الأندلس في ذاكرة التاريخ (11)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (11)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

إمارة قرطبة:

بعض الثورات التي قامت على عبدالرحمن الداخل.

وفي أواخر عام 143 هـ، ثار القاسم بن يوسف بن عبدالرحمن الفهري وحليف أبيه رزق بن النعمان الغساني في الجزيرة الخضراء على الأمير عبدالرحمن، الذي وجه إليهما من هزمهما، وفر القاسم وقتل الغساني. ثم ثار هشام بن عروة الفهري صاحب طليطلة، فسار إليه عبدالرحمن وشدد عليه الحصار حتى اضطر إلى طلب الصلح مقابل أخذ ابنه كرهينة عند عبدالرحمن، فقبل عبدالرحمن ذلك، ثم عاد هشام إلى نقض العهد فغزاه عبدالرحمن الداخل في العام التالي، وشدد الحصار عليه ودعاه إلى الرجوع فلم يستجب له.

فلما يئس الأمير منه أمر بضرب عنق ابن هشام، وقذف الرأس بالمنجنيق في المدينة، ثم تركه لانشغاله بثورة العلاء بن مغيث اليحصبي الذي ثار عام 146 هـ في باجة بعد أن راسل الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور الذي كان يطمع في استعادة الأندلس، واستطاع أن يجمع حوله الناس والجند من أنصار الدولة العباسية، فاستولى على شذونة.

فأرسل له الداخل جيشًا بقيادة مولاه بدر، فسيطر على المدينة، فتحرك العلاء بجيشه إلى إشبيلية ودخلها. فخرج عبدالرحمن من قرطبة في جميع قواته إلى قرمونة وتحصن بها ومعه ثقات مواليه وخاصته، فسار إليه العلاء وحاصره بها مدة شهرين، عندئذ خرج عبدالرحمن في 700 من رجاله ليرد الهجوم بعد أن خارت قوى جيش العلاء، فهزمهم وقتل العلاء.

أمر عبدالرحمن بحز رأس العلاء ورؤوس أشراف أصحابه، ووضعت فيها صكوك بأسمائهم وحملوا بعضهم إلى أسواق القيروان ليلًا، والبعض الآخر وفيهم رأس العلاء إلى مكة مع بعض التجار الثقات ومعه الرسالة واللواء الذي أرسله المنصور إلى العلاء ـ فوضعوه أمام سرادق المنصور الذي كان يحج ذلك العام. فلما رأى المنصور رأس العلاء انزعج وقال: «الحمد لله الذي جعل بيننا وبين هذا الشيطان بحرًا».

ثم بعث عبدالرحمن مولاه بدرًا وتمام بن علقمة عام 147 هـ في جيش كثيف إلى طليطلة، فحاصرا هشام بن عروة الفهري حصارًا شديدًا، ومنعا الطعام عن أهل طليطلة، حتى ضج أهل المدينة من الحصار واستثقلوا الحرب، وكاتبوا تمامًا وبدرًا وسألوهما الأمان مقابل تسليم ابن عروة وبعض قادته لهما، فقبلا ذلك وحملوهم إلى قرطبة، فحلقت رؤوسهم ولحاهم وألبسوا جببًا صوفية وحملوا على الحُمر، ودخلوا قرطبة على تلك الحال حيث أمر عبدالرحمن بقتلهم، ليعلن بذلك نهاية تمرد ابن عروة الفهري.

وفي عام 149هـ، ثار على الداخل سعيد اليحصبي في لبلة، وسار إليه عبدالرحمن بنفسه وأخمد ثورته. ومن بعده في نفس العام، ثار أبو الصباح اليحصبي الذي نقم من عبدالرحمن أن عزله عن ولاية إشبيلية، وهو الذي كان له عونًا وجمع له اليمانية يوم المصارة. لجأ الداخل معه إلى الحيلة، فبعث إليه عبدالله بن خالد يُؤمنه.

فلما دخلا قرطبة، أمر عبدالرحمن بقتل أبي الصباح، منذئذ، لزم عبدالله بن خالد داره حتى مات لمرارة في نفسه من خداع عبدالرحمن له واستعماله في استدراج أبي الصباح.

وفي عام 153هـ، ثار البربر بزعامة رجل يقال له (شقي بن عبد الواحد المكناسي) كان معلمًا للصبيان، ثم ادعى بأنه فاطمي، فقتل عامل الأمير على ماردة ثم استولى على قورية. فسار إليه عبدالرحمن، ففر منه الفاطمي إلى الجبال ولم يتمكن منه لسنوات، إلى أن انكشف أمره لأصحابه فقتلوه.

