الأندلس في ذاكرة التاريخ (4)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (4)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

طلب لُذريق من جميع الأشراف والنُبلاء والإقطاعيين أن يحشدوا المُقاتلين، وأخذت الإمدادات ترد عليه من كُل المناطق، حتَّى اجتمع لديه في وقتٍ قصير ما بين أربعين إلى مئة ألف مُقاتل، كما طلب المُساعدة من أولاد غيطشة نظرًا لِعُموميَّة المحنة، ولكن هؤلاء ظلّوا على ولائهم سرًا لِلخطَّة التي وضعوها مع يُليان من أجل الإطاحة به، ومع ذلك فقد استجاب له اثنان منهم هُما «ششبرت» و«أبَّة»، لكن ظاهريًّا فقط، وهُما ينويان الغدر به، فرحَّب بهما، وعيَّن الأوَّل على ميمنته والثاني على ميسرته.

كانت وجهة لُذريق مدينة قُرطُبة لِلمُحافظة عليها نظرًا لِأهميَّة موقعها الوسطي بين العاصمة طُليطلة والجزيرة الخضراء، وهي مفتاح الطريق الذي يُسيطرُ على الأندلُس الجنوبيَّة الشرقيَّة، فوصل إلى ضواحيها ثُمَّ تابع زحفه باتجاه الجنوب. وأخذت أخبار لُذريق تصل إلى مسامع طارق بن زياد، فتهيَّب الموقف، وأدرك أنَّهُ لا طاقة لهُ على مواجهته بِهذا العدد الضئيل نسبيًّا الذي معه، فأرسل إلى مُوسى بن نُصير يشرح لهُ الموقف ويطلب منهُ الإمدادات. لم يتردَّد مُوسى لدى استلامه كتاب طارق، وأمدَّهُ بِخمسة آلاف مُقاتل بِقيادة طريف بن مالك.

استأنف طارق بن زياد زحفهُ باتجاه الشمال، على إثر وُصول الإمدادات، عبر أرضٍ سهليَّةٍ تتخلَّلُها المُستنقعات، واستقرَّ به المقام أخيرًا حول بُحيرة لاخندا من كورة شذونة، والتي يخترقها نهر برباط الصغير، وعسكر على ضفَّته اليُسرى، ثُمَّ وصل لُذريق وعسكر على الضفَّة اليُمنى لِلنهر. وكان في ذلك المكان قرية صغيرة سمَّاها المُسلمون «لكة» أو «بكة»، ومنها جاء اسم المعركة. تنصُّ بعض المصادر العربيَّة والإسلاميَّة أنَّ طارق بن زياد خطب بالمُسلمين خطبةً قويَّةً يُشجعهم فيها ويحُثُّهم على القتال والجهاد، جاء فيها:

 أيُّهَا النَّاس إلى أينَ المَفَر؟ البَحرُ وَرَاءَكُم وَالعَدُوُّ أَمامَكُم، فَلَيْسَ وَالله إلَّا الصِّدقُ والصَّبرُ فِإنَّهُما لا يُغلَبَان، وَهُمَا جُندَانِ مَنصُورَان لا تُضَرُّ مَعُهُما قِلَّة وَلا يَنفَعُ مَعَهُمَا الخَورُ وَالكَسَل وَالاختِلَافُ وَالفَشَل، وَالعَجَبُ كثرَة. أيُّهَا النَّاس، مَا فَعَلتُ مِن شَيءٍ فافعَلُوا مِثلُه، وإن حَمَلتُ فَاحمِلُوا وإن وَقَفتُ فَقِفُوا، وَكُونُوا كَهَيبةِ رجُلٍ وَاحدٍ في القِتَالِ، وَإِنِّي صَامِدٌ إلى طَاغِيَتِهِم لا أَتَهَيَّبُه حتَّى أُخَالِطُه، أو أُقتَلُ دُونُه، فَلَا تَنَازَعُوا إن قُتِلت فَتَفشَلُوا وَتذهَبَ رِيحُكُم، وَتُولُوا الأَدبَار لِعَدُوِّكُم فَتَتَبَدَّدوا بَينَ قَتيلٍ وَمَأسُورٍ. وإيَّاكُم أن تَرضَوا بِالدُنيَا ولا تُعطُوا بِأيدِيَكُم مَا قد عُجِّلَ لِكُم مِنَ الكَرَامَةِ وَالرَّاحَةِ من المَهَانةِ والذِّلَّةِ، وما قد أُجِّل لكُم من ثوابُ الشَّهادةِ فَإنَّكُم إن تَفعَلُوا، واللهُ يعِظُكم تَتَبَوَّؤا بِالخُسرَانِ المُبِين وَسُوءِ الحَديث، غدًا بَينَ مَن عَرَفَكُم مِنَ المُسلِمين، ومَا أنَا ذا حتَّى أَغشَاه فَاحمِلُوا بِحَملَتِي، وَأَنَا غَيرُ مَقصُودٍ دُونه.

