ماذا تعرف عن الوزير نظام الملك الطوسي القائد والعالم؟

ماذا تعرف عن الوزير نظام الملك الطوسي  القائد والعالم؟

الدكتور سليمان عباس البياضي

باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية

عضو اتحاد المؤرخين العرب

وعضو إتحاد المؤرخين الدولي

وعضو الجمعية المصرية التاريخية

في تاريخ الحضارة الإسلامية، كما سائر الحضارات، هناك محطات فاصلة لعبت دورًا رئيسيًّا في إحداث طفرات هائلة، ومن اللافت أن تكون هذه التحولات مرتبطة بأشخاص كانوا من جملة هذه الأسباب التي أدّت إلى تحوّل في مسار الحضارة؛ فكأنما ملكوا قدرة على فتح الأبواب المغلقة لانسياب تيار الحضارة الإسلامية في مجرى الزمان والمكان؛ ليُثبت تفوّقه؛ علميًّا كان أم سياسيًّا أم اقتصاديًّا أم عسكريًّا.

ولعل من هؤلاء نظامَ الملك الطُوسي، الرجل الذي عمل وزيرا لمدة ثلاثين عاما كاملة لاثنين من سلاطين السلاجقة، ألب أرسلان وابنه ملكشاه، وهو الرجل الذي أثبت قدرة وكفاءة تكاد تكون نادرة في تاريخ الإدارة في الإسلام، بل إنه فوق مهامه الإدارية الجسيمة كان رجل علم وثقافة، واستطاع أن يؤلف واحدًا من أهم مصادر السياسية والآداب السلطانية في تاريخ الإسلام الوسيط، فمن هو نظامُ الملك الطوسي؟ وما أهم إسهاماته التي استحق معها مكانة مرموقة في التاريخ؟ وكيف أدّت نجاحاته الباهرة إلى خاتمة مأساوية في نهاية المطاف؟!

من الفقر إلى الوزارة!

وُلد أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي في إحدى القرى التابعة لولاية طوس، أو مدينة مشهد الرضا في أقصى الشرق الإيراني اليوم قرب الحدود مع تركمانستان، في عام 408هـ/1017م، وكان والده يعمل دهقانا، أي زعيمًا لمدينة بيهق التابعة لطوس زمن سيطرة الغزنويين على تلك المناطق، أي إن والده كان من رجالات الإدارة الغزنوية في مراتبها المتوسطة، على أن دخله ومرتبه الشهري من تلك الوظيفة لم يكن يكفي حاجته وحاجة أبنائه، ومنهم نظام الملك.

كانت المأساة الأكبر متمثّلة في وفاة والدة نظام وهو لا يزال رضيعًا؛ ولأن والده كان فقيرًا ولا يستطيع استئجار مُرضعة، فإنه كان يمر به على بيوت النساء يُرضعنه لوجه الله دون مقابل، ومن هنا تفتحت عينا نظام الملك على الفقر، وهو الشعور ذاته الذي جعله ذا طموح كبير، دفعه ابتداء للتعلم وحفظ القرآن الكريم، وقد وصفه المؤرخ ابن الأثير بأنه نشأ «وسِرُّ الله فيه يدعوه إلى علوّ الهمة، والاشتغال بالعلم، فتفقّه وصار فاضلا» ثم تعلم اللغة العربية وحفظ القرآن، وكان ملما بالفقه والحديث وأمور السلطنة، وكان حاد العقل وحسن السياسية.

عمل مع السلطان السلجوقي ألب أرسلان بتوصية من والد السلطان، وظل معه عشر سنين تقريبًا، شهدت خلالها الدولة السلجوقية ازدهارًا كبيرا.

قال عنه ابن الأثير:

 «... وأما أخباره فقد كان عالما، عادلا، حليما، كثير الصفح، طويل الصمت، حافظ القرآن، كان لا يجلس إلا على وضوء، وما توضأ حتى تنفل».

وكانت لنظام الملك يدٌ في مساعدة السلطان ملكشاه لتولي السلطنة خلفا لوالده ألب أرسلان بعد صراع مع أفراد عائلته، وكان حينها نظام الملك يبلغ 55 عامًا وملكشاه 20 عامًا، فكان السلطان يرد الأمور كلها إليه، ولقبه بلقب «أتابك» أي «الأمير الوالد»، واعتمد عليه ألب أرسلان في الوزارة، وكان عالمًا عادلًا حليمًا كثير العفو، وكان مجلسه حافلًا بالفقهاء وأئمة المسلمين وأهل الخير والصلاح، وقد اشتهر ببناء المدارس في البلاد وخصَّص لها الكثير من النفقات، وكان وزير صدق يكرم العلماء والفقراء، ولمَّا عصى الملك شهاب الدولة قتلمش وخرج عن الطاعة، وطمع في أخذ الملك من ألب أرسلان وكان من بني عم طغرلبك، فجمع وحشد واحتفل له ألب أرسلان فقال له الوزير: أيها الملك لا تخف، فإني قد استخدمت لك جندًا ليليًّا يدعون لك وينصرونك بالتوجه في صلواتهم وخلواتهم، وهم العلماء والصلحاء؛ فطابت نفسه بذلك.

