من هم الأكراد؟

من هم الأكراد؟

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

برز الأكراد في التاريخ الإسلامي من خلال دولة كبرى كانوا هم مؤسسيها، وقامت هذه الدولة بجهود كبيرة في توحيد مصر والشام بينما كانت الخلافة العباسية في حالة ضعفٍ شديد، وتصدت هذه الدولة للصليبيين في مصر والشام، وتمكنت من الانتصار عليهم في معارك عظيمة في (حطين) و(المنصورة)، واستمرت الدولة ما يقرب من مائة عام من 569هـ إلى 661هـ.

هذه الدولة هي الدولة الأيوبية التي أسسها القائد المسلم الكردي الفذُّ صلاح الدين الأيوبي – والذي ربما لايعلم الكثيرون أنه كان كرديًّا – وقد نشأ هذا البطل في تكريت بالعراق، وجاء مصر مع عمه أسد الدين شيركوه، وتمكن من إسقاط الدولة العبيدية الإسماعيلية وإقامة دولة سنية، ثم تمكن من توحيد مصر والشام في دولةٍ قوية انتصرت على الصليبيين، وتولت أسرته الكردية الحكم من بعده حتى نهاية الدولة، وقيام دولة المماليك.

ومن أهم العلماء الأكراد في التاريخ الإسلامي، والذين لهم أثر كبير الإمام أحمد بن تيمية، والشيخ بديع الزمان النورسي.

يتفق أغلب الباحثين على انتماء الأكراد إلى المجموعة الهندوأوروبية، وأنهم أحفاد قبائل الميديين التي هاجرت في مطلع الألف الثانية قبل الميلاد واستطاعت أن تنشر نفوذها بين السكان الأقدمين وربما استطاعت إذابتهم لتتشكل تركيبة سكانية جديدة عرفت فيما بعد بالأكراد. وتنتمي اللغة الكردية إلى مجموعة اللغات الإيرانية التي تمثل فرعًا من أسرة اللغات الهندوأوربية وهي التي تضم اللغات الكردية والفارسية والأفغانية والطاجيكية، وقد مال أكراد العراق وإيران إلى اللغة العربية؛ فهجروا الأبجدية الخاصة بهم، وبدأوا يستخدمون الأبجدية العربية في كتابة لغتهم، بينما ظل أكراد تركيا وسوريا يستعملون الأبجدية اللاتينية، وأما أكراد الاتحاد السوفيتي فكانوا يستعملون الأبجدية الروسية.

ولم تشكِّل كردستان (الموطن الأساسي للأكراد) بلدًا مستقلاً ذا حدود سياسية معينة في يوم من الأيام، على الرغم من أنه يسكنها شعب متجانس عرقًا. وظهرت كلمة "كردستان" كمصطلح جغرافي أول مرة في القرن الـ12 الميلادي في عهد السلاجقة، عندما فصل السلطان السلجوقي سنجار القسم الغربي من إقليم الجبال وجعله ولاية تحت حكم قريبه سليمان شاه، وأطلق عليه كردستان.

وكانت هذه الولاية تشتمل على الأراضي الممتدة بين أذربيجان ولورستان (مناطق سنا، دينور، همدان، كرمنشاه.. إلخ) إضافة إلى المناطق الواقعة غرب جبال زاجروس، مثل شهرزور وكوي سنجق، وكلمة كردستان لا يُعتَرف بها قانونيًّا أو دوليًّا، وهي لا تُستَعمل في الخرائط والأطالس الجغرافية. كما أنها لا تُستَعمل رسميًّا إلا في إيران.

وتتوزع كردستان بصورة رئيسية في ثلاث دول هي العراق وإيران وتركيا مع قسم صغير يقع في سوريا، فيما يوجد عدد من الأكراد في بعض الدول التي نشأت على أنقاض الاتحاد السوفياتي السابق. وتشكل كردستان في مجموعها ما يقارب مساحة العراق الحديث. وتضم كردستان الكبرى إداريًّا 46 إمارة مستقلة أهم مدنها: ديار بكر، وديندر، وشاريزور، ولور، وأرديال.

ويشغل الأكراد 19 ولاية من الولايات التركية البالغ عددها 90، تقع في شرقي تركيا وجنوبيها الشرقي، ويعيش الأكراد بشكل متفرق في دول أخرى أهمها أرمينيا وكذلك في أذربيجان وباكستان وبلوشستان وأفغانستان.

