الأندلس في ذاكرة التاريخ (29)

الأندلس في ذاكرة التاريخ (29)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

الاندلس تنقل اوربا من الجهل والضلام الى العلم والنور، ساهم العالم الإسلامي بمساهمات عظيمة في شتى العلوم:

- الكيمياء:

اعتمد علم الكيمياء الغربي تمامًا على المصادر العربية، فقد كانت الترجمات اللاتينية لأعمال جابر بن حيان في الخيمياء المرجع الأساسي لعلماء الكيمياء الأوروبيين، إلا أنه ما زال الإسناد الدقيق لهذه الأعمال إلى مؤلفيها مثار بعض الجدل، فبعضها دون شك ترجمات من العربية لأعمال لجابر بن حيان ومنها كتاب الكيمياء (الذي ترجم في أوروبا بعنوان كتاب تراكيب الكيمياء (بالإنجليزية: Book of the Composition of Alchemy)‏)، الذي ترجمه روبرت من شيستر عام 1144، وكتاب الرسائل السبعين الذي ترجمه جيراردو الكريموني (قبل عام 1187). وبغض النظر عن من كتب تلك الكتب، فأنها بلا شك كانت ذات تأثير عظيم على علم الكيمياء في أوروبا العصور الوسطى. كما ترجمت الأعمال الكيميائية للرازي إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر تقريبًا.

وترجع أصول العديد من الكلمات التقنية الكيميائية إلى كلمات عربية مثل alkali (قلوي)، والتي انتقلت إلى العديد من اللغات الأوروبية وأصبحت جزءً من المصطلحات العلمية.

- الفلك والرياضيات:

كان لترجمة أعمال الخوارزمي أكبر الأثر على علم الرياضيات في أوروبا. كتب الأستاذ الجامعي فيكتور كاتز قائلاً: "معظم الأعمال الأولى في الجبر في أوروبا، اعتمدت في الأساس على الترجمات لأعمال الخوارزمي والعلماء المسلمين الآخرين، كما أنه كان هناك إقرار بأن معظم علمي حساب المثلثات المستوي والكروي ينسبان إلى العلماء المسلمين". كما أن كلمة "algorithm" (خوارزمية)، مشتقة من الترجمة اللاتينية لاسم الخوارزمي "Algorismi"، وأيضًا كلمة "algebra" (جبر) مشتقة من عنوان كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة، لذا فهما يصنفان ككلمات إنجليزية من أصل عربي. كما ترجمت الأعمال الفلكية والرياضياتية العربية للبتاني والفزاري إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر.

ترجم أيضًا كتاب الزيج السانجاري للخازني إلى اليونانية على يد غريغوري شونيادس في القرن الثالث عشر، وكان يدرّس في الإمبراطورية البيزنطية. قادت التعديلات الفلكية التي أدخلها البتاني وابن رشد على نموذج مركز الأرض إلى النماذج غير البطلمية التي صنعها مؤيد الدين أوردي ونصير الدين الطوسي وابن الشاطر، والتي طوّرت بعد ذلك إلى نموذج كوبرنيكو. كما ترجمت كتب تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة والقانون المسعودي للبيروني إلى اللاتينية تحت اسم Indica وCanon Mas’udicus على الترتيب. وفي عام 1202، نقل ليوناردو فيبوناتشي نظام العد الهندي العربي بالأرقام العربية إلى أوروبا في كتابه Liber Abaci.

كان لكتاب "القسي المجهولة في الكرة" لابن معاذ الجياني (وهو مخطوط في علم حساب المثاثات الكروي) أثره البالغ على علم الرياضيات في أوروبا، وقد ذكر جيرولامو كاردانو في القرن السادس عشر، أن ريجيمونتانوس اعتمد في كتابه On Triangles على المراجع العربية، وبالأخص أعمال جابر بن أفلح. كما كانت أعمال فولبرت من شارتر، أقدم الدلائل على استخدام كلمات عربية مستعارة في النصوص اللاتينية.

