الأندلس في ذاكرة التاريخ (5)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (5)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

مما لا شك فيه أن حقيقة حرق السفن تدور حولها الروايات التاريخية أن طارقًا لما عبر للضفة الأخرى من الشاطئ الأسباني، ولكي يقطع على جنوده أي تفكير في التراجع أو الارتداد، قام وخطب فيهم خطبته الشهيرة، التي يقول في مطلعها: أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو من أمامكم وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام... إلخ.

والروايات الإسلامية التي تشير إلى حادثة حرق السفن لم ترد  فيما أعلم  إلا في ثلاثة مراجع؛ أحدها: كتاب الاكتفاء لابن الكردبوس، والثاني: كتاب نزهة المشتاق للشريف الإدريسي، والثالث: كتاب الروض المعطار للحميري.

فابن الكردبوس بعد أن يصف المعركة التي خاضها طارق لاحتلال هذا الجبل الذي سمي باسمه، يقول في اختصار شديد: ثم رحل طارق إلى قرطبة بعد أن أحرق المراكب وقال لأصحابه: قاتلوا أو موتوا.

أما الإدريسي فإنه يقول في شيء من التفصيل: (وإنما سمي بجبل طارق لأنه طارق بن عبد الله بن ونمو الزناتي، لما جاز بمن معه من البربر وتحصنوا بهذا الجبل، أحس في نفسه أن العرب لا تثق به، فأراد أن يزيح ذلك عنه، فأمر بإحراق المراكب التي جاز بها، فتبرأ بذلك عما اتهم به. ويكرر صاحب الروض المعطار رواية الإدريسي مع اختلاف بسيط ولكنه مهم، فيقول: وإنما سمي بجبل طارق لأن طارق بن عبد الله لما جاز بالبربر الذين معه، تحصن بهذا الجبل، وقدر أن العرب لا ينزلونه، فأراد أن ينفي عن نفسه التهمة؛ فأمر بإحراق المراكب التي جاز فيها، فتبرأ بذلك مما اتهم به.

ومما يفهم من رواية ابن الكردبوس أن طارقًا أراد بحرق سفنه أن يشحذ همم المقاتلة. أما الإدريسي والحميري فإنه يفهم من كلامهما أن طارقًا أحس بأن العرب لا تثق به، وقدر أنهم قد لا ينزلون معه إلى الجبل، وهذا يعني أن خلافًا وقع بين طارق وبين جنوده العرب الذين يعملون تحت قيادته، فعمد إلى إغراق سفنه كي يحول دون انسحابهم بها إلى المغرب، فيتخلص بذلك من التهم التي يوجهونها ضده عند القائد الأعلى موسى بن نصير.

وكيفما كان الأمر فإن جمهور المؤرخين المحدثين يميلون إلى إنكار صحة هذه الرواية من أساسها كحدث تاريخي، غير أن هناك من يؤيد وقوع هذه الحادثة، خصوصًا وأن هناك روايات مشابهة وردت في كتب التاريخ قديمًا وحديثًا تشير إلى وقوع أحداثٍ مماثلة.

- إليكم أدلة بطلان هذة القصة:

1) إن إحراق السفن فيه تضييع لأموال الناس.

2) إن عملية إحراق السفن لا تفيد عندما يقع الهلع في النفوس.

3) إن خبر الإحراق لم يذكره أحد من جنده أو معاصريه، وإنما قيلت بعده بقرون.

4) لم يقل طارق بن زياد إني أحرقت السفن أو أمرت بذلك، وإنما فهم بعض المتأخرين ذلك من خطبته المشهورة التي ورد فيها: "أيها الناس أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم" فهم فهموا من هذا الكلام أن البحر وراءهم وليست فيه وسيلة نقل تنقلهم إلى العدوة المغربية، وهو فهم فيه شيء من السقم.

5) السفن ليست ملكـًا لطارق حتى يتصرف فيها كيف يشاء.

6) لم يحاسب طارقـًا أحد من قادته سواء أكان القائد العام موسى بن نصير أم الخليفة الوليد بن عبد الملك.

7) ألا يمكن لطارق أن يأمر بالسفن فتعود إلى العدوة المغربية فيصل إلى النتيجة نفسها، وذلك أفضل من أن يحرقها ويخسرها المسلمون.

8) ألا يتوقع طارق طلب مدد؟ وهذا ما حدث، فعلى أي شيء انتقل هذا المدد؟ لقد انتقل على السفن نفسها.

9) من أين جاء موسى بن نصير بالسفن التي انتقل عليها إلى الأندلس مع بقية الجيش عندما خاف على المسلمين الذين توغلوا بعيدًا داخل الأندلس؟ لقد انتقل على السفن نفسها.

10) لم تكن عملية إحراق السفن بالطريقة التي تلقي الحماسة في نفوس المسلمين، فقد عرف من جهادهم أن غايتهم إحدى الحسنيين.

11) إن رواية الحرق دونت لأول مرة في القرن الخامس الهجري أي بعد فتح الأندلس بأكثر من ثلاثة قرون ولم تؤيدها أية رواية أخرى.

وبهذا يتبين أن طارق بن زياد لم يحرق السفن، بل بقيت لدى المسلمين، وانتقل المدد إلى الأندلس عليها، وانتقل قائدهم مع بقية الجيش إلى الأندلس عليها.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

الأندلس في ذاكرة التاريخ (6)

التعليقات (0)