وتختلف التقديرات بشأن عدد الأكراد بين 27 إلى 40 مليونًا، موزعين بنسبة 46% في تركيا، و31% في إيران، و18% في العراق، و5% في أرمينيا وسوريا.

وأغلب أقاليم كردستان غنية بالثروة المعدنية والمناجم خاصةً مناطق ديار بكر وماردين، ورغم وجود هذه المناجم والمعادن فلا تزال الصناعة في كردستان متأخرة؛ حيث تنعدم الصناعات الثقيلة، ولا يوجد أثر للصناعات العملاقة؛ وذلك بسبب الظروف السياسية، اما الصناعات اليدوية والخفيفة فهي منتشرة بكثرة لا سيما صناعة السجاد المنتشرة في جميع البيوت الكردستانية.

يعتنق الأكراد الإسلام بأغلبية ساحقة، وذلك على المذهب السني الشافعي، وهناك عدد قليل للغاية من الشيعة يعيشون في جنوب كردستان، والنصرانية شبه معدومة بينهم، فالنصارى في كردستان هم من السريان الذين كانوا يسمون بالأثوريين والآن يسمون أنفسهم أشوريين، وهم يعيشون في النصف الشمالي من كردستان العراق، وكذلك الكلدان وهم أقل من الأشوريين ويعيشون في مدينة السليمانية. كما توجد بعض الملل والعقائد المارقة من الإسلام كالكاكائيَّة وطائفة أهل الحق وأغلبهم يعيشون في الجزء الجنوبي من كردستان العراق وإيران، ولكن بأعداد نادرة.

كان الأكراد يعيشون في كنف الإمبراطورية الفارسية كرعايا؛ ومن هنا بدأت علاقتهم بالإسلام أثناء الفتوحات الإسلامية في فارس في عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

في هذا الوقت توالت الانتصارات الإسلامية على القوات الفارسية في معارك القادسية وجلولاء ونهاوند (فتح الفتوح). وكان من نتائجها أن حدث احتكاك بين المسلمين الفاتحين وبين الأكراد.

وقد فُتِحَت غالبية المناطق الكردية من مدن وقرى وقلاع في أقاليم الجبال الغربية ومناطق الجزيرة الفراتية وأرمينيا وأذربيجان صُلحًا، ماعدا مناطق قليلة فُتِحَت عنوة؛ إذ لاقى المسلمون فيها مقاومةً عنيفةً.

وبحلول عام 21هـ دخلت غالبية المناطق الكردية في الإسلام، ودخل الأكراد في دين الله أفواجًا. وقد دخل غالبية الأكراد في الإسلام طوعًا، وكان لهم إسهام بارز في الفتوحات.

ظلَّ الأكراد يتمثلون روح الإسلام، كما أنهم أصبحوا جنودًا للخلافة الإسلامية في شتى عصورها، ولم تؤثر فيهم الاحتكاكات العقائدية والحزبية والمذهبية التي طغت على العديد من القوميات التي تؤلِّف المجتمع الإسلامي آنذاك، بل أصبحوا سندًا ومُدافعًا أمينًا عن الثغور الإسلامية في وجه الروس والبيزنطينيين وحلفائهم من الأرمن والكرج (الجورجيين)، أما دورهم في مقاومة الصليبيين والباطنيين تحت قيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي فأشهر من أن يُعرَف.

وفي العصور العباسية كان لهم دور مشهود في الدفاع عن حياض الخلافة، وحتى عندما شكَّلوا إمارات خاصة بهم كغيرهم من الأمم أيام تدهور الخلافة العباسية في العصر البويهي (334-447 هـ) فإنهم بقوا على إخلاصهم لرمز الإسلام آنذاك (الخلافة العباسية)، ولم يحاولوا القيام بحركات التمرد والانفصال أو احتلال بغداد مثل أمم أخرى كالفُرس والبويهيين، وكان في استطاعتهم فعل ذلك لو أرادوا، ولكنه الإخلاص للإسلام وللخلافة العباسية لا غير.

