القدس بين التاريخ والحضارة (1)

القدس بين التاريخ والحضارة (1)

القدس:

القدس هي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بعد مكة والمدينة، مسرح النبوات وزهرة المدائن، القدس مهبط الديانات السماوية، واعظم مدن العالم قداسة، فهي اولى القبلتين، ومعرج الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) وقيامة المسيح، والقدس هي رمز التسامح والمحبة.

والقدس موضع انظار البشر منذ اقدم العصور. وهي الموقع الذي ترنو اليه جميع الامم والحضارات، وتحاول الاستيلاء عليه. هوجمت او حوصرت القدس ما لا يقل عن خمس وعشرين مرة. ولكنها صمدت في وجه جميع محاولات تغيير خصائصها وحيويتها.

الموقع:

تقع مدينة القدس في وسط فلسطين تقريبا الى الشرق من البحر المتوسط على سلسلة جبال ذات سفوح تميل إلى الغرب والى الشرق. وترتفع عن سطح البحر المتوسط نحو 750 م وعن سطح البحرالميت نحو 1150 م، وتقع على خط طول 35 درجة و13 دقيقة شرقاً، وخط عرض 31 درجة و52 دقيقة شمالا. تبعد المدينة مسافة 52 كم عن البحر المتوسط في خط مستقيم و22 كم عن البحر الميت و250 كم عن البحرالأحمر، وتبعد عن عمان 88 كم، وعن بيروت 388 كم، وعن دمشق 290 كم.

التأسيس:

ان أقدم جذر تأريخي في بناء القدس يعود الى اسم بانيها وهو ايلياء بن ارم بن سام بن نوح (عليه السلام) ـ ايلياء أحد أسماء القدس ـ وقيل ان (مليك صادق) احد ملوك اليبوسيين ـ وهم أشهر قبائل الكنعانيين ـ أول من اختط وبنى مدينة القدس وذلك سنة (3000 ق. م) والتي سميت بـ (يبوس) وقد عرف (مليك صادق) بالتقوى وحب السلام حتى أُطلق عليه (ملك السلام)، ومن هنا جاء اسم مدينة سالم أو شالم أو (اور شالم) بمعنى دع شالم يؤسس، أو مدينة سالم وبالتالي فان اورشليم كان اسماً معروفاً وموجوداً قبل ان يغتصب الاسرائيليون هذه المدينة من ايدي اصحابها اليبوسيين وسماها الاسرائيليون ايضاً (صهيون) نسبة لجبل في فلسطين، وقد غلب على المدينة اسم (القدس) الذي هو اسم من اسماء الله الحسنى، وسميت كذلك بـ (بيت المقدس) الذي هو بيت الله.

التوسعة والإعمار:

ـ في عهد النبي سليمان (عليه السلام) اتسعت القدس فبنى فيها الدور وشيد القصور واصبحت عاصمة للدولة، امتدت من الفرات إلى تخوم مصر. ويعتبر هيكل سليمان اهم واشهر بناء اثري ضخم، شيده الكنعانيون فيها ليكون معبداً تابعا للقصر.

ـ قام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بعدة اصلاحات فيها.

ـ سنة 72 هـ بنى عبدالملك بن مروان قبة الصخرة والمسجد الاقصى، وكان غرضه ان يحول اليها افواج الحجاج من مكة التي استقر فيها منافسه عبدالله بن الزبير الى القدس.

ـ سنة 425 هـ شرع الخليفة الفاطمي السابع علي ابو الحسن في بناء سور لمدينة القدس بعد بناء سور الرملة، وفي العصر الفاطمي بني اول مستشفى عظيم في القدس من الاوقاف الطائلة.

ـ سنة 651 هـ / 1253 م وفي زمن المماليك غدت القدس مركزا من اهم المراكز العلمية في العالم الاسلامي.

ـ سنة 1542 م جدد السلطان سليمان القانوني السور الحالي الذي يحيط بالمدينة القديمة والذي يبلغ طوله 4200 م وارتفاعه 40 قدماً.

