الأندلس في ذاكرة التاريخ (10)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (10)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

عصر الإمارة 756 - 929:

دخول عبدالرحمن الداخل وتوطيد حكمه ودخوله الأندلس.

بعد أن دخل عبدالرحمن الأندلس أتاه أبو عثمان وعبدالله بن خالد، وسارا به إلى حصن طرش منزل أبي عثمان التي أصبحت مركزًا لتجمع أنصاره. بلغ الخبر يوسف الفهري بوصول عبدالرحمن وتجمع الناس حوله، وعدم قدرة عامله على إلبيرة على تفريقهم.

فنصح الصميل يوسف بوجوب التوجه فورًا لملاقاة عبدالرحمن، فجمع يوسف جيشه. علم عبدالرحمن بمسير جيش يوسف، فتحرك بجيشه وأخضع كافة المدن في طريقه حتى إشبيلية التي استولى عليها وبايعه أهلها، فتجمع له ثلاثة آلاف مقاتل. ثم حاول مباغتة يوسف الفهري، ومهاجمة قرطبة ليستولي عليها، والتقيا في موضع يبعد عن قرطبة نحو 45 ميلًا لا يفصلهما إلا النهر.

حاول يوسف أن يغري عبدالرحمن لينصرف بجنده، بأن وعده بالمال وبأن يزوجه من إحدى بناته. إلا أن عبدالرحمن رفض، وأسر خالد بن يزيد أحد رسل يوسف، لإغلاظه له القول. وفي الليل، حاول عبدالرحمن أن يسبق بجنده جيش يوسف خلسة إلى قرطبة.

علم بذاك يوسف فسار الجيشان بمحاذاة النهر صوب قرطبة، إلى أن انحسر الماء عند المصارة يوم الأضحى العاشر من ذي الحجة لعام 138هـ، فعبر جيش عبدالرحمن ودارت المعركة التي انتهت بنصر عبدالرحمن. خلال المعركة أشيع بين الجنود أن عبدالرحمن يركب جوادًا سريعًا للفرار به وقت الهزيمة. فلما بلغ عبدالرحمن هذا الكلام ترك فرسه في الحال وقال: "إن فرسي قلق لا يتمكن معه الرمي!"، ثم ركب بغلًا ضعيفًا كي يقنع جنوده بأنه لن يولي ظهره للأعداء. بعد انتصاره، دخل عبدالرحمن إلى قرطبة، وأدى الصلاة في مسجدها الجامع حيث بايعه أهلها على الطاعة.

- توطيد الحكم:

بعد هزيمة يوسف الفهري والصميل وفرارهما من موقعة المصارة، توجه يوسف إلى طليطلة وحشد منها ما استطاع من أنصاره بمساعدة عامله عليها هشام بن عروة الفهري، وتوجه الصميل إلى جيان وجمع فيها أنصاره ومؤيديه. ثم اجتمعت القوتان وتوجهتا إلى إلبيرة. وكانت خطتهما أن يجذبا عبدالرحمن من قرطبة إلى جيان لقتالهما، ثم يذهب عبدالرحمن بن يوسف الفهري ليحتل قصر الإمارة في قرطبة.

وبالفعل عندما علم عبدالرحمن الداخل باجتماعهما توجه إليهما سنة 139هـ، بعد أن ترك قوة صغيرة لحماية قرطبة بقيادة أبي عثمان. لكنه ما إن ابتعد قليلاً حتى هاجم عبدالرحمن بن يوسف الفهري قرطبة واحتل قصر الإمارة، وأسر أبا عثمان وكبله بالأغلال. وعندما علم عبدالرحمن الداخل بما حل بقرطبة عاد مسرعًا إلى قرطبة، ففر ابن يوسف الفهري إلى أبيه في إلبيرة ومعه أبو عثمان. عندئذ، غادر عبدالرحمن الداخل قرطبة، وتوجه إلى الصميل ويوسف في إلبيرة وحاصرهما، فطلبا الصلح على أن يعترفا بإمارته، ولا ينازعاه فيها، وأن يؤمنهما على النفس والمال والأهل، وأن يؤمن حلفاءهما وأعوانهما ويسمح لهما بسكنى قرطبة تحت رعايته ورقابته.

وقد قبل عبدالرحمن على أن يقدم يوسف ولديه عبدالرحمن وأبي الأسود محمد رهينتين عنده يعتقلهما في قصر قرطبة كضمان للوفاء بعهده، وأن يفرج عبدالرحمن الداخل عن خالد بن زيد أحد قادة يوسف الفهري في مقابل أن يفرج يوسف عن أبي عثمان. وتم الصلح بين الفريقين عام 140هـ. وقفل يوسف والصميل مع عبدالرحمن الداخل إلى قرطبة وانفض جندهما، ونزل يوسف بشرقي قرطبة في قصر الحر الثقفي، ونزل الصميل بداره بالربض وعمل عبدالرحمن على إكرامهما وتقدير مكانتهما.

ولم يمض عام حتى حاول أنصار يوسف السابقين حمله على الثورة على عبدالرحمن، فكاتب يوسف أهل ماردة ولقنت، فأجابوه وكتبوا إليه، فهرب إليهم سنة 141هـ. ولما علم عبدالرحمن بهربه أتبعه الخيل وقبض على ابنه واعتقل الصميل تحسبًا لأي خطر قد يشارك فيه هذا الأخير.

تقدم يوسف نحو إشبيلية وحاصرها وكان واليها عبدالملك بن عمر المرواني الذي طلب من ابنه والي مورور نجدته. ففك يوسف الحصار ليتوجه إلى عبدالرحمن الداخل. لكن عبدالملك وابنه زحفا خلف يوسف الذي رأى التخلص منهما أولًا، ودارت بينهما معركة انهزم فيها يوسف وتفرق من معه.

وفر يوسف إلى طليطلة ليحتمي بها عند واليها هشام بن عروة الفهري، فأدركه عبدالله بن عمر الأنصاري قبل طليطلة بأربعة أميال فقتله وبعث برأسه إلى عبدالرحمن الداخل. ثم أمر عبدالرحمن الداخل بقتل عبدالرحمن بن يوسف المعتقل لديه، كما خنق الصميل في سجنه، وقتل جميع أنصار يوسف الفهري.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

الأندلس في ذاكرة التاريخ (11)

التعليقات (0)