وبدأت المشكلة الكردية بصورة واضحة في العصر الحديث عند اصطدام الدولتين الصفوية الشيعية والعثمانية السنية عام 1514م في معركة جالديران التي كانت كبيرة وغير حاسمة، كان من نتائجها تقسيم كردستان عمليًّا بين الدولتين الصفوية والعثمانية، فقد كانت كردستان قبل سنة (1514م) تسود فيها إمارات مستقلة مشغولة بتنظيم شئونها الداخلية، لكن سوء معاملة الشاه إسماعيل الصفوي، إضافةً إلى الاختلاف المذهبي جعل سكان إمارات الأكراد وبلاد الجزيرة في انتظار من يخلصهم من الحكم الصفوي، بالإضافة إلى جهود الشيخ إدريس البدليسي الذي ندبه السلطان العثماني لإقناع أمراء الأكراد ورؤساء العشائر وحكام المقاطعات بالانقلاب على حكم الشاه؛ لكل هذا بدأت المدن الكردية تثور على الحكم الصفوي مثل: ديار بكر، وبدليس، وأرزن، وميافارقين، وكركوك، وأردبيل.

في عام (1515م) قام العلامة إدريس، بعد تفويضه من قبل السلطان العثماني، بعقد اتفاقية مع الأمراء الأكراد، يتضمن اعتراف الدولة العثمانية بسيادة تلك الإمارات على كردستان، وبقاء الحكم الوراثي فيها، ومساندة الأستانة لها عند تعرضها للغزو أو الاعتداء مقابل أن تدفع الإمارات الكردية رسوم سنوية كرمز لتبعيتها للدولة العثمانية، وأن تشارك إلى جانب الجيش العثماني في أية معارك تخوضها الإمبراطورية، إضافة إلى ذكر اسم السلطان والدعاء له من على المنابر في خطبة الجمعة.

وقد تضمن هذا الاتفاق اعترافًا من الدولة العثمانية بالسلطات الكردية، ولم يكن ذلك شيئًا يسيرًا في مسيرة الأكراد؛ إذ قدَّم لهم اعترافًا بوجود المشكلة الكردية، يقتضي حلها، حتى لو كان الحل وقتيًّا!! ومنذ ذلك الحين تغيرت مخططات الأكراد لمستقبلهم، وصاروا يتطلعون إلى الانفصال عن كل الدول التي يعيشون فيها، وإقامة دولة كردية تقوم على وحدة العِرق الكردي، وليس على أية رابطة أخرى، ومن ثَمَّ الانفصال عن الخلافة الإسلامية الكبرى القائمة في عصرهم وهي الخلافة العثمانية.

ولكن في عام (1555م) عقدت الدولتان العثمانية والصفوية اتفاقية ثنائية بين السلطان العثماني سليمان القانوني والشاه طهماسب عُرِفت باتفاقية "أماسيا"، وذلك بعد ثلاث حملات عسكرية قام بها السلطان سليمان، واستولى فيها على مدينة تبريز عاصمة الصفويين، وعديد من المدن؛ ولكن في كل مرة كان الصفويون يستغلون عودته لبلاده، وينقضون على هذه المدن مرةً أخرى، وفي آخر حملة وصلته رسل طهماسب وهو في مدينة أماسيا التركية؛ فقبل أن يوقع المعاهدة هناك رغبةً في التفرغ للميادين الأخرى التي كان يواجه فيها صعوبات شتىّ، وتُعدُّ هذه المعاهدة أول معاهدة رسمية بين الدولتين.

وتمَّ بموجبها تكريس تقسيم كردستان رسميًّا وفق وثيقة رسمية، نصت على تعيين الحدود بين الدولتين، وخاصة في مناطق شهرزور، وقارص، وبايزيد (وهي مناطق كردية صرفة)؛ مما شكَّل صفعة لآمال الأكراد في الحصول على استقلالهم.

وقد تمَّ توقيع عدة معاهدات تالية لتلك الاتفاقية؛ منها معاهدة "زهاو" أو تنظيم الحدود عام (1639م)، وتم التأكيد على معاهدة أماسيا بالنسبة لتعيين الحدود؛ مما زاد من تعميق المشكلة الكردية، ثم عقدت بعد ذلك معاهدات أخرى مثل "أرضروم الأولى" (1823م)، و"أرضروم الثانية" (1847م)، واتفاقية طهران (1911م)، واتفاقية تخطيط الحدود بين الدولتين: الإيرانية والعثمانية عام (1913م) في الأستانة، وكذلك بروتوكول الأستانة في العام نفسه.

