الأندلس في ذاكرة التاريخ (8)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (8)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

- ولاية الأندلس 711 - 756:

والأوضاع في ضل الحكم الإسلامي.

يتفق المُؤرخون والباحثون أنَّ الفتح الإسلامي لِلأندلُس كان خيرًا على تلك البلاد، إذا انتشلها من الفوضى والتنازُع السياسي وأحدث فيها ثورة اجتماعيَّة، وقضى على مساوئ العهد القوطي التي كانت البلاد ترزح تحتها مُنذ عدَّة قُرون. أمَّا نتائج هذا الفتح فمن أهمِّها:

- الأثر السُكَّاني:

غيَّر الفتح الإسلامي أوضاع الأيبيريين بِشكلٍ عام، إذ بعد زوال الحُكم القوطي تجمَّع زُعماء القوط في منطقة جُليقية في الشمال الغربي، وأبقى المُسلمون على الذين ساعدوهم. فأُعيد يُليان إلى حُكم سبتة، ورُدَّت إلى أولاد غيطشة أموالهم ومُمتلكاتهم وضياعهم، كما سُمح لِبعض النُبلاء والإقطاعيين، في بعض المناطق، بالاحتفاظ بِأراضيهم، أمَّا الأراضي التي تركها أصحابها بِفعل الفرار أو القتل في المعارك، فقد صادرها المُسلمون وجرى توزيعها عليهم. وقد ترك هذا الأمر بِدوره بعض النتائج الكبيرة من الناحية الاجتماعيَّة حيثُ أدَّت مُصادرة مُمتلكات كثيرٍ من النُبلاء، بِالإضافة إلى مُمتلكات الكنيسة، إلى زيادة عدد صغار المُزارعين زيادةً ملحوظة.

استقرَّ المُسلمون من عربٍ وبربرٍ في الأندلُس في مناطق مُختلفة إلى جانب القوط أو في تجمُّعاتٍ مُنفصلة بِسبب العصبيَّات القبليَّة التي كانت قائمة، ممَّا حوَّل المُجتمع الأيبيري الإسلامي إلى مُجتمعٍ فُسيفسائيٍّ من الناحية السُكَّانيَّة. وكان العربُ الذين استقرُّوا في الأندلُس ينتمون إلى عصبيَّتين مُتخاصمتين: القيسيَّة واليمنيَّة، كما كانوا ينقسمون إلى قسمين من حيثُ تاريخ نُزولهم في الأندلُس، فعُرف القُدماء منهم الذين جاؤوا في موجات الفُتُوح الأولى مع طارق بن زياد ومُوسى بن نُصير بِـ«البلديين» أو «أهل البلد»، وكان منهم أيضًا «الشَّاميُّون» الذين جاؤوا مع بلج بن بشر القُشيري، وعُرفوا بِهذا الاسم لأنهم كانوا يسكنون أجناد الشَّام قبل مجيئهم إلى الأندلُس، مثل حِمص ودمشق والأُردُن وفلسطين.

وقد نزل العرب في الأندلُس في الأكثر على الشواطئ الشرقيَّة والشرقيَّة الجنوبيَّة، وهي الشواطئ الدافئة التي تُشبه في مُناخها البلاد التي جاؤوا منها، على أنَّ جماعاتٍ منهم نزلت في غربيّ الأندلُس وفي شماليها.

وكان البربر المُستقرون في الأندلُس أيضًا ينتمون إلى فرعين كبيرين: البُتر والبرانس، وكان بين ذينك الفرعين من العصبيَّة مثل ما كان بين القيسيَّة واليمنيَّة، ونزل البربر في المناطق الجبليَّة من الأندلُس، في الوسط والغرب لِشبه تلك المناطق بِالبلاد التي جاؤوا منها في جبال الأطلس. هذا وبقي الأهالي الأصليون لِلبلاد، وهم القوط، مُنتشرين في مُختلف المُدن والمناطق، واستمرَّ بعض الرومان والفرنجة يسكنون البلاد أيضًا.

