة في كتابات الرحالة الأوربيون

بنات سبأ أنموذجا

        علي سالم علي باهادي

نائب مدير مركز الرناد للتراث والآثار والعمارة  تريم ـ  حضرموت

الملخص:

تقاطر على الجزيرة العربية العديد من الرحالة الأوربيين، يدفعهم في ذلك المؤسسات والمراكز البحثية وأجهزة الاستخبارات أو حب المغامرة والبحث عن اكتشاف تلك العوالم والمجتمعات المجهولة بالنسبة للأوربيين.

تعد الكتابات التي دونها أولئك الرحالة أرشيفا تاريخيا واجتماعيا ومناخيا واقتصاديا للمجتمعات التي مروا بها، والتي لم تعرف الكثير منها التدوين في تلك الأزمان، فكان لهم الفضل في حفظ تلك المعلومات، التي تزداد قيمتها مع مرور الزمن.

البحث يتتبع الإشارات والمواقف والأحداث التي ضمها الكتاب (بنات سبأ) عن شبوة التي هي إحدى المحطات البارزة في خطة ترحال مؤلفة فيلبي، ويستنطق البحث الصور التاريخية عن المنطقة، وقد توزعت الدراسة الى مبحثين ومقدمة وخاتمة.

يعد الرحالة والمستشرق البريطاني هاري سانت جون فيلبي الذي اشتهر بالحاج عبدالله فيلبي من أبرز أولئك الأوربيون الذي قدموا إلى الجزيرة العربية، بل يعد من أعظم مستكشفيها.

ولد فيلبي في العام 1885م، في إحدى المستعمرات البريطانية في الشرق، وعاد إلى بريطانيا وحصل على منحة حكومية وتفوق في دراسته والتحق بكلية ترينتي بجامعة كمبريدج، وهناك ركز على دراسة التاريخ والحضارات الشرقية والقانون الهندي واللغة الألمانية والفارسية والفرنسية وبدأت تظهر موهبته، أكمل تأهيله العلمي بتفوق في مطلع أكتوبر 1908م.

عمل بعد التخرج لدى السلطات البريطانية في مستعمرات الشرق، وقد قاده ذلك للدخول للوطن العربي عام 1915م عبر البصرة، ومنها اخترق وطاف ببقية أجزاء الجزيرة العربية.

التقى فيلبي بالأمير عبدالعزيز بن سعود في الكويت، وأعجب به ورأى انه الشخص الذي سيحقق طموحاته في استكشاف الجزيرة العربية، وتوثقت العلاقة بين الرجلين، وفي العام 1930م أعلن فيلبي إسلامه وحج البيت مع الحجاج ولقب بالحاج عبدالله، وربما كان قد فعل ذلك ليتمكن من تحقيق رغبته في اختراق صحراء العرب واستكشافها.

في العام 1936م انطلق فيلبي برفقة جماعة من النجديين إلى الأجزاء الجنوبية من المملكة السعودية الناشئة، وذلك بتوجيه من الملك ابن سعود ذاته، ليقوم فيلبي بترسيم الحدود مع المملكة المتوكلية اليمنية، التي وقعت حينها اتفاقية حدود وسلام مع الجارة السعودية، لم يستطع فيلبي الوقوف أمام أبواب اليمن ومقاومة كل تلك الإغراءات التي تنتظره عند اختراقه لهذه الأراضي، فدخل الأراضي اليمنية، وقد أثار دخوله ذلك غضب السلطات البريطانية في عدن والحكومات المحلية في حضرموت والإمام الزيدي في صنعاء اليمن، الذي خشي في أن تكون تلك الرحلة تمهيد لضم شبوة وحضرموت إلى السعودية. ولم يلقى فيلبي ترحاب إلا من السكان والقبائل المحلية التي اعتقدت أنه مبعوث الملك أبن سعود.