اشتباك المُسلمين والقوط في معركة وادي لكة:

تقابل الجمعان يوم الأحد 28 رمضان 92هـ المُوافق فيه 19 تمُّوز (يوليو) 711م، واشتبكا في قتالٍ عنيفٍ استمرَّ سبعة أيَّام. ولمَّا تراءى الجيشان ثبت طارق في مكانه وأطمع لُذريق في أن يقطع المُستنقعات إليه، على غرار الخطَّة التي كان خالد بن الوليد قد رتَّبها على نهر اليرموك.

تكبَّد لُذريق الكثير من القتلى والجرحى خِلال المعركة، وحدث في اليوم الرابع من القتال أن انسحب ابنا غيطشة ششبرت وأبَّة مع فُرسانهما من الجناحين وانضمَّا إلى صُفُوف المُسلمين، وفق الخطَّة الموضوعة، ممَّا أدَّى إلى تضعضع صُفوف الجيش القوطي، وبدأ أفراده بِالترنُّح والهرب طلبًا لِلنجاة.

والمعروف أنَّ هذا الجيش ضمَّ كثيرًا من العبيد الساخطين على حُكم القوط ويتمنون زواله، فوجدوا في تلك المعركة فُرصتهم لِلخلاص، لِذلك تراخى هؤلاء في القتال قبل أن يفرُّوا بعد انسحاب الفُرسان من الجناحين، وأضحى لُذريق لا يملك القُوَّة الكافية لِلاستمرار في القتال، ومع ذلك فقد صمد حتَّى اليوم الثامن، وعندما تحقَّق من هزيمته، هرب من ميدان المعركة من دون أن يُعرف مصيره بِالضبط، وقد وُجد فرسه بِالقُرب من إحدى المُستنقعات، كما وُجد أحد خُفَّيه وهو طافٍ فوق الطين الأسود، ممَّا يدُل على أنَّهُ وقع عن حصانه لدى وُصوله إلى المُستنقع وغاص فيه من دون أن يتمكَّن من الخُروج فغرق، وفرَّ من نجا من جُنوده إلى الداخل نحو المعاقل والحُصُون.

ويذكر عدد من المُؤرِّخين المُحدثين أنَّ لُذريق لم يُقتل في تلك المعركة، بل انسحب نحو الشمال، إلى ماردة، ثُمَّ إلى سلسلة جبال سلمنقة لِيُعيد تنظيم صُفُوف قُوَّاته، وأنَّهُ قُتل في المعركة الثانية مع المُسلمين، التي واجه فيها جيش مُوسى بن نُصير وطارق بن زياد، في السواقي، على يد مروان بن مُوسى بن نُصير، على أنَّ المصادر الإسلاميَّة لا تُكرر ذكر لُذريق بعد معركة وادي لكة، أضف إلى ذلك، ظهرت في الأندلُس الملاحم التي ظلَّ الناس يتناقلونها على مدى أجيال، وفحواها أنَّ لُذريق سيعود لِتخليص البلاد من أيدي المُسلمين.

كانت معركة وادي لكة كاليرموك في الشَّام والقادسيَّة في العراق ونهاوند في فارس، إذ دمَّرت القُوَّة الميدانيَّة لِلجيش القوطي؛ ممَّا أفقده القدرة على الدفاع عن المُدن الكُبرى، وأضحت المُقاومة بعدها قصيرة الأمد، ممَّا هيَّأ لِلمُسلمين أن ينسابوا إلى جوف الأندلُس ويفتحوا المُدن ويستقرّوا فيها. تكبَّد المُسلمون ثلاثة آلاف قتيل، أمَّا قتلى القوط فكانوا أضعاف ذلك لِأنَّ عدد الذين نجوا من المعركة وفرّوا بعد ذلك، كان قليلًا. وحاز المُسلمون على جميع ما كان في مُعسكر القوط من العدَّة والمتاع والمُؤن والأموال، وقُسِّم الفيء بين الآلاف التسعة الذين نجوا، فأصاب كُلٌّ منهم مئتين وخمسين دينارًا.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

 الأندلس في ذاكرة التاريخ (5)

التعليقات (0)