البيلوغرافيا التاريخية:

الحديث في هذا المبحث "ببليوغرافيا تاريخية" عن القدس لا يتجاوز كونه تعريجا على بعض المحطات والتي هي الجزء اليسير من السجل التاريخي الحافل للقدس ارضا، وشعبا، ومقدسات وحضارة. فالصفحات التالية تتناول جزءا من الحقائق التاريخية التي تعكس عروبة واسلامية القدس واهلها. فاسماء القدس لها من المدلولات العميقة بعمق التاريخ، والمحطات التاريخية المدرجة تعبيرا عن الجذور الممتدة بامتداد جذور الوجود.

لقد اتخذت القدس ميزة خاصة باحتضانها العديد من الحضارات، والتي تكالبت عليها تارة بالعنف وبالسلم والهدوء تارة اخرى. فمنذ ستة الاف سنة. تم بناء "حصن يبوس" الذي هو القدس في عصرنا الحاضر. هذا الاسم الذي له من الرنين المميز ما لا يعرف التاريخ له مثيلا من حيث كونه بمدى الاستهداف كموقع وحضارة وحتى كاسم ايضا.

لن يكون للسرد التاريخي المقتضب في هذه السطور اي مغزى للدفاع عن عروبة القدس او اسلاميتها، فما يحتاج للبرهان يكن عرضة للشك، فعروبة القدس واسلاميتها في الوقت نفسه حقيقة ثابتة لا تخضع لوجهات النظر ولا تحتاج للادلة. والهدف من هذه الفكرة هو مجرد استعراض للتاريخ الذي هو الناطق الاول باسم الارض، وقد سميت القدس، قلب فلسطين، وعاصمتها الابدية، بعشرات الاسماء التي اقترنت باسماء البناة او الغزاة، والتي عند استعراضها يتبين ان لها من المدلولات ما يعطيه التاريخ لدارسيه، هذه الاسماء وردت في وثائق وسجلات عديدة في مختلف انحاء العالم القديم والحديث، وهذا يؤكد ان مختلف الحضارات تصارعت على القدس، كما يتضح من خلال الاسماء الكنعانية والفارسية واليونانية والرومانية والاسلامية لهذه المدينة المقدسة.

ومن أبرز الإسماء التي سميت بها القدس:

ـ حصن يبوس: نسبة الى اليبوسيين من انسال العموريين الاوائل الذين سكنوا سوريا الطبيعية ومن ضمنها فلسطين والاردن.

ـ يبوس: نسبة الى اليبوسيين انفسهم.

ـ يروشالم: شالم الاله الكنعاني معناه السلام.

ـ اورسالم: اسم كنعاني يعني السلام.

ـ ساليم: اسم كنعاني ويعني السلام.

ـ شاليم: اسم كنعاني ويعني السلام.

ـ مدينة داود: نسبة الى النبي داود.

ـ مدينة الله.

ـ شليم: في عهد السيد المسيح ورد ذكرها في الانجيل.

ـ ياروشالم: في الكتابات الكنعانية القديمة.

ـ جيروزالم: اسم افرنجي تحريف للاسم الكنعاني (ياروشالم).

ـ يابيتي: سميت لدى الفراعنة وتحريف للاسم الكنعاني، لكن هذا سميت باللغة المصرية واللغة الهيروغليفية آنذاك.

ـ ايليا، او ايليا كبيتولينا: الاسم الاول للامبراطور الروماني هادريان عام 135م، حيث كانت تحت الاستعمار الروماني.

ـ بيت المقدس: ثم القدس الشريف، ثم القدس. عشية الفتح الاسلامي وبعده.

اضافة للعديد من الاسماء التي حملتها القدس قديما مثل: ايفن، مدينة الانهار، مدينة الوديان، يهوستك، نورمستك، نور السلام، نور الغسق، يارة، كيلة، اريانة، جبستي، اوفل، ميلو، اكرى، انتوخيا.

أما أبرز المحطات التاريخية، والإنعطافات والإحداث التي شهدتها المدينة المقدسة على إمتداد أكثر من ستة آلاف عام فهي:

ـ 3000 ق.م: بناء مدينة القدس على يد اليبوسيين وهم من الكنعانيين العرب.

ـ 1417-1362 ق.م: عهد ملك القدس "اورشاليم" عبد خيبا الكنعاني ورسائله التي ورد فيها ذكر اسم مدينة اورسالم.

