الأندلس في ذاكرة التاريخ (3)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (3)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

عُبُور طارق بن زياد والانتصارات الأولى:

شجَّع نجاح طريف مُوسى بن نُصير على المضي في خطَّته بِفتح الأندلُس بِتكتُّمٍ شديدٍ حتَّى لا يتسرَّب خبرها إلى القوط. وبعد انتهاء الاستعدادات وإتمام التجهيزات، أعدَّ قُوَّةً عسكريَّةً مُؤلَّفة من سبعة آلاف مُقاتل مُعظمهم من البربر والموالي، في حين تُقدِّرُ بعض المراجع الغربيَّة عدد جيش المُسلمين بين 1,700 و12,000 مُقاتل، ولم يتعدَّ عدد المُقاتلين العرب ثلاثمئة، وقيل كان فيهم ستَّة عشر رجلًا من العرب فقط، واختار لها أحسن قادة المُسلمين آنذاك، وأشدَّهم ثقة به، وهو طارق بن زياد.

والواقع أنَّ حملة مُعظم أفرادها من البربر تُعدُّ سابقة تحدث لِأوَّل مرَّة في الفُتُوح الإسلاميَّة، وهو اختيارٌ مقصود من والي إفريقية بِفعل أنَّ سياسته المرنة مع البربر قد أثمرت ودفعت هؤلاء إلى مُشاركة العرب في الجهاد. وكان لِهذه السياسة ردُّ فعلٍ إيجابيٍّ على الطرفين. فقد رأى مُوسى بن نُصير أن يستفيد من طاقات البربر العسكريَّة ويكسب مودَّتهم، ولم يكن البربر أقل تجاوُبًا، يُضافُ إلى ذلك، فقد كان طارق بن زياد على معرفةٍ وثيقةٍ بِأوضاع الأندلُس بِفعل مُجاورة البربر لِلقوط وتعامُلهم التجاري معهم، كما تولَّى بِنفسه جمع المعلومات عنها، وأجرى المُفاوضات الأوليَّة من يُليان. وبِشكلٍ عام، أضحى هذا القائد خبيرًا بِالميدان الجديد من سائر نواحيه السياسيَّة والعسكريَّة، ويُعد اختياره خُطوة صائبة، إذ أثبتت مدى ما يتمتَّع به مُوسى بن نُصير من تفكيرٍ مُستنير، وخبرة في الشؤون العسكريَّة.

والواقع أنَّ مُوسى بن نُصير سلك نهج أقرانه من القادة العسكريين الذين فتحوا الشَّام والعراق وفارس ومصر وإفريقية، وهو إرسال حملة قليلة العدد ثُمَّ تُعزَّز بِإمدادات لا تتوقَّف حتَّى يتم تحقيق الأهداف، كما أنَّ ذلك كان مقصودًا لِعدم إثارة ريبة يُليان، غير أنَّ هذا القائد لم يشأ أن تكون لِلحملة سمة بربريَّة مُطلقة، فأنشأ مجلسًا استشاريًّا لِمُساعدة طارق بن زياد في إدارة العمليَّات العسكريَّة، مُعظم أعضائه من العرب، واشترك القائد البربري «منوسة» في الحملة، عبر طارق المضيق يوم الإثنين في 5 رجب 92هـ المُوافق فيه 28 نيسان (أبريل) 711م، على متن أربع سُفن تجاريَّة قدَّمها يُليان. والواقع أنَّ طابع الحملة السرِّي دفع مُوسى بن نُصير إلى الاعتماد على سُفن يُليان التجاريَّة، ونزل طارق مع جُنُوده أمام جبل كالبي المنيع الذي حمل اسمه مُنذ ذلك الحين وصار يُعرف بـ «جبل طارق»، واتخذه مركزًا لِتجمُّع قُوَّاته وقاعدة لِلانطلاق إلى الداخل الأندلُسي، وحتَّى يُؤمِّن على جُنُوده ضدَّ أي هُجومٍ مُفاجئ من جانب القوط، سوَّر تلك القاعدة وحصَّنها.