وأسهمت هذه المعاهدات في تكريس تقسيم إقليم كردستان، وقد زاد من حدة مشاعر الغضب الكردية بدء الأفكار القومية في الانتشار في الشرق مع بدايات القرن التاسع عشر؛ حيث بدأت الدول الأوروبية تحتك بكردستان عن طريق الرحّالة الأجانب والإرساليات التبشيرية، وكذلك عن طريق بعض القنصليات، وأهمها البريطانية والروسية والفرنسية ثم الأميركية.

وقد مارست كل هذه الجهات أدوارًا مهمةً في تحريض العشائر الكردية ضد الدولة العثمانية خاصةً، ثم الإيرانية، لكي يحصلوا على مزيد من الامتيازات، أو يزداد نفوذهم في الدولة العثمانية خاصة؛ وذلك بغية تحقيق هذه الدول الأوروبية مآربها في إثارة القلاقل داخل الدولة العثمانية؛ لتتمكن من إضعافها عن طريق إثارة المشاكل الداخلية.

دخلت القضية الكردية منعطفًا جديدًا مع اشتداد الصراع الدولي في المنطقة، وخاصةً بين بريطانيا وروسيا؛ إذ أخرج هذا الصراع القضية الكردية من الحيز الإقليمي إلى النطاق الدولي، فقد بدأت روسيا ثم بريطانيا في وقت مبكر اتصالاتهما بالأكراد كما حاولت فرنسا الأمر ذاته. كما كانت أمريكا موجودة في المنطقة على عكس ما كان شائعًا من تطبيقها لمبدأ "مونرو" الذي يؤكد على عدم التورط في المشاكل السياسية خارج أمريكا.

وفي ذات الوقت التقت رغبات الدول العظمى بمحاولات بعض الأكراد التقرب من الأجانب، من أجل البحث عن حلٍّ للقضية الكردية؛ حيث كانت جهود الدبلوماسي الكردي شريف باشا واضحة وفي هذا المجال، إذ حاول الاتصال بالإنجليز عام (1914م) لكي يعرض خدماته، لكن الحكومة البريطانية لم تستجب له. وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م لم يكن للأكراد مصلحة فيها، وبرغم ذلك وجد الأكراد أنفسهم وقد جرفتهم أحداث الحرب للاشتراك في القتال على الجبهتين: القوقازية والعراقية؛ فقد انضم الأكراد إلى جانب تركيا في الحرب، حيث تمكن الأتراك من توجيههم لقتال الأرمن والأثوريين (الأشوريين) الذين خانوا تركيا، وتمردوا عليها، وانضموا إلى جبهة الحلفاء المعادية.

وقد أُصيب الأكراد بخسائر فادحة شأنهم في ذلك شأن الشعوب الأخرى التي تورطت في الحرب، ولكنهم قد أثبتوا أنهم مفيدون للأتراك في أداء المهمات التي أُنِيطت بهم. وضُرِبَت الجهود الكردية للاستقلال في مقتل إثر اتفاقية سايكس بيكو عام 1916م؛ حيث اجتمع وزراء الخارجية الروسية والبريطانية والفرنسية، ودارت بينهم مباحثات سرية حول الترتيبات المقبلة للشرق الأوسط، بعد أن أصبحت هزيمة ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية وشيكة، وتضمنت الاتفاقية تقسيم تركة الدولة العثمانية، وبما أن القسم الأكبر من كردستان كان تحت السيطرة العثمانية، فقد شملها التقسيم، وهذا الوضع الجديد عمَّق بشكل فعّال من تعقيد المشكلة الكردية؛ حيث تُعَدُّ معاهدة سايكس بيكو أول معاهدة دولية اشتركت فيها ثلاث دول كبرى، وحطمت الآمال الكردية في تحقيق حلمهم في تقرير المصير.

