التأثيرات الحضارية الأجنبية في مملكة حضرموت على ضوء الشواهد الأثرية (شبوة وقنأ أنموذجا)

التأثيرات الحضارية  الأجنبية في  مملكة حضرموت على ضوء الشواهد الأثرية

(شبوة وقنأ أنموذجا)

 

     فوزي سالم أحمد باعباد

المدرس في قسم التاريخ – كلية الآداب

         جامعة عدن

الملخص:

تميزت اليمن القديم بموقع استراتيجي مهم جعل منه محطة ترانزيت وحلقة وصل بين حضارات المشرق والمغرب، حيث كان اليمن يمثل نقطة ملتقى للطرق العالمية (البحرية والبرية)، فعبر أراضيه يمر طريقان رئيسيان من طرق التجارة العالمية آنذاك، فضلاً عما كانت تنتجة ممالك اليمن القديم من سلع تجارية مهمة كاللبان والمر الذي كان الطلب عليهما كبيراً، ذلك لأهميتهما الدينية والدنيوية في الحضارات القديمة، وهذا أدى بالضرورة إلى نشوء عدد من الموانئ في السواحل اليمنية سواء على البحر العربي أو البحر الأحمر لأغراض تصدير هذه المنتجات المحلية، وكذلك من أجل استيراد ما كان يحتاجه اليمنيون من السلع والمنتجات الأجنبية.

كما كانت العديد من هذه الموانئ محطات ترانزيت، تعيد تصدير ما تستورده من بضائع إلى مناطق أخرى من العالم، هذا بالإضافة إلى نشوء عدد من المدن التي كانت تقع في قلب الصحراء مراكزا تجارية، لوقوعها على خطوط التجارة البرية، كما كانت تعد محطات ترانزيت لتصدير البضائع إلى الموانئ وبعدها إلى الخارج، أو تقوم بدور الوساطة التجارية بين الموانئ والمناطق الداخلية، ذلك من خلال توزيع البضائع المستوردة.

ولما كانت مناطق مملكة حضرموت هي المناطق الرئيسة لإنتاج اللبان والمر، فقد عمل الحضارم على إنشاء بعض المدن والموانئ من أجل تجميع وتوزيع وتصدير هذه السلع وخدمة مصالحهم التجارية الأخرى، ومع ازدياد النشاط التجاري للحضارم تحولت تلك المدن والموانئ إلى مراكز تجارية  كبيرة، ذاع صيتها في كل أنحاء العالم القديم.

وكان من أشهر المراكز التجارية في مملكة حضرموت القديمة شبوة وقنأ؛ فقد كانت شبوة من أشهر المراكز التجارية الواقعة على خطوط التجارة البرية، كما أصبح ميناء قنأ ميناء اللبان الأول، وميناء اليمن الرئيس في تجارة الترانزيت لفترة طويلة من الزمن.

إن هذه المكانة التي تمتعتا بها كل من شبوة وقنأ في عالم التجارة القديمة، سمح لهما الاحتكاك بالحضارات الأخرى، ذلك عن طريق الاحتكاك التجاري المباشر، وهذا الأمر هو الذي أدى إلى وجود العديد من التأثيرات الأجنبية في كثير من الجوانب الحضارية في شبوة وقنأ.

من هذا المنطلق جاء هذا البحث ليسلط الضوء على بعض الجوانب الحضارية من تاريخ مملكة حضرموت، والذي اسميناه بـ:"التأثيرات الأجنبية في مملكة حضرموت على ضوء الشواهد الأثرية (شبوة وقنأ أنموذجا)".

وتكمن أهمية هذا البحث كونه يمثل دراسة لمرحلة تاريخية ازدهرت فيها جوانب الحضارة المختلفة لمملكة حضرموت، وذلك نتيجة ما تمتعت به مملكة حضرموت في تلك الفترة من نشاط اقتصادي غير مسبوق، نتيجة للاستقرار السياسي والأمني، والتنظيم الإداري المحكم، بالإضافة إلى اهتمام حكام مملكة حضرموت بالمجالات المختلفة للنشاط الاقتصادي، وتشجيعهم للتجار والتجارة.

ويرجع سبب اختيار شبوة وقنأ - مجالاً للبحث - دون غيرهما من مراكز الحضارة في مملكة حضرموت إلى سببين، هما:

الأول: إن  شبوة وقنأ  كانتا من أبرز المراكز الحضارية الذي ظهر فيهما التأثيرات الأجنبية في العديد من الجوانب الحضارية.

