ماهي بلاد ماوراءالنهر؟

ماهي بلاد ماوراءالنهر؟

إعداد: د. سليمان عباس البياضي

عضو اتحاد المؤرخين العرب.

عضو إتحاد المؤرخين الدولي.

الكثير من شباب الأمة أصبح لا يعرف البلدان الإسلامية، وذلك نتيجة عدم القراءة والبحث والإطلاع وإذا سألتهم عن بلاد ماوراء النهر تجدهم لا يعرف عنها شئ، وأطلق المسلمون اسم بلاد ما وراء النهر على البلاد المعروفة الآن باسم آسيا الوسطى الإسلامية، وتضم خمس جمهوريات إسلامية، كانت خاضعة للاتحاد السوفييتى، ثم منَّ الله عليهم، فاستقلُّوا بعد انهياره، وهذا الجمهوريات هي الآن أوزبكستان وطاجيسكتان وقازاخستان وتركمانستان وقرغيزيا.

وكانت هذه البلاد تتكون عند الفتح الإسلامى من عدة ممالك مستقلة، وهى:

1 - مملكة طخارستان، وتقع على ضفتى نهر جيحون، وعاصمتها بلخ.

2 - مملكة الخُتّل، وهى أول مملكة شمالى نهر جيحون، وعاصمتها مدينة هلبك.

3 - مملكة صغانيان، وعاصمتها تسمى صغانيان أيضًا.

4 - مملكة الصغد، وعاصمتها مدينة سمرقند، ومن أهم مدنها بخارى.

5 - مملكة خوارزم وعاصمتها مدينة الجرجانية. بالإضافة إلى بعض الممالك الأخرى.

وهذه الممالك كلها تم فتحها خلال عشر سنوات "86 - 96هـ " فى خلافة الوليد بن عبدالملك على يد قتيبة بن مسلم الباهلى وبقوة دفع هائلة من الحجاج بن يوسف الثقفى والى العراق والمشرق.

وقد طرق المسلمون هذه البلاد عدة مرات منذ خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه "23-35هـ ؛وغزاها في خلافة بني أمية عدد من القادة المسلمين إلى سنة "86هـ" منهم عبيد الله بن زياد وسعيد بن عثمان بن عفان، والمهلب بن أبي صفرة، وولديه: يزيد والمفضل، ولم تسفر حملات هؤلاء القادة عن فتح، وقد انعكست الخلافات والانقسامات التي أعقبت موت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه من سنة "60هـ" إلى سنة "72هـ"على الفتوح في هذه المنقطة، وأصبح المسلمون في موقف دفاعي، حيث اغتنم الترك انشغال المسلمين بهذا الخلاف، فكانوا يغيرون على ديار الإسلام، ويحرضون أهل الصلح من البلاد على الثورة، وبلغوا في بعض هجومهم إلى قرب نيسابور في خراسان، وفقد المسلمون كثيرا من المناطق التي كانوا يسيطرون عليها.

فما أن تمكن عبد الملك بن مروان "65-86هـ" من القضاء على مناوئيه حتى بدأ يولي الفتح الاهتمام الواجب، وكان الحجاج بن يوسف الثقفي الذي ولاه عبدالملك على العراق والمشرق " 75هـ" ذا فضل كبير بسبب شدته وصرامته في تحقيق قدر كبير من الاستقرار في العراق ولو ظاهريا مكَّن من خروج الحملات العسكرية نحو الأقاليم الشرقية .

وبدأت المرحلة الحاسمة فى الفتح والاستقرار مع تسلم قتيبة بن مسلم قيادة جيوش الفتح وولاية إقليم خراسان سنة "85هـ" ،وكانت الظروف مواتية له تمامًا، فالدولة الأموية كانت عندئذٍ فى أحسن حالاتها استقرارًا وهدوءًا وثراءً، فاجتمع لقتيبة مهارة القائد، وعزم الوالى الحجاج وتشجيعه، وقوة الدولة وهيبتها، فكانت فتوحاته العظيمة فى بلاد ماوراء النهر.

ولم يكن قتيبة قائدًا عسكريا فذا فحسب، بل كان إلى جانب ذلك رجل دولة، وصانع سياسة، وواضع نظم وإدارة، فعمل بعد تسلمه أمور الولاية على القضاء على الخلافات العصبية التى كانت تعصف بالقبائل العربية فى خراسان، من جراء التنافس فى الولايات، وجمع زعمائهم.

ولم يكتفِ قتيبةبتوحيد صفوف القبائل العربية تحت راية الجهاد، بل عمل على كسب ثقة أهل خراسان الأصليين، فأحسن إليهم، وقرَّبهم وتودَّد معهم، وعهد إليهم بالوظائف، فاطمأن الجميع إليه، ووثقوا به وبقيادته.

- مراحل الفتح.

مرت خطوات قتيبةفى فتح تلك البلاد التى استمرت نحو عشر سنوات "86 - 96هـ "عبر مراحل أربع.

- المرحلةالأولى" 86 - 87هـ".

وفيها أخضع قتيبة بن مسلم إقليم طخارستان، الواقع على ضفتى نهر جيحون، ويبدو أن أوضاعه لم تكن قد استقرت للمسلمين تمامًا، منذ أن فتحه الأحنف بن قيس فى خلافة عثمان بن عفان، وكانت تلك بداية ناجحة، فبدون توطيد أقدامه فى طخارستان لم يكن ممكنًا أن يمضى لفتح ما وراء النهر، وأصبح يتمتع بهيبة كبيرة فى تلك البلاد؛ فما إن يسمع الملوك بمسيره إليهم، حتى يسرعوا إلى لقائه وطلب الصلح.

- المرحلة الثانية "87 - 90هـ".

وفيها فتح قتيبة إقليم بخارى، بعد حروب طاحنة، وانتظام حملاته عليها، وكان الغزو يحدث فى الصيف، لأن شتاء تلك البلاد كان قاسيًا شديد البرودة على العرب، لكنهم صبروا وجاهدوا حتى تمَّ لهم الفتح.

والحقيقة أن جهل أهل البلاد بالإسلام، وتصورهم أن المسلمين جاءوا للاستيلاء على خيرات بلادهم، هو الذى جعلهم يقاومونهم، لكنهم لما عرفوا أن المسلمين ليسوا غزاة، وإنما هداة يحملون إليهم الإسلام، أقبلوا على اعتناقه والإيمان بمبادئه.

- المرحلة الثالثة "90 - 93هـ".

 وفيها أكمل فتح حوض نهر جيحون كله، وتوَّج عمله بالاستيلاء على سمرقند ، أعظم مدائن ما وراء النهر كلها.

- المرحلة الرابعة "93 - 96هـ".

وفيها عبر قتيبة نهر سيحون، وفتح الممالك السيحونية الثلاث: الشاش وأشروسنة، و فرغانة، ووصل إلى إقليم كاشغر الذى يلامس حدود الصين، التى تهيأ لفتحها، لولا وفاة الحجاج سنة "95هـ" وبعده الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة "96هـ" جعلته يتوقف عند هذا الحد، لكنه أجبر ملك الصين على دفع الجزية له مع رسوله إليه هُبيرة بن المشمرج الكلابى.

وقد أصبحت تلك البلاد جزءًا مهما وعزيزًا من العالم الإسلامى، نشأت فيه مراكز علمية وحضارية، مثل سمرقند، و بخارى، وجرجان، وغيرها، وخرجت عددًا هائلا من علماء المسلمين الذين ملأت أسماؤهم الدنيا.

التعليقات (0)