الأندلس في ذاكرة التاريخ (13)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (13)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

قيام الدولة العامرية.

الدولة العامرية:

مثلت فترة حكم الدولة العامرية أوج القوة التي بلغتها الأندلس، في حين كانت الممالك الأوروبية في غاية التفكك والضعف، وسميت الدولة العامرية بهذا الاسم نسبة لمحمد بن أبي عامر، وهو أبو عامر محمّد بن عبد اللّه بن محمّد بن عبد اللّه بن عامر بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك المعافري، وقد بدأ هذا القائد الكبير مسيرته الإدارية والقتالية، بشيء غير معهود، إذ كان أبوه صاحب ورع وتقوى واعتزال لأمور السلطان، فكان محمد طالب علم مجتهد ويعمل حمّارًا، حتى انتقل إلى الأندلس وتوسعت مداركه في طلب العلم، حتى عرفته السيدة صبح زوجة الخليفة الحكم المستنصر بالله، وقرّبته من القصر، لذكائه ومهارته، وتطورت أموره، حتى استلم الشرطة.

ولمّا توفّيَ الحكم، كان الخليفة هشام المؤيد لا يزال صغيرًا، لم يتعدّ العشر سنوات، فكان حاجبه هو محمد بن أبي عامر، والذي رفع من مكانته عند الناس والسيدة صبح، هو توليه لمعركة كبيرة ضد الحركات المهددة للحكم الأندلسي من قبل النصارى، فانتصر نصرًا كبيرًا، وفي أواخر تلك السنة نفسها أدرك ابن أبي عامر مدى قوّته ومدى ضعف من حوله فاستبدّ بالأمر، وحجب هشامًا فأصبح الحاكم الفعلي في الأندلس، ثمّ بدأ في التفكير بالتخلّص من خصومه، وفي سنة 368 للهجرة بدأ ببناء مدينة الزاهرة، شرق قرطبة على النهر الأعظم "نهر الوادي الكبير" وجعلها مقرًّا له وعاصمة للأندلس، وتمّ بناء الزاهرة سنة 370ه‍ـ، فانتقل ابن أبي عامر إليها، وفي السنة التالية تلقّب "المنصور" فأصبح يعرف في التاريخ باسم المنصور بن أبي عامر.

توسع الدولة العامرية:

بقيت الدولة العامرية تحت الحكم الأموي، وإن كان الحكم الفعلي لها - حتى إسقاط دور الخليفة هشام وتوسُّع الدولة العامرية - بعد حملات ناجحة في شمال الأندلس، الاستيلاء على برشلونة عام 985، ثمّ على يعقوب عام 997م، ثم في المغرب إذ استولت على فاس 986م، ولم يَخلُ هذا الجوّ من شوائب ومعيقات، وظهر تحدٍّ جديد للمنصور بن أبي عامر، وهو تمرد أحد قادته وهو غالب الناصري، وذلك عندما دعا المنصور القائد البربري "وصديقه القديم" جعفر بن حمدون، لمعرفته السابقة فيها مذ كان في المغرب، ولتثبيت ولاء الجند البربر له، وذلك عندما يروا قائدًا كبيرًا من كنفهم.

وهذا دليل على حنكة الحاجب المنصور، ولم يرُق هذا الشيء للقائد الأندلسي غالب الناصري، فتمرد على المنصور، وحاول قتله، لكنه هرب ونجا من الموت، وجهز كل من الاثنين جيشًا، ولعل المحزن أن غالبًا كان في الثمانين من عمره، ولم يهزم من صليبي قط، وبعد هذا العمر طلب العون من راميرو الثالث ملك ليون، وطلب منه النجدة ضد جيش قُرْطُبَة، والتقى الجيشان، وجيش قُرْطُبَة يقوده المنصور ابن أبي عامر في القلب وعلى الميمنة فارس المغرب - الذي صار فارس المغرب والأندلس - جعفر بن حمدون، وعلى الميسرة الوزير أحمد بن حزم - والد الإمام الكبير ابن حزم - وغيره من الرؤساء، أمام جيش غالب الناصري ومعه جيش ليون، ورفع غالب صوته قائلًا: «اللهم إن كنتُ أصلح للمسلمين من ابن أبي عامر فانصرني، وإن كان هو الأصلح لهم فانصره».

ومشى غالب بفرسه إلى خارج الجيشين، فَظَنَّ الجيش أنه يُريد الخلاء، ثم طال غيابه، فذهب بعض جنوده للبحث عنه فوجدوه ميتًا بلا أثر سهم ولا ضربة ولا رمية! وقدر الله أن لا يموت غالب مهزومًا، ولا مقتولًا، وربما قد استجيبت دعوته بأن اختار الله الأصلح لقيادة المسلمين.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

الأندلس في ذاكرة التاريخ (14)

التعليقات (0)