الثاني: إن شبوة وقنأ يدخلان في الإطار العام للحدود الزمانية والمكانية لهذا المؤتمر (شبوة تاريخ وحضارة).

ويهدف هذا البحث إلى تقديم صورة واضحة عن بعض التأثيرات الأجنبية التي مست العديد من الجوانب الحضارية في شبوة وقنأ، وخصوصًا تلك التأثيرات التي مست الصناعة والعملة والجوانب المعمارية.

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف اتبع الباحث آليات المنهج الوصفي والتحليلي في التعامل مع المعلومات الآثارية، كما تم اتباع القواعد الصحيحة للمنهج العلمي، من خلال جمع المادة العلمية، ثم تصنيفها إلى موضوعات متناسقة ومتجانسة، ثم صياغتها بأسلوب علمي دقيق، مراعياً الترابط بين معلوماتها، والتسلسل في أحداثها، والوضوح في حقائقها، بغية الوصول إلى النتائج الصحيحة التي يهدف إليها البحث.

ومن أجل تقديم دراسة مستفيضة حول التأثيرات الحضارية الأجنبية في شبوة وقنأ تم تقسيم الدراسة إلى مبحثين، هما:

المبحث الأول - التأثيرات الحضارية  الأجنبية في  الجوانب الحضارية لشبوة:

في هذا المبحث تم توضيح العوامل التي أدت إلى ازدهار شبوة بعدها مركزا تجاريا، وتوضيح دورها في التبادلات الداخلية والخارجية للسلع التجارية، وعلاقاتها الخارجية، وهو الأمر الذي سمح لظهور الكثير من التأثيرات الخارجية في العديد من الجوانب الحضارية لشبوة، منها التأثيرات الحضارية في الفنون الزخرفية والبناء الذي يدل على اختلاط الفنون المحلية بالفنون اليونانية الرومانية، والتي فيها امتزجت الفنون المحلية بلمسات الفنون العالمية كالفن الروماني والهلنسي، هذا بالإضافة إلى التأثيرات الحضارية لحضارات البحر الأبيض المتوسط على هذه الجوانب.

كما تم تناول التأثيرات الصناعية على الصناعة المحلية سواءً تلك التأثيرات القادمة من بلاد الرافدين أو حضارات حوض البحر الأبيض المتوسط، أو حضارات الشرق القديم، هذا بالإضافة إلى إبراز التأثيرات الأجنبية في عملة شبوة.

المبحث الثاني - التأثيرات الحضارية  الأجنبية في الجوانب الحضارية لقنأ:

لقد تم عرض في هذا المبحث الموقع الجغرافي لميناء قنأ وخلفيته الجغرافية، ومن ثم توضيح أهمية قنأ في النشاط التجاري العالمي، ومن ثم عرض نماذج من العلاقات التجارية التي كانت بين قنأ والمراكز الحضارية العالمية في تلك الفترة. 

كما تم توضيح كيف سمحت العلاقات التجارية من التمازج الحضاري بين قنأ وتلك الشعوب، مما أدى إلى ظهور العديد من التأثيرات الحضارية على العديد من الجوانب الحضارية في قنأ.

كما تم إبراز التأثيرات الأجنبية على الصناعة المحلية في قنأ التي كانت من أهم الجوانب الحضارية التي ظهرت فيها التأثيرات الاجنبية، سواءً التأثير في فن زخرفة المصنوعات، أو الأسلوب الهندسي للأشكال، وكذلك أنواع الصناعات، هذا بالإضافة إلى إبراز أهم الحضارات التي تركت تأثيراتها في هذا الجانب منها: التأثيرات الفارسية، والتأثيرات الإغريقية والرومانية، وكذلك تأثيرات بلاد الرافدين وشرق إفريقيا.

كما تم توضيح التأثيرات الأجنبية في قنأ على القطع والأختام التي تحمل اللمسات الفارسية، وبيان انعكاسات التأثيرات القادمة من شرق أفريقيا على العملة النقدية، الذي ظهر جليا في الاعتماد على البرونز الأكسومي.

وفد اختتمنا البحث بخاتمة ضمت أهم النتائج والاستخلاصات، ثم الحقناها بقائمة المصادر والمراجع.

التعليقات (0)