الأندلس في ذاكرة التاريخ (24)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (24)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

مملكة غرناطة:

مملَكَةُ غِرنَاطَة أو إِمَارَةُ غِرنَاطَة أو الدَّولَةُ النَصرِيَّة أو دَولَةُ بَنِي نَصر هي آخرُ دولةٍ إسلاميَّة قامت في الأندلُس سنة 635هـ المُوافقة لِسنة 1237م على يد والي جيَّان وأرجونة مُحمَّد بن يُوسُف بن مُحمَّد الخزرجي المعروف بابن الأحمر،الذي أصبح أوَّل أُمراء هذه الدولة.

تأسست مملكة غرناطة بعد انهيار الدولة المُوحديَّة في المغرب والأندلُس، وأخذت المُدُن الأندلُسيَّة الكُبرى تسقط تباعاً في أيدي النصارى، وتعرَّض الإسلامُ والمُسلمون لِخطر الزوال،فتصدَّى مُحمَّد بن الأحمر لِلغزوات المسيحيَّة بِقيادة فرديناند الثالث ملك قشتالة، بعد أن آلت إليه - أي لابن الأحمر - مُعظم أملاك مُحمَّد بن يُوسُف بن هود الذي قُتل في ألمرية، ولمَّا هُزم ابن الأحمر على يد القُوَّات القشتاليَّة، شعر أنَّهُ لابُدَّ أن يلتمس الوسيلة لِتأمين استمراريَّة حُكمه في ظل قُوَّة قشتالة التي تُهدِّدُه، وبِخاصَّةٍ أنَّ غزوات القشتاليين وصلت إلى ضواحي غرناطة نفسها، فمال إلى الاستسلام وأبرم مُعاهدة سلامٍ مع الملك القشتالي كان من أبرز بُنُودها: تبعيَّة غرناطة لقشتالة عسكريّاً، وأن يحكم غرناطة باسم ملك قشتالة علانيَّةً؛ ويكون عضواً في مجلس «الكورتيز» (مجلس حكام المقاطعات) وبهذا كان ملك قشتالة قد أتمَّ تبعية غرناطة له تماماً.

وهكذا أخذت صُورة الوضع السياسي لِلدولة الإسلاميَّة الجديدة في الأندلُس تتوضَّح تحت حُكم مُحمَّدِ بن الأحمر، الذي اتخذ غرناطة عاصمةً لهُ بدلاً من جيَّان التي كانت واقعةً تحت تهديد النصارى المُستمر.

قيام لدولة ومداهنه قشتالة:

عند وفاة ابن هود بادر مُحمَّد بن يُوسُف إلى العمل لاجتناء تُراثه في الأنحاء الوُسطى، وكان ابن هود قد ولَّى على غرناطة عُتبة بن يحيى المُغيلي، وكان خصماً لِابن الأحمر يأمُرُ بِسبِّهِ على المنابر، وكان ظلوماً جائراً فلمَّا اشتدَّت وطأته على أهل غرناطة ثار عليه جماعةٌ من أشرافها، فهاجم أربعون رجُلاً منهم القصبة والقصر واقتحموها وسُيُوفهم مشهورة وقتلوا عُتبة وأعلنوا طاعتهم لِابن الأحمر، وبعثوا إليه يستدعونه.سار ابن الأحمر إلى غرناطة ودخلها أواخرَ رمضان سنة 635هـ المُوافق فيه شهر نيسان (أبريل) 1238م، وهو يرتدي ثياباً خشنةً، وحلَّةً مُرقَّعةً كثياب الصوفيَّة، ونزل بِجامع القصبة وأمَّ الناس لِصلاة المغرب بِفاتحة الكتاب و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ أو ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهو مُتقلِّدٌ سيفه، ثُمَّ خرج إلى قصر باديس والشُمُوع بين يديه ونزل فيه مع خاصَّته، وبِذا غدت غرناطة حاضرته ومقر حُكمه، وكان ذلك لِأشهُرٍ قلائلَ فقط من وفاة ابن هود، وماكاد يستقر في حاضرته الجديدة حتَّى عوَّل على ضم ألمرية وسحق ابن الرميمي - وزير ابن هودٍ وقاتلِه - فسار إليها في بعض قُوَّاته وحاصرها مُدَّة، فلمَّا اشتدَّ عليها الحصار غادرها الرميمي من جهة البحر بِأهله وماله في سفينةٍ خاصَّة، واستقرَّ بِمدينة تُونُس تحت كنف السُلطان أبي زكريَّاء يحيى بن حفص، ومَلَك ابن الأحمر ألمرية وامتدَّ بِذلك سُلطانه إلى سائر الشواطئ الجنوبيَّة.

وكان من أعظم أعوان مُحمَّد بن يُوسُف في تلك المعركة التي انتهت بِتحقيق رياسته عشيرته أي بني نصر، وأصهاره بنو أشقيلولة. وهكذا نشأت مملكة غرناطة الصغيرة من غمر الفوضى التي سادت الأندلُس على إثر انهيار دولة المُوحدين، ولكنها كانت في حاجةٍ إلى الاستقرار والتوطُّد، وكان مُحمَّد بن يُوسُف يُواجه في سبيل هذه المُهمَّة كثيراً من الصعاب.

