الأندلس في ذاكرة التاريخ (6)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (6)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

- فتح إستجَّة

كتب طارق بن زياد إلى مُوسى بن نُصير بِالقيروان يُبشِّره بِالنصر، ويُخبره بِأنَّ الطريق بات مفتوحًا أمامهُ لِلوًلوج إلى قلب البلاد. فأرسل مُوسى بن نُصير بِدوره تقريرًا مُفصلًا إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك في دمشق يصف فيه الانتصار الكبير، الذي أكسب الإسلام أرضًا جديدة، وقال: «لَم يَكُن هَذَا فَتحًا كَغيرِهِ مِنَ الفُتُوحِ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِين، فَإِنَّ الوَاقِعَةَ كَانَت أَشبَه بِاجتماعِ الحَشرِ يَومَ القِيَامَة»، فاستبشر الوليد خيرًا بِهذا النصر، وسمح لِلقادة المُسلمين بِمواصلة الطريق، وفي نفس الوقت تناهى إلى أسماع المُسلمين في المغرب والشَّام ومصر بانتصار طارق بن زياد، فتطوَّعوا من كُل جهة لِلحاق به والمُساهمة معهُ في فتح الأندلُس. ازدادت قُوَّة المُسلمين بعد معركة (وادي لكة) وارتفعت معنويَّاتهم بعد ذلك الانتصار، ومن جهةٍ أُخرى أصاب القوط الارتباك والذُعر، الأمر الذي أتاح لِطارق بن زياد أن يستغل هذا الوضع كي لا يُتيح لِلجيش القوطي فُرصة لِإعادة التنظيم والتجمُّع، ويدعم سيطرته على جنوبي الأندلُس، فبدأ ما يُمكن تسميته بـ«حرب المُدن».

فتح المُسلمون مدينة شذونة بعد انتهاء المعركة، ثُمَّ توجهوا نحو مدينة إستجَّة الواقعة على الطريق المُؤدي إلى قُرطُبة، حيثُ احتشدت فيها فُلُول القوط الهاربة في مُحاولةٍ لِمنع المُسلمين من دُخولها، وفتح طارق بن زياد في طريقه مدينة مورور في منطقة إشبيلية، ولمَّا وصل إليها ضرب الحِصار عليها.

ونظرًا لِمناعتها اضطرَّ إلى طلب المُساعدة من يُليان الذي كان آنذاك في الجزيرة الخضراء، فجاء سريعًا واشترك معهُ في الحصار. وجرت مُناوشات شديدة بين المُسلمين وحامية المدينة كثُر فيها القتل والجراح، وبعد مُرور عدَّة أشهر من الحصار أدرك حاكم المدينة صُعوبة الاستمرار في المُقاومة فاستسلم، ودخل المُسلمون المدينة وفرضوا الجزية على سُكَّانها بعد تأمينهم على حياتهم ودينهم وكنائسهم وأديرتهم، وهربت فُلول القوط إلى مُدنٍ أُخرى. وانضمَّ إلى طارق بن زياد في إستجَّة، جمعٌ غفيرٌ من الساخطين على النظام الملكي القوطي، ممَّن فضَّلوا التحالف مع المُنتصر على ذُل العُبوديَّة.

وقدَّم لهُ اليهود العون العسكري كأدلَّاء أرشدوه إلى أيسر الطُرق والمسالك عبر أراضي الأندلُس الشاسعة، بِالإضافة إلى الخدمات المدنيَّة، مُستبشرين بِزوال حُكم القوط ونجاتهم من اضطهادات رجال الحُكم البائد، فكان هذا الدور نابعًا من موقفهم من النظام القوطي الذي أضرَّ كثيرًا بِمصالحهم التجاريَّة والمصرفيَّة، ومع ذلك، فقد بولغ بِالدور الذي ساهم فيه هؤلاء في الفتح لا سيَّما من قِبل بعض المُؤرخين الإسپان، بِهدف مُحاولة التلميح بِأنَّ المُسلمين لم يتمكَّنوا من فتح البلاد لولا مُساعدة اليهود.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

 الأندلس في ذاكرة التاريخ (7)

التعليقات (0)