ـ 1200-1150 ق.م: هجرة الفلسطينيين الى فلسطين (الساحل الفلسطيني الجنوبي) ومنهم جاءت تسمية "فلستينا" فلسطين ارض كنعان.

ـ 1010-971 ق.م: فترة حكم النبي داود.

ـ 1003 ق. م اتخذ داود (عليه السلام) اور شليم عاصمة له وخلفه ابنه سليمان (عليه السلام).

ـ 722 ق.م سقوط اسرائيل على يد سرجون الثاني الآشوري.

ـ 597 ق.م: حملة نبوخذ نصر الاولى.

ـ 586 ق.م: حملة نبوخذ نصر الثانية وسبي اليهود الى بابل السبي الثاني.

ـ 536-333 ق.م: العهد الفارسي.

ـ 312 ق.م: فلسطين تصبح تحت حكم البطالمة في مصر.

ـ 312-64 ق.م: فترة حكم السلوقيين في سوريا وبلاد الشام.

ـ 300 ق.م: حملة بطليموس الاولى على "اورشليم" ونقل عدد غفير من اليهود الى افريقيا.

ـ 175-164 ق.م: دخول انيوخوس الرابع (ابيان) اورشليم وتدمير هيكلها ونهبه خزائنها.

ـ 70 ق.م ـ 476 ق.م: عهد الامبراطورية الرومانية.

ـ 37 ق. م نصب الرومان هيرو دوس الادومي ملكاً على الجليل والقدس ،و الذي أعاد الهيكل وظل يحكم حتى سنة 4 م وفي زمانه ولد النبي عيسى (عليه السلام) في بيت لحم.

ـ 29م: اعتداء اليهود على السيد المسيح والتشكيك بنبوته.

ـ 70 م حدث شغب في مدينة القدس فحاصرها طيطوس الروماني واحدث في المدينة النهب والحرق والقتل واحرق المعبد الذي بناه هيرودوس.

ـ 135 م اثار اليهود الشغب مرة اخرى الا ان الامبراطور الروماني هديريان قام بالتنكيل بهم ودمر المدينة وحرث موقعها وحول القدس الى مدينة وثنية وسمح للمسيحيين ان يقيموا فيها على أن يكونوا من اصل اليهود وسمى المدينة (الياكا بيتو لينا) مشتقة من اسرة هدريان المدعوة اليا.

ـ 313م: اصدر قسطنطين الروماني مرسوما يقضي بمنح المسيحية حرية العبادة في اقطار الامبراطورية.

- 326م: حج الامبراطورية هيلينا ام قسطنطين الى القدس وبناء كنيسة القيامة.

- 614 م: احتلال الفرس لسوريا وفلسطين وتخريب كنائس القدس ومن ضمنها كنيسة القيامة.

- في ليلة 17 / ربيع الاول من شهر رجب قبل الهجرة النبوية بسنة أَسرى الله برسوله (عليه السلام) من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى.

- في شعبان سنة 2 هـ صلى الرسول (صلى الله عليه وسلم) أول صلاته باتجاه القدس ثم حولت القبلة إلى الكعبة المشرفة في هذا التاريخ.

- 7 هـ / 628 م استطاع الامبراطور البيزنطي هرقل ان يطرد الفرس من القدس.

ـ 638 م: (17 هـ) فتح مدينة القدس على يد الخليفة عمر بن الخطاب.

- 40 هـ / 661 م اخذ معاوية بن ابي سفيان البيعة في القدس، واختار مدينة دمشق عاصمة لخلافته.

- 65 هـ / 684 م وقعت ثورة فلسطين بزعامة نائل الجذامي تأييداً لعبدالله بن الزبير.

66 هـ / 685 م: عهد الملك بن مروان الخليفة الاموي الذي في عهده تم بناء قبة الصخرة والمسجد الاقصى.

- 72 هـ / 691 م أخذ سليمان بن عبدالملك البيعة في القدس، وبنى في الرملة قصراً له.

ـ 1060 م: سقوط تنور قبة الصخرة، وبه (500) قنديل.