تحرك الأكراد لاستثمار الظروف الدولية وهزيمة الدولة العثمانية بالحرب العالمية الأولى لنيل مطالبهم والاستفادة من مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون بحق الشعوب في تقرير المصير، وقد تحرك الأكراد وبذلوا جهودًا مضنية لإيصال صوتهم إلى مؤتمر الصلح في باريس عام (1919م)، ولا سيما بعد أن صرح رئيس الولايات المتحدة الأميركية ويدرو ويلسون بحق الشعوب في تقرير مصيرها في بنوده الأربعة عشر المشهورة، ولم يكن للأكراد كيان سياسي مستقل حتى يشارك وفدهم رسميًّا في ذلك المؤتمر، شأنهم شأن القوميات والشعوب المضطهدة الأخرى، ولذلك خَوَّل الشعب الكردي من خلال العشائر والجمعيات السياسية شريف باشا لتمثيلهم والمطالبة بالمطالب الكردية المشروعة.

بدأ الأكراد يركزون جهدهم لمطالبة الهيئات الدولية التي احتلت الأستانة بتوحيد المناطق الكردية ومنحها حكمًا ذاتيًّا؛ فراجعوا اللجان الأوروبية والأمريكية التي تكونت لاستفتاء الشعوب التي انفصلت عن الإمبراطورية العثمانية لهذا الغرض، كما رأى مفكرو الأكراد وجوب الاتجاه بمساعيهم الوطنية إلى خارج الدولة العثمانية بعد أن رفضت وزارة فريد باشا منح الاستقلال الذاتي للأكراد. وقد ركز الأكراد اهتمامهم نحو مؤتمر الصلح الذي انعقد في باريس في مارس 1919م، خاصة وأن هذا العام قد حفل بالآمال بالنسبة للأكراد والعرب والأرمن، فقد أقبلت هذه السنة ومعها وعود ويلسون بتقرير مصير الشعوب.

وقد أصدر الحلفاء بعد استكمال تحضيراتهم للمؤتمر قرارًا في شهر يناير1919م نص على ما يأتي: "… إن الحلفاء والدول التابعة لهم قد اتفقوا على أن أرمينيا وبلاد الرافدين وكردستان وفلسطين والبلاد العربية يجب انتزاعها بكاملها من الإمبراطورية العثمانية".وانطلاقًا من هذا القرار قدم الممثل الكردي شريف باشا مذكرتين مع خريطتين لكردستان إلى المؤتمر، إحداهما بتاريخ (21/3/1919م)، والأخرى يوم (1/3/1920). كما طلب من القائمين على شئون المؤتمر تشكيل لجنة دولية تتولى تخطيط الحدود بموجب مبدأ القوميات، لتصبح كردستان المناطق التي تسكن فيها الغالبية الكردية، وإضافة إلى ذلك فقد جاء في المذكرة الأولى "إن تجزئة كردستان لا يخدم السلم في الشرق…".

كما جاء في المذكرة الثانية "إن الترك يتظاهرون علنًا بأنهم مع المطالب الكردية، وأنهم متسامحون معهم، لكن الواقع لا يدل على ذلك مطلقًا…". كما طلب شريف باشا رسميًّا من رئيس المؤتمر جورج كليمنصو أن يمارس نفوذه مع حكومة الأستانة لمنع اضطهاد الشعب الكردي، وجاء في رسالته إلى رئيس المؤتمر: إنه منذ أن تسلمت جماعة الاتحاد والترقي  السلطة، فإن جميع الذين يحملون آمال الحرية القومية قد تعرضوا للاضطهاد المستمر، وإنه من الواجب الإنساني في المجلس الأعلى أن يمنع إراقة الدماء مجددًا، وإن السبيل لضمان السلم في كردستان هو التخلي عن مشروع تقسيم هذه البلاد (أي كردستان).

ودل كل ذلك على أن المشكلة الكردية تقدمت خطوة كبيرة إلى الأمام في أعقاب الحرب. وعندما رأى شريف باشا أن تعاطف الدول الأوروبية كبير نحو القضية الأرمنية - ربما بسبب الانتماء الديني للأرمن - استطاع عقد معاهدة ائتلافية بينه وبين نوبار باشا رئيس الوفد الأرمني في ديسمبر سنة 1918م بباريس لحل المسائل المتنازع عليها بين الأكراد والأرمن حلاًّ سلميًّا بدون ترك فرصة للتدخل فيها من القوى الأخرى، وعلى أساس أن تكون كردستان دولة مستقلة عن الدولة الأرمنية المزمع تأليفها.

التعليقات (0)