- الطب:

كانت ترجمة كتاب القانون في الطب  أحد أعظم أعمال الترجمة لكتب طبية، والذي ترجم إلى اللاتينية، ثم طبع وانتشر في أوروبا. ظل هذا الكتاب المرجع الأساسي في الطب في أوروبا، حتى بداية العصر الحديث، وخلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر وحدهما، طبع الكتاب أكثر من 35 مرة. لاحظ ابن سينا ظاهرة نقل العدوى لبعض الأمراض المعدية التي تنتقل عبر الهواء من قبل شخص مريض، وشرح كيفية اختبار بعض الأمراض الجديدة حينها. وقد كتب ابن سينا أيضًا كتاب الشفاء، والذي كان بمثابة موسوعة عامة في العلوم والفلسفة، وقد حظي هذا الكتاب أيضًا بشعبية في أوروبا. كتب أبو بكر الرازي كتاب الحاوي في الطب، والذي وصف فيه بعناية بل وميّز بين مرضي الحصبة والجدري، وقد كان لهذا الكتاب أيضًا أثره في أوروبا. كما كتب الزهراوي كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف، وهو موسوعة طبية اشتهرت بسبب قسم الجراحة بها. تضمن هذا الكتاب وصف ورسوم لأكثر من مائتي جهاز جراحي، العديد منها من اختراع الزهراوي نفسه. وقد ترجم جيراردو الكريموني جزء الجراحة في الكتاب إلى اللاتينية، واستخدم من حينها في كليات الطب الأوروبية لقرون، وظلوا يصدرون منه الطبعات حتى نحو عام 1770.

- الفيزياء:

كان كتاب المناظر لابن الهيثم من أهم الأعمال الفيزيائية التي ترجمت، لما كان لهذا الكتاب من أقدمية في إجراء التجارب المبنية على منهج علمي، وفيه وضع نظرية في الرؤية والضوء فنّدت نظرية كلاوديوس بطليموس (تفترض نظرية بطليموس بأن الضوء ينبعث من العين، بينما أصر ابن الهيثم بأن أشعة الضوء هي التي تدخل العين)، والتي تعد أهم حدث علمي في هذا المجال حتى عصر يوهانس كيبلر.

لذا، فيعد كتاب المناظر نقطة انطلاق مهمة في تاريخ المنهج العلمي وتاريخ علم البصريات. أثرت الترجمات اللاتينية لكتاب المناظر في الكثير من أعمال العلماء الأوروبيين اللاحقين، ومنهم روجر باكون ويوهانس كيبلر. كما أثر الكتاب في جوانب أخرى في الثقافة الأوروبية. ففي الدين، على سبيل المثال، فقد أشار جون ويكليف الرائد في الفكر الإصلاحي البروتستانتي إلى ابن الهيثم في مناقشة السبع خطايا المميتة عندما شبهها بالتشوهات التي ترى في أنواع المرايا السبع في كتاب De aspectibus. وفي الأدب، أشاد جيوم دي لوريه بكتاب المناظر في روايته Roman de la Rose. وفي الفن، وضع كتاب المناظر أسس تقنيات الرسم المنظوري، وربما أثر في استخدام العوامل المساعدة البصرية في فن عصر النهضة. استخدمت نفس التقنيات في الخرائط الجغرافية التي رسمها رسامي الخرائط أمثال باولو توسكانيللي خلال عصر الاستكشاف.

ربما أثرت نظرية الحركة التي طورها ابن سينا من الفيزياء الأرسطية نظرية قوة الدفع لجان بوريدان (التي سبقت مفاهيم العطالة وزخم الحركة). أيضًا أعمال جاليليو جاليلي في الميكانيكا الكلاسيكية (والتي أبطلت الفيزياء الأرسطية) تأثرت بكتابات الفيزيائيين المسلمين كابن باجة.