وأنشأ نظام الملك الطوسي المدارس النظامية من أجل مواجهة المد الشيعي، وقامت المدارس بدورٍ مُهِمٍّ في تاريخ السلاجقة؛ حيث عملت هذه المدارس على إعداد الإنسان الصالح والمصلح لغيره، واعتبر هذا الهدف مهمًّا لبناء الأمَّة الصالحة، وكان للوزير السلجوقي نظام الملك الطوسي اهتمام كبير بالمنشآت المدنية، خاصة دور العبادة، فبنى كثيرًا من المساجد في مختلف البلاد الخاضعة للسلاجقة، كما اهتم بعمارة الحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة النبوية، وأقام العديد من الرباطات بالعراق وفارس للعباد والزهاد وأهل الصلاح والفقراء، ورتب لهم ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء، وبنى الوزير نظام الملك مارستانًا بمدينة نيسابور.

وفاة نظام الملك:

بحلول القرن الخامس الهجري كانت فرقة الباطنية الشيعية أو الحشاشين بقيادة حسن الصباح تمثل خطرًا داهمًا على الأمة الإسلامية والمشروع السني، وهو ما فطن إليه نظام الملك جيدًا، فعمل من أول يوم على وأد أي تحرك لهذه الأفكار الباطنية الضالة. إذ كان نظام الملك دائمًا ما يندد أشد التنديد بطائفة الإسماعيلية التي انحدرت منها الباطنية، ويقول إنها تهدد وحدة الدولة، بل إنه اتهم هذه الطائفة في كتابه (سياسة ناما) بأن زعماءها من نسل المزدكية الشيوعية أهل فارس الساسانية، وعلى الجانب الآخر فقد انتهج الباطنيون الحشاشون أسلوب الاغتيالات السياسية لكل من يقف عقبة في طريق المد الباطني في بلاد المسلمين، ولم يكن أمامهم في ذلك الوقت إلا نظام الملك، الذي أخذ على عاتقه محاربتهم والقضاء على فتنتهم.

وفي يوم العاشر من رمضان عام 485هـ، خرج نظام الملك مع السلطان ملكشاه من أصبهان قاصدًا بغداد، فاجتاز في بعض طريقه بقرية بالقرب من نهاوند، وحان وقت الإفطار فصلى نظام الملك المغرب فِي هَذِه اللَّيْلَة، وَجلسَ على السماط وَعِنْده خلق كثير من الْفُقَهَاء والقراء والصوفية وَأَصْحَاب الْحَوَائِج، فَجعل يذكر شرف المَكَان الَّذِي نزلوه من أَرض نهاوند وأخبار الْوَقْعَة الَّتِي كَانَت بِهِ بَين الْفرس وَالْمُسْلِمين فِي زمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمن اسْتشْهد هُنَاكَ من الْأَعْيَان وَيَقُول: «هذا الموضع قُتل فيه خلق كثير من الصحابة زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم أجمعين- فطوبى لمن كان معهم».

فلما أفطر جاءه صبي ديلمي في هيئة مستغيث ومعه قِصَّة، فدعا له الصبي وسأله تناولها، فمد نظام الملك يده ليأخذها فضربه الصبي بسكين في فؤاده، وهرب الصبي فعَثَرَ في طُنُب الخيمة فأُخذ فقُتل، وَجَاء السُّلْطَان ملكشاه حِين بلغه الْخَبَر مظْهرا الْحزن والنحيب والبكاء وَجلسَ عِنْد نظام الْملك سَاعَة وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ حَتَّى مَاتَ، فَعَاشَ سعيدا وَمَات شَهِيدا فقيدًا حميدًا.

وَقَالَ بعض خُدَّامه: كَانَ آخر كَلَام نظام الْملك أَن قَالَ: «لَا تقتلُوا قاتلي فَإِنِّي قد عَفَوْت عَنهُ، وَتشهد وَمَات». وحُمل رحمه الله إلى أصبهان ودفن بها. فَيُقَال: إِنَّه أول مقتول قتلته الإسماعيلية.

ولما بلغ أهل بغداد موت نظام الملك حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية، قال:

فرحم الله الوزير الصالح المصلح الشهيد نظام الملك أبا علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، وجزاه عن الإسلام خيرا الجزاء.


بقلم الدكتور سليمان عباس البياضي باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية ومحاضر في جامعة العريش وعضو اتحاد المؤرخين العرب.

التعليقات (0)