تعدَّدت الروايات في المصادر الإسلاميَّة التي تحدثت عن شخصيَّة طارق بن زياد وفضله في فتح الأندلُس، ومن أبرز تلك الروايات ما نقلهُ ابن الأثير من أنَّ طارقًا لمَّا ركب البحر من المغرب إلى الأندلُس غلبته عيناه، فنام ورأى الرسول مُحمَّدًا –صلى الله عليه وسلم- في منامه ومعهُ المُهاجرون والأنصار قد تقلَّدوا السُيُوف وتنكَّبوا القسيّ، فقال لهُ النبيّ: «يَا طَارِق، تَقَدَّم لِشَأنِك»، فنظر طارق فرأى وأصحابه قد دخلوا الأندلُس أمامه، فاستيقظ من نومه مُستبشرًا وبشَّر أصحابه، وقويت نفسه ولم يشُك بِالظفر.

فإذا صحَّت الرواية في هذه الرؤيا فإنَّها تدُل على رغبة طارق في تحقيق فتح الأندلُس وعلى اعتلاج هذه الرغبة في عقله الباطن. ويبدو أنَّ مُوسى كان قد أمر طارقًا، من باب الاحتياط، أن يعود إلى إفريقية إذا ظفر في قتال القوط في الأندلُس، أو أن يلبث مكانه ينتظر منه أمرًا جديدًا، وكذلك كان مُوسى قد بعث يُليان مع طارق لِيدُلَّهُ على عورات البلاد ولِيتحسس لهُ الأخبار. والواقع أنَّ خدمات يُليان لم تقتصر على تسهيل العُبُور إلى الأندلُس، بل أدَّى هذا الرجل دورًا بارزًا في عمليَّة الفتح، إذ كانت معلوماته القيِّمة عن أوضاع مملكة القوط والاتفاقيَّات التي عقدها مع المُعارضة القوطيَّة واليهود، السَّاخطين على حُكم لُذريق؛ كان لها أثرها الإيجابي في نجاح المُسلمين.

والرَّاجح أنَّ اندلاع ثورة البشكنس (الباسك) في الشمال، في الوقت الذي عبر فيه المُسلمون بحر الزقاق، لم يكن صدفة، بل كان بالتنسيق مع المُعارضة لِإلهاء لُذريق في مناطق بعيدة عن الخطر الإسلامي. ولم يكد طارق بن زياد يستقر مع جُنُوده في قاعدته عند الجبل، حتَّى بادر باستكشاف المنطقة تمهيدًا لِلسيطرة على المناطق المُجاورة المُحيطة بِبحر الزقاق، بهدف تأمين مؤخرة جيشه والمُحافظة على خُطوط مُواصلاته مع قواعده في شمالي أفريقيا. وتنص بعض المصادر العربيَّة والإسلاميَّة أن طارق بن زياد أقدم على إحراق السُفن التي عبر عليها بحر الزقاق، حتَّى يقطع على جُنُوده كُل أمل بِالعودة إلى المغرب، ويُحفِّزهم على الاستبسال في القتال.

أرسل طارق بن زياد قُوَّةً عسكريَّةً بِقيادة عبدالملك بن أبي عامر، سارت بِمُحاذاة الساحل الشمالي الغربي، وفتحت مدينة قرطاجنة، ثُمَّ توجَّهت جنوبًا وفتحت مدينة الجزيرة الخضراء الواقعة قِبالة جبل طارق. فوجئ لُذريق، الذي كان في مدينة بنبلونة في الشمال، بِنُزول المُسلمين في بلاده، بيد أنَّهُ لم يتهيَّب الموقف لِلوهلة الأولى، لاعتقاده بِأنَّ المسألة لا تعدو أن تكون غزوة من غزوات النهب، لن تلبث أن تتلاشى، ولكنَّهُ مع ذلك قوَّم الموقف حين وصلت إلى مسامعه معلومات تُفيد عن تقدُّم هؤلاء باتجاه قُرطُبة، فأسرع إلى طُليطلة لِحشد طاقات المملكة، وأرسل قُوَّةً عسكريَّةً على وجه السُرعة بِقيادة ابن أُخته «بنشيو»، لِلتصدّي لهم، فاشتبك معهم في قتالٍ خفيفٍ انتهى بِمقتله وانتصار المُسلمين. وجرت المعركة بِالقُرب من الجزيرة الخضراء، وفرَّ من نجا من جُنُوده باتجاه الشمال لِيُخبروا لُذريق بما جرى، وبِفداحة الخطر القادم من الجنوب.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

الأندلس في ذاكرة التاريخ (4)

التعليقات (0)