اعمال أخرى ترجمت أعمال إسلامية أخرى إلى اللاتينية خلال العصور الوسطى ومنهاكتب ابن رشد وكتاب حركة الكواكب للبطروجي وموسوعة ابن المجوسي الطبية كامل الصناعة الطبية الضرورية وكتاب المدخل الكبير إلى علم أحكام النجوم لأبي معشر البلخي وكتاب الوصايا بالجبر والمقابلة لأبي كامل شجاع بن أسلم وكتاب خصائص العناصر (باللاتينية: De Proprietatibus Elementorum) وهو عمل جيولوجي عربي نسب عن طريق الخطأ إلى الفيلسوف الإغريقي أرسطو. ومع بداية القرن الثالث عشر، ترجم مارك الطليطلي القرآن والعديد من الأعمال الطبية.

- التقنيات الإسلامية:

عرفت أوروبا عددًا تقنيات الزراعية الجديدة لبعض الفواكه والخضروات في العصور الوسطى على أيدي المسلمين، بعضها منقول من الصين والهند، ومنها الخرشوف والسبانخ والباذنجان.

كما نقل المسلمون تقنيات جديدة في الملابس والمواد كالنسيج الموصلي والتفتة والساتان.

- الفنون:

كان فن الزخرفة الإسلامي من الواردات ذات القيمة العالية إلى أوروبا طوال العصور الوسطى. في الفترة الأولى، كانت المنسوجات ذات أهمية خاصة، وتستخدم لأثواب الكنيسة والأغطية الواقية والستائر وملابس النخبة. كما كان الفخار الإسلامي عالي الجودة يلقى رواجًا بين الأوروبيين، نظرًا لزخارفه ومشاهد الصيد الصغيرة المنقوشة عليه وما شابه ذلك. ولأنها لم تكن مفهومة النقوش حينئذ، فلم تكن تلك الأشياء تسيء إلى مشاعر المسيحيين. ومجالات كالفسيفساء والتطعيمات المعدنية والنحت والأعمال البرونزية.

- الكتابة: محاكاة الغرب للخطوط العربية.

اعتاد الغرب في العصور الوسطى وعصر النهضة محاكاة الزخارف بالخط الكوفي العربي لإنتاج ما عرف باسم شبيه الكوفي: "كان يوصف الفن الأوروبي الذي يقلد نظيره العربي بشبيه الكوفي. نقل هذا الفن عن الخط العربي خطوطه المستقيمة والمائلة، والتي كانت شائعة الاستخدام في الزخارف المعمارية الإسلامية". انتشر هذا الفن الأوروبي في الفترة من القرن العاشر حتى القرن الخامس عشر، بل وكان ينسخ عادة على حالته دون فهم ما يعنيه النص، لزخرفة المنسوجات أو الإطارات أو الهالات الدينية. ويظهر استخدام هذا النمط من الزخارف بجلاء في رسوم جوتو دي بوندوني.

السبب الحقيقي وراء استخدام زخارف النمط شبيه الكوفي في لوحات عصر النهضة غير معروف. لكن يبدو أن الغربيين نقلوا زخارف القرنين الثالث عشر والرابع عشر عن طريق الخطأ ظنًا منهم أنها الزخارف التي كانت شائعة في زمن المسيح: "في فن عصر النهضة، استخدم نمط الزخارف شبيهة الكوفية لتزيين ملابس أبطال العهد القديم كديفيد". هناك سبب آخر محتمل، وهو أن الفنان كان يأمل في التعبير عن عالمية ثقافة الإيمان المسيحي، عن طريق مزج عدد من اللغات المكتوبة، في الوقت الذي كان فيه للكنيسة طموحات دولية قوية.

- السجاد الإسلامي:

كان السجاد الإسلامي القادم من ، سواءً من الدولة العثمانية أو بلاد الشام أو مصر المملوكية، أحد مظاهر الثراء والترف في أوروبا، وهو ما يتضح من تكرار استخدامه كملمح زخرفي مهم في لوحات القرن الثالث عشر، وحتى عصر الباروخات. قدّم هذا السجاد والنمط شبيه الكوفي أمثلة رائعة لاستخدام العناصر الشرقية في اللوحات الأوروبية، وخاصةً تلك التي تصور الموضوعات الدينية.

