الأندلس في ذاكرة التاريخ (16)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (16)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

- دخول المرابطين لإنقاذ الأندلس:

كان الحكم مبعثرًا بين ملوك الطوائف التي كانت متناحرة فيما بينها، واستغل ألفونسو السادس ملك قشتالة تلك الأوضاع المتدهورة للأندلس وأقدم على احتلالها، فضم طائفة طليطلة، وما بعدها حتى بلغ جزيرة طريف؛ فاستنجد أهل الأندلس بالمرابطين، وكان أبرزها الوفد المكون من قضاة إشبيلية وبطليوس وغرناطة، وعندما اطمأن الأمير المرابطي من أمر بلاد المغرب بعد توحيدها وتحسن أوضاعها؛ قرر العبور إلى الأندلس بعد أن اقترح عليه وزيره ومستشاره ابن أسبط الأندلسي الأصل أن يطلب من المُعْتَمِد أن يتنازل عن مدينة الجزيرة الخضراء كي يتصرف بها جيشه بحرية، ويتمكن من عبور البحر متى شاء، فوافق المعتمد وجمع القضاة والفقهاء، وكتب عقد هبة الجزيرة الخضراء للأمير يوسف، وتسليمها له بحضورهم، وكان يحكمها يزيد الراضي ابن المُعْتَمِد، فأرسل إليه أمره بإخلائها وتسليمها للمرابطين.

وبعدها أعلن الأمير يوسف حالة النفير العام من أجل الجهاد في الأندلس، فجاءته قوات من مراكش ومن الصحراء وبلاد الزاب ومن مختلف نواحي المغرب، وبعد تجهيز السفن، كان أول من نفَّذ أمر العبور القائد العسكري المرابطي داود بن عائشة، وتمركز في الجزيرة الخضراء، وتتابعت كتائب المرابطين، وكانت معهم إبلٌ كثيرة، الأمر الذي أثار دهشة ساكنة الأندلس. كان ركب الأمير يوسف وكبار قادة الجيش والفقهاء آخر من عبر البحر، وكان ذلك يوم الخميس بعد الزوال منتصف ربيع الأول 479هـ 1086م، وبدأوا في تحصين الجزيرة الخضراء، وترميم أسوارها وأبراجها، ثم سار متوجهًا إلى بطليوس واستراح بإشبيلية ثلاثة أيام، وجه خلالها رسائل إلى ملوك الطوائف يستنفرهم للجهاد، فكان أول من لبى الدعوة عبدالله بن بلقين صاحب غرناطة، وأخوه تميم صاحب مالقة، وأرسل ابن صمادح صاحب ألمرية ابنه المعز، فاستقبلهم صاحب بطليوس المتوكل بن الأفطس بالقرب من مدينته، فتابعوا سيرهم حتى حطَّ رحاله عند سهل الزلاقة، وكان يبعد عن بطليوس ثمانية أميال.

كان ألفونسو السادس مشغولًا بمحاصرة سرقسطة، فاضطر إلى رفع الحصار عنها، وعاد إلى طليطلة ولملم جيشه، فالتحم الجيش القشتالي بالمرابطي والأندلسي في معركة الزلاقة عام 479هـ 1086م، التي انتهت لصالح المسلمين بنصر كبير. وقبل رجوع الأمير يوسف إلى المغرب، جمع رؤساء الأندلس ونصحهم بالاتفاق والائتلاف، وأن تكون كلمتهم واحدة، ولقب يوسف بن تاشفين "أمير المسلمين".

لكن سرعان ما تدهورت الأوضاع لأن الخلافات بين ملوك الطوائف عادت إلى سابق عهدهم، فاضطر يوسف بن تاشفين إلى أن يعود ثانية إلى الأندلس سنة 481هـ، حيث رأى ابن تاشفين أن الحل يكمن في عزل ملوك الطوائف وتوحيد الأندلس مع المغرب، خاصة بعدما بلغه مصالحة بعض ملوك الطوائف كالمعتمد بن عباد وعبدالله بن بلقين لألفونسو السادس على أداء الجزية، وكانت الجزية ثقيلة، فأكثر ملوك الأندلس الضرائب على رعيتهم، حتى وصفهم ابن حزم بقوله: «لو وجدوا في اعتناق النصرانية وسيلة لتحقيق أهوائهم ومصالحهم لما ترددوا»، فاشتكى فقهاء الأندلس إلى يوسف بن تاشفين وأجازوا له خلع ملوك الطوائف وتفكيك دولهم، بل جاءته فتاوى أعلام أهل المشرق كالإمام الغزالي والطرطوشي تؤيد هذا الرأي.

إلى اللقاء في حلقة قادمة.

الأندلس في ذاكرة التاريخ (17)

التعليقات (0)