عندئذ، جاءته رسل مولاه بدر بثورة اليمانية بقيادة عبدالغافر اليحصبي وحيوة بن ملامس الحضرمي. فسيَّر إليهم الداخل جيشًا هزمهم، وقتل حيوة، وفرّ عبد الغافر عبر البحر. تلا ذلك محاولة ابن أخيه عبيد الله بن أبان بن معاوية وبعض معاونيه الانقلاب عليه في قرطبة وهو متنزه خارجها، فراسله مولاه بدر بالخبر. تمكن بدر من القبض عليهم، وأمر عبدالرحمن بضرب أعناقهم. ثم وجه الداخل عام 160هـ قوة بقيادة تمام بن علقمة وأبي عثمان لقتال الفاطمي، واقتتلا وهزمهما الفاطمي، إلا أن رجلين من أصحابه تآمرا عليه وقتلاه بعد ذلك، لتنتهي ثورته.

فى عام 161هـ، نزل عبدالرحمن بن حبيب الصقلبي بجيشه ساحل تدمير، فسارع الداخل بمهاجمة ابن حبيب، فاستغاث ابن حبيب بوالي برشلونة سليمان الأعرابي، ولكن هذا الأخير لم ينجده. وبذلك استطاع عبد الرحمن أن يهزم ابن حبيب ويحرق سفنه عند ساحل تدمير. ففر الصقلبي إلى كورة بلنسية، حيث اغتاله رجل من البربر طمعًا في عطية من الداخل. وفي عام 164هـ، ثار عليه الماحس بن عبدالعزيز الكناني والي الجزيرة، فسار إليه عبدالرحمن بنفسه، فلما اقترب جيش عبدالرحمن، آثر الماحس الهرب، ففر بأهله عبر البحر ولجأ إلى أبي جعفر المنصور.

وفي عام 168هـ، بلغ عبدالرحمن الداخل بعد ذلك ائتمار ابن أخيه المغيرة بن الوليد بن معاوية وهذيل بن الصميل بن حاتم به ليخلعوه، فأمر بهم فاعتقلوا، ثم قتلهما، وسخط بسبب ذلك على أخيه الوليد بن معاوية فنفاه هو وبنيه إلى المغرب. ثم ثار عليه أبو الأسود محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الفهري عام 169هـ في قسطلونة، فخرج إليه الداخل وقاتله وهزمه، وقتل أربعة آلاف من أصحاب أبي الأسود الذي فر يومئذ. وفي عام 170هـ خرج الداخل لإخماد ثورة بربر نفزة، وهي آخر غزواته.

- غزو شارلمان لشرق الأندلس:

ثار سليمان الأعرابي حاكم برشلونة ومعه الحسين بن يحيى الأنصاري زعيم سرقسطة على الداخل، فأرسل جيشًا بقيادة ثعلبة بن عبيد الجذامي، فهزموا جيش الداخل وأسروا ثعلبة، وأرسلوا إلى شارلمان ملك الفرنجة المعروف في المراجع العربية باسم قارلة، يدعوه للتحالف معهم. فعبر بجيشه جبال البرانس، وأغار على البشكنس في بنبلونة.

ثم إنه طمع في سرقسطة، فسار إليها، فاستقبله الأعرابي، إلا أن الحسين بن يحيى وأهل المدينة أبَوا إلا أن يقاوموه، ولم يسلموا له. حاصر شارلمان المدينة، لكنه لم يقدر على فتحها، فرجع إلى بلده وأخذ الأعرابي معه أسيرًا لأنه ورّطه في ذلك الأمر.

وفي طريق عودته، دبر ابنا سليمان وحلفاؤهم من البشكنس كمينًا دمروا به مؤخرة جيش شارلمان في معركة باب الشرزي، واستطاعوا تحرير الأعرابي والفرار به، إلا أن الحسين بن يحيى ما لبث أن ترصد للأعرابي وقتله بعد ذلك بفترة قصيرة.

ثم سار الداخل بجيشه إلى سرقسطة عام 165هـ، فحاصرها وشدد عليها الحصار، فضاق أهلها من الحصار. ففاوض الحسين بن يحيى - وهو يومئذ قائدهم - عبد الرحمن الداخل على فك الحصار وأن يأخذ ابنه سعيدًا رهنًا. فقبل الداخل، إلا أن سعيدًا هرب بعد يوم واحد فقط. فعاد الحسين إلى الثورة، فحاصره جيش الداخل مجددًا، إلى أن ملّ أهل سرقسطة الحصار، وسلموا الحسين إلى الداخل فقتله، وقفل راجعًا إلى قرطبة.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

 الأندلس في ذاكرة التاريخ (12)

التعليقات (0)