وهؤلاء سمَّاهم المُسلمون جميعًا بـ«النصارى» ما داموا قد اختاروا البقاء على المسيحيَّة، ولم يُفرقوا بين عرقيَّاتهم، وكذلك سمُّوهم «المُعاهدين» كونهم تعاهدوا والمُسلمين على الصُلح والسلام زمن الفتح. ونتج عن التعدُّد العرقي في الأندلُس بُعيد الفتح الإسلامي أن كثُر اختلاط الأنساب، فتزوَّج بعض العرب بِالبربر وتزوَّج بعض البربر بِالعرب، كما تزاوج المُسلمون والقوط والفرنجة، وعُرف أبناء الزيجات المُختلطة هذه باسم «المُولَّدون»، كما أُطلقت تلك التسمية على أبناء القوط والفرنجة والرومان الذين اعتنقوا الإسلام.

وكان الغالب أن يتزوَّج العربي امرأةً بربريَّة أو مولدة أو مسيحيَّة أيضًا، وكذلك الحال بِالنسبة لِلبربري، ولم يكن من المألوف أن تتزوَّج العربيَّة مولدًا، ذلك لأنَّ عدد العرب، وبالتالي عدد العربيَّات، كان في الأندلُس قليلًا مُقارنةً بِعدد البربر والقوط الذين أسلموا. وكان المُولَّدون يتخذون عادةً أسماء عربيَّة ويتلقبون بِالألقاب الشرقيَّة، ثُمَّ إنَّهم سُرعان ما اتخذوا اللُغة العربيَّة والعادات العربيَّة والزي العربي تميُّزًا لِأنفُسهم من الذين لم يدخلوا في الإسلام.

الأثر الديني:

منح المُسلمون سُكَّان البلاد الحُريَّة الدينيَّة، وعيَّنوا لهم قُضاةً منهم وحُكَّامًا محليين، يقضون في النزاعات فيما بينهم ويجبون الضرائب منهم. وأحسن المُسلمون مُعاملة أهل البلاد الذين تعرَّضوا لِلاضطهاد في العهد القوطي، فسُمح لِلمُزارعين أن يُمارسوا حياتهم الزراعيَّة على حسابهم على أن يُؤدوا الخِراج. وسارع الكثير من رقيق الأرض والعبيد إلى اعتناق الإسلام كما دان به عددٌ كبيرٌ من أهالي الطبقات الدُنيا.

وسمح المُسلمون لِليهود، الذين ساندوهم، بِمُزاولة التجارة وأمَّنوهم على أنفُسهم وأموالهم وأولادهم، ومنحوهم حُريَّة التملُّك واختصَّ كثيرٌ منهم في العُلُوم والآداب والطب والفلسفة، وتبوؤوا مراكز سياسيَّة وإداريَّة حسَّاسة، فكانوا أكثر الطوائف استفادةً من الفتح.

وجعل المُسلمون لِنصارى الأندلُس تنظيمًا دينيًّا يُشرف عليه رجال الدين منهم: فكان لهم ثلاث أبرشيَّات في طُليطلة وإشبيلية وماردة، كما كان لهم ثماني عشرة أُسقُفيَّة، أمَّا الأديرة فكانت كثيرةً جدًا إذ كان منها حول قُرطُبة وحدها أكثر من خمسة عشر ديرًا.

وبنى المُسلمون المساجد في كُل مكانٍ نزلوا فيه، غير أنَّهُم في بعض الأحيان كانوا يجعلون من الكنائس مساجد في الأمكنة التي دخل جميع أهلها من القوط والإفرنج في الإسلام، أو كانوا يقسمون الكنائس بين الذين دخلوا في الإسلام وبين الذين اختاروا أن يبقوا على المسيحيَّة من أهل البلد الواحد.