كانت شبوة محط أنظار الرحالة والمستكشفين الذين يصلون إلى الجزيرة العربية وواحدة من أبرز المحطات التي يحرصون على النزول بها، وقد طارت شهرت شبوة وأخبارها ومعابدها الستين وكونها عاصمة المملكة الحضرمية القديمة، ووصلت تلك الأخبار إلى أروقة المجامع العلمية والمراكز البحثية عبر كتابات المؤرخين الأوربيين الأوائل، فقد حاولت فريا ستارك الوصول لها، وحاول الهولندي فان در ميولن اختراقها. وكذلك ريكاردس وبوكسين، ونورمان بيرن، لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل، واستطاع الألماني هلفريتز الوصول إلى شبوة، وهو أول أوربي يصلها، لكنه طرد منها بسرعة، ولم يبتسم الحظ إلا للمستكشف البريطاني فيلبي.

وصل فيلبي إلى شبوة في مطلع شهر أغسطس من العام 1936م، يرافقه عدد من الجنود السعوديين، وقد استقبله سكانها بفرح إذ اعتقدوا أنه جاء لضمهم إلى المملكة العربية السعودية، وقد أعجب بطريقة الاستقبال في شبوة وخصص للحديث عنها مساحة واسعة في الكتاب.

كانت لرحلة فيلبي أبعاد علمية مهمة، فقد رسم خارطة لشبوة والجزء الشمالي والشرقي لحضرموت وأوضح فيها طرق المواصلات البرية وأهم الأودية وفروعها، كما سجل خلال إقامته بشبوة مقياس درجة الحرارة والارتفاع عن سطح البحر، كما قدم وصفا للنبات الطبيعي والحيوانات والطيور.

كما حدد مناجم وجبال الملح في شبوة التي تعد مصدرا اقتصاديا مهما للمنطقة، وحددهما بأنهما منجمان يقعان إلى الشمال من المدينة القديمة، ومنجم آخر توقف العمل فيه يقع إلى الغرب، وذكر بأن عشيرة آل قطيان هم ملاك مناجم الملح. وأعطى فيلبي مساحة تقريبية لشبوة القديمة (27 فدان)، وتعدادا سكانيا أوليا لتلك القرية حيث قال إنه كان في استقباله حوالي 300 فردا وهم تقريبا مجمل السكان. 

كان لعمل فيلبي السابق في مجال الاستخبارات وإتقانه اللغة العربية ولهجاتها أن مكنه من رصد عادات وتقاليد وأنساب معظم التجمعات السكانية ومنها شبوة، حيث رصد عددا من الظواهر الاجتماعية مثل النزاعات القبلية وحمل السلاح وانعدام الأمن، والآثار الناتجة عنها، وقد تطرق لدور بعض العشائر في تثبيت السلام بين المتحاربين، ومن أشهر تلك العشائر (آل البريكي) التي ينتمي لها عدد من الرجال الصالحين.

لم يظهر فيلبي عند نزوله إلى شبوة أي شوق للآثار، وذلك خشية من أهل شبوة، وربما ليستدرجهم بإظهار ما معهم من القطع الأثرية، وتم له ذلك إذ توالت عليه الإهداءات من مختلف القطع القديمة، وقام بعد ذلك في الأيام التالية بعمل نزولات ميدانية إلى خرائب شبوة ومعابدها، وقد عثر على مجموعة من النقوش، قام بتعريبها فيما بعد عالم النقوش بيستون.

احتوى كتاب بنات سبأ على مجموعة من الصور التي تم التقاطها في تلك الرحلة التي قام بها فيلبي إلى مناطق جنوب جزيرة العرب، توثق الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وتظهر طبوغرافية الأرض وما بها من حياة برية وحيوانية، وقد خصص لشبوة عددا جيدا من تلك الصور يظهر بها بعض من رجال شبوة ومعالمها التاريخية والطبيعية.

أتمنى أن تكون هذه الدراسة فاتحة لدراسات أخرى في هذا المجال (كتابات الغربيين) وأن تخصص لها ندوات في المستقبل، لما لها من أهمية في مختلف العلوم الإنسانية.

التعليقات (0)