الأندلس في ذاكرة التاريخ (1)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (1)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- وعضو إتحاد المؤرخين الدولي

- وعضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب و روائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

بلاد الأندلس هي اليوم دولتا إسبانيا والبرتغال، أو ما يُسمَّى: شبه الجزيرة الأيبيرية، ومساحتها "مجموع الدولتين" ستمائة ألف كيلو متر تقريبًا؛ أي: أقل من ثُلثي مساحة مصر.

ويفصل شبه الجزيرة الأندلسية عن المغرب مضيق أصبح يُعرَف منذ الفتح الإسلامي بمضيق جبل طارق، (ويسميه الكُتَّاب والمؤرخون العرب باسم درب الزقاق)، وهو بعرض 12.8كم بين سَبْتَة وجبل طارق.

جغرافية الأندلس تقع شبه الجزيرة الأيبرية في الجنوب الغربي من أوربا، على مثلَّث من الأرض، يضيق كلما اتجهنا نحو الشرق، ويتَّسع كلما اتجهنا إلى الغرب، وتتصل في الشمال بفرنسا "بلاد الفرنجة" بواسطة سلسلة جبلية تُعرف بجبال البرينيه "جبال البرتات" وباستثناء تلك الناحية فإن المياه تُحيط بها من كل جانب؛ مما جعل العرب يُطلقون عليها «جزيرة الأندلس» على سبيل التجوُّز؛ فالبحر المتوسط يُحيط بها من الشرق والجنوب الشرقي، ويُحيط المحيط الأطلنطي بها من الجنوب الغربي والغرب والشمال. فجبال البرينيه هي الفاصل البري الوحيد الذي يربط شبه الجزيرة مع أوربا، فتلتقي في الشمال مع المحيط الأطلنطي، وفي الجنوب مع البحر المتوسط.وجبال البرينيه التي تمثِّل فاصلاً بين فرنسا وإسبانيا تجعل الجزيرة وكأنها تُوَلِّي وجهها عن أوربا، فيما تتجه به إلى المغرب، وهذا ما أجمع عليه الجغرافيون المسلمون الذين عدُّوها امتدادًا لإفريقيا، وليست رقعة من القارة الأوربية والمعروف أن شبه الجزيرة تتشابه مع المغرب في كثير من المعالم النباتية والحيوانية؛ وبخاصة منطقتي سَبْتَة وطَنْجَة.أمَّا داخل الجزيرة فسنرى أنفسنا أمام هضبة كبيرة تُعْرَف بالمسيتا، تقطعها الجبال بشكل أفقي، وتكثر فيها الأنهار فكأنها تعيش فوق شبكة من المياه.

لماذا سميت «الأندلس»؟

وعن سبب تسميتها بالأندلس فقد كانت هناك بعض القبائل الهمجية التي جاءت من شمال إسكندنافيا من بلاد السويد والدنمارك والنرويج وغيرها، وهجمت على منطقة الأندلس وعاشت فيها فترة من الزمن، ويُقال: إن هذه القبائل جاءت من ألمانيا، وما يهمنا هو أن هذه القبائل كانت تسمى قبائل الفندال أو الوندال باللغة العربية؛ فسُمِّيت هذه البلاد بفانداليسيا على اسم القبائل التي كانت تعيش فيها، ومع الأيام حُرِّف إلى أندوليسيا فأندلس. وقد كانت هذه القبائل تتسم بالوحشية، و(Vandalism) في اللغة الإنجليزية تعني همجية ووحشية وتخريبًا، وتعني -أيضًا- أسلوبًا بدائيًّا أو غير حضاري، وهو المعنى والاعتقاد الذي رسخته قبائل الفندال، وقد خرجت هذه القبائل من الأندلس، وحكمتها طوائف أخرى من النصارى عُرِفت في التاريخ باسم قبائل القوط (GOTHS) أو القوط الغربيين، وظلُّوا يحكمون الأندلس حتى قدوم المسلمين إليها وكان من أسباب فتح الأندلُس إقبال البربر على اعتناق الإسلام بعد تمام فتح المغرب وتوقهم لِلغزو والجهاد في سبيل الله، وفي نفس الوقت شجَّع والي طنجة الرومي يُليان المُسلمين على مُهاجمة الأندلُس بِسبب خِلافٍ كبيرٍ وقع بينه وبين الملك لُذريق بِسبب اعتداء الأخير على ابنته واغتصابها عندما كانت تُقيم في بلاطه، وفق ما تتفق عليه المصادر العربيَّة والإسلاميَّة، وكذلك لأنَّ المُسلمين رأوا توجيه جُهود الفتح والغزو نحو بلادٍ حضريَّةٍ غنيَّة تُفيد الدولة الأُمويَّة وعُموم المُسلمين، بدل تحويله نحو الواحات والبلاد الصحراويَّة، ولِرغبتهم في الاستمرار بِنشر الإسلام في البُلدان المُجاورة. تمَّ فتحُ الأندلُس خِلال فترةٍ قياسيَّة نسبيًّا، واعترف المُسلمون بعد خُضوع شبه الجزيرة الأيبيريَّة لهم بِحُقوق النصارى واليهود في إقامة شعائرهم الدينيَّة نظير جزيةٍ سنويَّة، كما هو الحال مع سائر أهالي البلاد المفتوحة من المسيحيين واليهود، وأقبل مُعظم القوط على اعتناق الإسلام وامتزجوا مع الفاتحين الجُدد، وانسحب قسمٌ آخر منهم نحو الشمال الأيبيري الذي لم يخضع طويلًا لِلمُسلمين. عاد قائدا الفتح موسى بن نُصير وطارق بن زياد إلى عاصمة الخِلافة دمشق بِأمرٍ من الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة 96هـ المُوافقة لِسنة 714م حيثُ لم يُمارسا أي عملٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ بعد ذلك لِأسبابٍ اختلف فيها المُؤرخون، ولفَّ الغُموض نهاية طارق بن زياد خُصوصًا حيثُ لم يُعرف ما حلَّ به بُعيد وُصوله إلى دمشق.

كَان هَذا الفَتْحُ بِداَيةٍ لِلتواجد الإسْلَامِيُّ في الأندلُس الذي امتد لِنحو 800 عام تقريبًا، قَضاها المُسلِمُونْ في صِراعٌ مَع الإمارات والممالِك المسيحيَّة التي تكوَّنت في الشمال في المناطق التي لم يغزوها المسلمون حتى سقوط مملكة غرناطة عام 897هـ المُوافق فيه 1492م. وخِلال تلك الفترة أسَّس المُسلمون حضارةً عظيمة في البلاد الأندلُسيَّة حتَّى اعتُبرت «منارةُ أوروپَّا» خِلال العُصُور الوسطى، وحصلت حراكات اجتماعيَّة بارزة نتيجة هذا الفتح وتعدُد العرقيَّات البشريَّة التي سكنت البلاد الأندلُسيَّة، فتعرَّبت بعض قبائل البربر وبعض القوط، وتبربرت بعض قبائل العرب، واختلط العرب والبربر والقوط وشكَّلوا مزيجًا سُكانيًّا فريدًا من نوعه في العالم الإسلامي، وأقبل القوط الذين بقوا على المسيحيَّة على تعلُّم اللُغة العربيَّة والتثقُّف بِالثقافة الإسلاميَّة مع حفاظهم على خُصوصيَّتهم الدينيَّة، فعُرفوا بِالمُستعربين، وكتبوا لُغتهم بِالأحرف العربيَّة التي عُرفت باسم «اللُغة المُستعربيَّة».

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

الأندلس في ذاكرة التاريخ (2)

التعليقات (0)