كانت الأندلُس مزَّقتها الحرب الأهليَّة شيعاً وانتثرت إلى حُكُوماتٍ ومناطقَ عديدةٍ، وكان ابن الأحمر يحظى بِتأييد جمهرةٍ كبيرةٍ من الأندلُسيين ولا سيَّما في الجنوب، ولم يكُ ثمَّة ما يمنع من التفاف المُسلمين الأندلُسيين كُلِّهم حول لواء هذا الزعيم المُنقذ، ولكن روح التفرُّق والتنافُس كانت مُتأصِّلةً في نُفُوس المُتغلِّبين والطامعين، وكان أصاغر الحُكَّام والزُعماء يُؤثرون الانضواء تحت ألوية المُلُوك المسيحيين والاحتفاظ في ظلِّهم بِمُدُنهم وقواعدهم على مُناصرة ابن الأحمر والانضواء تحت لوائه. حدث ذلك بِنوعٍ خاصٍ في مرسية وشرقيّ الأندلُس، فقد ارتضى صاحب مرسية مُحمَّد بن عليّ بن هود وحُكَّام لقنت وأوريولة وقرطاجنة وجنجالة وغيرها أن يعقدوا الصُلح مع ملك قشتالة معترفين بِطاعته ويُؤدوا لهُ الجزية، وأن يبقوا مُتمتعين في ظلِّه بِحُكم مُدُنهم ومواردهم، وعلى إثر ذلك سُلِّمت مرسية ودخلها ألفونسو ابن فرديناند الثالث ملك قشتالة في احتفالٍ فخمٍ يومَ 10 شوَّال 640هـ المُوافق فيه 2 نيسان (أبريل) 1243م.

وكان فرديناند الثالث يرى في ابن الأحمر، بعد اختفاء ابن هود، زعيم الأندلُس الحقيقي والخصم الذي يجب تحطيمه. وكان ابن الأحمر من جانبه يُقدِّر خُطُورة المُهمَّة التي أُلقيت على عاتقه، وكان يعقد العزم على مُحاربة النصارى واستخلاص التُراث الإسلامي الأندلُسي من أيديهم؛ فما كاد يستقر في غرناطة حتَّى نشط إلى مُحاربة النصارى، وسار إلى قلعة مرطوش في قُوَّةٍ كبيرةٍ وضرب حولها الحصار سنة 636هـ المُوافقة لسنتيّ 1238 و1239م، ولكنَّ النصارى قدموا لِإنجادها بِسُرعة، واضطرَّ المُسلمون إلى رفع الحصار واشتبكوا مع الأعداء في معركةٍ أحرزوا النصر فيها.

على أنَّ مثل هذه المعارك المحليَّة لم تكن حاسمةً في سير الحوادث، وكان فرديناند الثالث يرقب نُهُوض هذه القُوَّة الأندلُسيَّة الجديدة بِعين التوجُّس ويتأهَّب لِمُقارعتها، فما كاد ينتهي من إخضاع الثُغُور الشرقيَّة والاستيلاء على مرسية حتَّى عمد إلى مُهاجمة ابن الأحمر، وبعث لِقتاله جيشاً ًقويّاً بِقيادة ولده ألفونسو، واستولى النصارى على حصن أرجونة وعدَّة حُصُونٍ وأماكنَ أُخرى من أملاك أمير غرناطة، ثُمَّ حاصروا غرناطة نفسها سنة 642هـ المُوافقة لِسنة 1244م، ولكنَّهم رُدُّوا عن أسوارها بِخسائرَ فادحة.[24] وفي السنة التالية زحف القشتاليُّون على جيَّان وحاصروها حتَّى كادت تسقط في أيديهم.

فلمَّا رأى ابن الأحمر تفوُّق النصارى وعبث المُقاومة آثر مُصانعة ملك قشتالة ومُهادنته، فسار إلى لقائه في مُعسكره وقدَّم إليه طاعته، واتفق على أن يحكم أراضيه باسمه وفي ظلِّه وأن يُؤدِّي لهُ إتاوةً سنويَّةً مئةً وخمسين ألف دينارٍ مُرابطي - وهو مبلغٌ شكَّل أهم مصادر دخل مملكة قشتالة في ذلك الوقت - وأن يُعاونه في حُرُوبه ضدَّ أعدائه فيُقدِّم إليه الجُند أينما طلب منهُ ذلك، وأن يشهد اجتماع مجلس قشتالة (مجلس حكام المقاطعات أو الكورتيز) بِاعتباره من الأُمراء التابعين لِلعرش، وسلَّم إليه جيَّان وأرجونة وبركونة وبيغ ووادي الحجارة وقلعة جابر والفرنتيرة لِعجزه عن الاحتفاظ بها، وفي مُقابل هذا الثمن الفادح عقد فرديناند الثالث صاحب قشتالة السلم مع ابن الأحمر لِمُدَّة عشرين سنة، وأقرَّهُ على ما بقي بِيده من القواعد والحُصُون.

وهكذا أمنت غرناطة شرَّ العدوان حتَّى حين، وقبل ابن الأحمر أن يُضحِّي بِاستقلاله السياسي وهيبته الأدبيَّة احتفاظاً بِبلاده، وتطلُّعاً إلى ظُروفٍ أفضل يستطيع فيها النضال والصُمُود، وانصرف إلى تنظيم مملكته وتوطيد حُكمه الداخليّ.

 إلى اللقاء في حلقة قادمة.

الأندلس في ذاكرة التاريخ (25)

التعليقات (0)