وقد هدم المُسلمون عددًا من الكنائس التي كان أهلها يتخذون منها حُصونًا يُحاربون من ورائها، كما سمحوا أحيانًا ببناء كنائس جديدة. ومع مُرور الوقت أصبح الإسلام أكثر الديانات انتشارًا في الأندلُس بِسبب إقبال القوط وغيرهم على اعتناقه، وكان أهلُ الأندلُس في زمن الفتح والوُلاة على مذهب السلف وأهل الحديث، أي أنَّهُم كانوا يُقلِّدون الصحابة من غير تقيُّد بِمذهبٍ فقهيٍّ مخصوص لأنَّ المذاهب الفقهيَّة لم تكن قد وُجدت بعد، على الرُغم من أنَّ المُؤرِّخ أحمد بن مُحمَّد المُقري قال بِأنَّ أهل الأندلُس كانوا على مذهب الأوزاعي وأهل الشَّام مُنذ الفتح الإسلامي لِلبلاد، لكن من المُتفق عليه بين المُؤرخين المُحدثين بِأنَّ هذا خطأٌ وقع فيه المُقري، لأنَّ الإمام عبد الرحمٰن الأوزاعي وُلد سنة 88هـ المُوافقة لِسنة 707م، أي قبل فتح الأندلُس بِأربع سنوات.

وغلب التديُّن والتقوى على النُفُوس في الأندلُس، وكانت روح الجهاد متمكنة في الأهالي، وبِالأخص على القوط الذين دخلوا في الإسلام، على أنَّهُ كان ثمَّة جماعات من القوط لم يدخلوا في الإسلام إلَّا جرًّا لِمنفعة، ثُمَّ إنَّ نفرًا من هؤلاء كانوا يسكنون في جُليقية فارتدوا عن الإسلام لمَّا غزتهم الممالك المسيحيَّة في الشمال.

الأثر الإداري والسياسي:

بعد تمام فتح الأندلُس جُعلت ولاية من ولايات الدولة الأُمويَّة، وأصبح عبدُالعزيز بن مُوسى بن نُصير أوَّل والٍ عليها، فكانت تلك فاتحة العهد الذي عُرف باسم «عصر الوُلاة» في الأندلُس، تمييزًا لهُ عن عهد الإمارة ثُمَّ الخِلافة التي قامت في البلاد لاحقًا.

ولم يُعرف في عصر الوُلاة «حُكومة» بِالمعنى الحديث ولا بِالمعنى الذي كان معروفًا في الدولة الأُمويَّة في ذلك الحين، أو في أيَّام عُمر بن الخطَّاب من قبل: تنظيمًا لِلجيش ولِلمال ولِسجلَّات الدولة والدواوين على الأقل، بل كانت الحُكومة المحليَّة القائمة في الأندلُس حُكومة عسكريَّة استبداديَّة لِأسباب مُختلفة، منها بُعد الولاية عن عاصمة الخِلافة دمشق، ولأنَّ الكثير من نواحي الأندلُس كان عبارة عن ثُغورٍ بحاجةٍ دائمةٍ إلى المُرابطة والاستعداد لِلحرب، ولِقلَّة المُسلمين فيها بدايةً، فكان الوالي هو الحاكم والقائد والقاضي.

وكان الوالي يُعيِّنُ عُمَّالًا على المُدن المُختلفة مسؤولين تجاهه وحده، أمَّا إذا غادر العاصمة لِشأنٍ من شُؤونه فإنَّهُ كان يُعيِّنُ «خليفةً» له فيها. ثُمَّ إنَّ هؤلاء العُمَّال كانوا في الأكثر أقارب لِلوالي أو أصدقاء له أو من أهل عصبيته.

ترك المُسلمون لِلنصارى في الأندلُس حُريَّة سياسيَّة واسعة، فتركوا لهم القضاء فيما بينهم وشيئًا من الإدارة المحليَّة المُستقلَّة الخاصَّة بهم، ولا ريب في أنَّ حياة النصارى الدينيَّة واستمرار الأبرشيَّات والأُسقفيَّات في قواعد الأندلُس المُهمَّة مع وُجود لُغة لهم لا يعرفها المُسلمون ولا يعرفون مثلها قد سهَّل لهم إنشاء مثل هذه الحُكومة. وجُعل لِلنصارى قضاءٌ خاصٌ بهم يحكمون فيه بِموجب القانون القوطي، وكان قاضيهم يُسمَّى «قاضي النصارى» و«قاضي العجم»، وكان الحاكم بأمرهم يُسمَّى «القمص». وكذلك جُعل لِليهود تنظيمٌ قضائيٌّ وإداريٌّ على غرار ما كان لِلمسيحيين.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

 الأندلس في ذاكرة التاريخ (9)

التعليقات (0)