ـ 1067م: خربت الزلازل ارض فلسطين، فانشقت الصخرة ثم عادت فالتأمت.

ـ 1099 م: اجتاح الصليبيون بلاد فلسطين، وقتلوا نحو (70) الفا من السكان المسلمين في القدس. وهكذا اصبحت المدينة مملكة صليبية سميت بـ "مملكة القدس".

ـ 1187 م: السلطان الملك صلاح الدين يوسف بن ايوب انقذ بيت المقدس من الصليبيين، وبادر الى المسجد الاقصى فأزال معالم الصليبيين.

ـ 1228 م: سلم الملك الكامل مدينة القدس للامبراطور الالماني فردريك مقابل انسحاب الصليبيين من مدينة دمياط، فدخل الامبراطور القدس.

ـ 1238 م: استرد الملك الصالح نجم الدين ايوب ابن الملك الكامل مدينة القدس وحرر الصخرة المشرفة من الصليبيين.

ـ 1244 م: هاجم الخوارزميون وعلى رأسهم الامير حسام الصليبيين دفاعا عن القدس والصخرة المشرفة.

ـ 1260 م: انتقل الحكم الاسلامي على مدينة القدس لايدي المماليك الذين كانت مصر مقر سلطانهم، وذلك بعد انتصارهم على المغول في موقعة عين جالوت.

ـ 1262 م: السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس زار بيت المقدس وجدد كل شيء كان قد تهدم.

ـ 690 هـ / 1291 م انهى السلطان (الاشرف بن قلاوون) مملكة بيت المقدس الصليبية.

ـ 1516 م: هزمت جويش الاتراك العثمانيين الجيوش المملوكية، ووقعت البلاد تحت ظل حكم اسلامي جديد هو الحكم العثماني، الذي استمر نحو اربعة قرون. و استولى السلطان سليم الأول على القدس.

ـ 1542 م: جدد السلطان سليمان الاول ابن السلطان سليم الاول عمارة قبة الصخرة وثلاثة ابواب نحاسية، وعمر الباب الشمالي اي باب "ستنا مريم".

ـ 1813 م: استولى ابراهيم باشا العثماني على القدس.

ـ 1854 م: اقيم اول حي يهودي يدعى (حي مونتفيوري) في القدس نسبة الى رجل يهودي استطاع شراء ارض فلسطينية بمساعدة السلطان العثماني.

ـ 1874 م: في عهد السلطان عبدالعزيز تم انشاء قسم كبير من السقف الخشبي المثمن الاضلاع للمسجد الاقصى.

ـ 1917 م: دخلها الغازي البريطاني اللورد اللنبي.

ـ 1920 م: اصبحت القدس محتلة من قبل بريطانيا.

ـ 1929 م: حدثت ثورة فلسطينية عارمة واحداث دامية مع اليهود دفاعا عن حقوقهم في القدس.

ـ 1930 م: قضية البراق وحكم اللجنة الدولية بانه ملك للمسلمين وحدهم.

ـ 1948 م: استولت “اسرائيل” على جزء كبير من فلسطين والقدس الجديدة.

ـ 1950 م: فرض السيادة الاردنية على بلدة القدس القديمة.

ـ 5/6/1967 م: استولت “اسرائيل” على القدس القديمة.

ـ 13/6/1967 م: ذكر المطران تيودوروس مطران الروم الارثوذكس بان اسرائيليين اعتدوا على كنيسة مار الياس على طريق بيت لحم وكسروا مقاعدها ونهبوا الايقونات المقدسة والاثريات.

ـ 28/6/1967 م: “اسرائيل” تقرر توسيع حدود القدس العربية الى عشرة اضعاف مساحتها وضمها الى الجزء الغربي من المدينة وما يتبعه من سيطرة قانونية وادارية.

ـ 3/8/1967: حدث اشتباك بين الشباب العرب في القدس وبين قوات الاحتلال بسبب دخول اليهوديات الى الحرم بصورة غير لائقة.

ـ 1968 م: اقامت “اسرائيل” اول عرض عسكري واغتصبت مساحة كبيرة من اراضي المدينة المقدسة داخل السور وخارجه.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

 القدس بين التاريخ والحضارة (2)

التعليقات (0)