الأندلس في ذاكرة التاريخ (2)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (2)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

حملة طريف بن مالك الاستكشافيَّة أوَّل من عبر إلى الأندلُس من القادة المُسلمين.

بادر طارق بن زياد بالاتصال بِمُوسى بن نُصير في القيروان، وأبلغهُ بما عرضهُ عليه يُليان لاتخاذ القرار بِشأن ذلك. والواقع أنَّهُ لم يكن لدى موسى بن نُصير ما يدعوه إلى رفض هذه الفكرة في الوقت الذي لم يكن واردًا امتداد حركة التوسُّع نحو الجنوب والانتشار في مجاهل الصحراء الكُبرى في حركةٍ مُكلفةٍ بلا طائل، فاتجهت أنظاره إلى الأندلُس لِلأسباب سالِفة الذِكر وفي مُقدمتها السبب الاقتصادي الذي من شأنه أن يعود بِالنفع على الإسلام والمُسلمين، بِالإضافة إلى أنَّ هذا الأمر قد يتطوَّر إلى واقع فتح إسلامي شامل لِهذه البلاد يُدخلها في دائرة الدولة الإسلاميَّة، إلَّا أنَّ عملًا ضخمًا من هذا النوع، لا بُدَّ من دراسته بِصُورةٍ مُتأنية والوُقوف على كافَّة تفاصيله.

وفعلًا جرت اتصالات بين مُوسى بن نُصير ويُليان، وعُقد اجتماعٌ بينهما، وقف خلاله مُوسى بن نُصير على أوضاع الأندلُس والخدمات التي يُمكن أن يُقدمها يُليان، كما كان لا بُدَّ من أن ينال هذا العمل مُوافقة الخليفة في دمشق. لِذا اقترح مُوسى على يُليان أن يذهب هو أولًا إلى استكشاف ساحل الأندلُس وأن يُحاول النُزول في مكانٍ أمينٍ منه، خشيةً من أن يكون يُليان قد دبَّر لِلجيش الإسلامي مهلكًا، فأبحر يُليان في خريف سنة 90هـ المُوافقة لِسنة 709م في عصبةٍ من أتباعه من سبتة ونزل على ساحل الجزيرة الخضراء، فقتل وسبى وغنم وأقام بها أيَّامًا يشُنُّ الغارات، وشاع الخبر عند المُسلمين فأنسوا بِيُليان واطمئنَّ لهُ مُوسى بن نُصير.

عند هذه النُقطة، كتب مُوسى بن نُصير إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك يُبلغه بما عرضه يُليان وما آلت إليه حملته ويستأذنه في العُبور. تردَّد الوليد بن عبد الملك في بادئ الأمر، خشيةً على المُسلمين من أن يُغرَّر بهم، وأمر مُوسى بن نُصير بِأن يتروَّى في الأمر، وأن يختبر البلاد بِالسرايا. والحقيقة أنَّ فتح الأندلُس كان نتيجة خطَّة موضوعة نوقشت بين الخليفة وواليه على إفريقية، وأقرَّها الأوَّل ضمن سياسة التوسُّع بعد فتح طنجة المُشرفة على الأندلُس. ويبدو أنَّهُ كان لِسياسة الدولة الإسلاميَّة العامَّة وعلاقتها بِالروم البيزنطيين، وتأثير الحملة على هذه العلاقات، وبِخاصَّة في المجال البحري والسيطرة على الجُزُر في الحوض الغربي لِلبحر المُتوسِّط تأثيرٌ على قرار الخليفة. وبعد نُضوج الظُروف التي هيَّأت لِلمُسلمين انتصارًا آخر، وتنفيذًا لِأوامر الخليفة، اختار موسى بن نُصير أحد القادة المُسلمين، وهو أبو زرعة طريف بن مالك المعافري، وسيَّره على رأس أربعمئة راجل ومائة فارس، في أربع سُفن أعدَّها يُليان، لِلإغارة على الشواطئ الأندلُسيَّة المُقابلة، وذلك في شهر رمضان سنة 91هـ المُوافق فيه شهر تمُّوز (يوليو) سنة 710م. نزل المُسلمون في جزيرةٍ صغيرةٍ اسمها «پالوماس» سُمِّيت مُنذ ذلك الحين بِجزيرة طريف، والرَّاجح أنَّ طريفًا اجتمع فيها بِجماعةٍ من مُؤيدي الملك السابق غيطشة ومعهم أحد أحبار اليهود ويُدعى يعقوب، كان يتخفَّى بِزي الخُدَّام ويعمل في قُصُور آل غيطشة، حيثُ تقرَّر أن تقوم قُوَّة قوطيَّة مُعارضة لِلملك لُذريق بِمُساعدة المُسلمين وحراسة المضيق. وشنَّ طريف، من مركزه بِتلك الجزيرة، عدَّة حملات استطلاعيَّة ناجحة على سواحل الأندلُس الجنوبيَّة وبِالأخص الجزيرة الخضراء، درس خلالها تحصيناتها وتحرَّى أوضاع سُكَّانها ومدى علاقتهم بِالحُكَّام القوط، ثُمَّ عاد إلى طنجة مُحمَّلًا بِالغنائم. أكَّدت حملة طريف بن مالك صدق يُليان حين عرض المُساعدة على المُسلمين، وكشفت عن ضعف المُقاومة في الأندلُس، وأقنعت مُوسى بن نُصير بِسُهُولة العُبُور والنُزول على الشاطئ دونما أخطار بحريَّة جديَّة. ونتيجةً لِذلك قرَّر البدء بِتنفيذ عمليَّة الغزو.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

الأندلس في ذاكرة التاريخ (3)

التعليقات (0)