- الموسيقى:

تأثرت عددًا من الآلات الموسيقية المستخدمة في الموسيقى الأوروبية بالآت الموسيقى العربية، فتأثر الكمان بالربابة والجيتاربالقيثارة، وبعض الالآت النفخية بالزمر والزرنة.

- التقنية:

انتقلت عدد من التقنيات المستخدمة في العالم الإسلامي إلى أوروبا في العصور الوسطى، ومنها تقنيات زراعة عدد من المحاصيل، إضافة إلى عدد من الأجهزة الفلكية منها الإسطرلاب الإغريقي الذي طوره الفلكيون العرب ليستخدم في أي خط عرض جغرافي، والصفيحة الزيجية وهو إسطرلاب اخترعه الزرقالي، وآلة السدس، وعدد من الأجهزة الجراحية إضافة إلى المسننات المتقدمة التي استخدمت في الساعات المائية والالآت ذاتية التشغيل. ورغم أن التقطير كان شائعًا في عصر الإغريق والرومان، إلا أنه أعيد اكتشافه مرة أخرى في أوروبا العصور الوسطى نقلاً عن العرب، حتى أن كلمة "alcohol" (التي تستخدم لوصف السائل الناتج عن التقطير) مشتقة من كلمة "الكحول" العربية. وكذلك كلمة "alembic" (من الكلمة اليونانية "Ambix") هي في الأصل كلمة عربية (الأنبيق). كما كان للنماذج الإسلامية من الساعات المائية المعقدة والالآت ذاتية التشغيل تأثيرها القوي على الحرفيين الأوروبيين الذين صنعوا أولى الساعات الميكانيكية في القرن الثالث عشر. وفي المجمل، يمكن القول بأن انتقال التقنية القديمة والحديثة من الشرق الأوسط إلى أوروبا عصر النهضة، مثّل أحد أكبر عمليات انتقال التقنية في التاريخ العالمي.

وفي عام 1974، أصدر المؤرخ أندرو واطسون بحثًا خلُص فيه إلى أنه كانت هناك ثورة زراعية عربية بين عامي 700-100، أدت إلى انتشار العديد من المحاصيل والتقنيات الزراعية من الأندلس إلى أوروبا العصور الوسطى، والتي كانت زراعتها تنحصر في زراعة القمح الذي انتقل إليها من وسط آسيا في زمن سابق. وعدّ واطسون ثمانية عشر نوعًا منها الذرة الرفيعة من أفريقيا، والفواكه الحمضية من الصين، إضافة إلى عدد من المحاصيل من الهند كالمانجو والأرز والقطن وقصب السكر، والتي كانت منتشرة في العالم الإسلامي. وأضاف واطسون أن انتقال تلك المحاصيل مع التطور في ميكنة الزراعة، أدى إلى قفزات في الاقتصاد والانتشار السكاني والنباتي والإنتاج الزراعي والدخل ومستويات المعيشة والنمو الحضري والصناعات المرتبطة بالزراعة وفنون الطهي والملابس. كما تطورت صناعة الحرير، وزُرع الكتان وجمعت الحلفاء من البرية وتم تحويلها إلى مواد مختلفة.

إلا أن مايكل ديكر، عارض بل وتحدى بعض فرضيات واطسون، بالأخص حول ما إذا كانت تلك المحاصيل قد عرفت طريقها إلى أوروبا في تلك الفترة أم لا. استخدم ديكر أدلة أدبية وأثرية لإثبات أن أربعة من المحاصيل المذكورة سالفًا (القمح والأرز الآسيوي والذرة الرفيعة والقطن)، كانت شائعة لقرون قبل العصر الإسلامي، كما أن المحاصيل الزراعية الجديدة لم تكن بتلك الأهمية التي وصفها واطسون. كما قال ديكر بأن الممارسات الزراعية الإسلامية في مجالات مثل الري كانت تطورًا مثيرًا في العالم القديم، لكن ليس لدرجة وصفه بالثورة كما وصفه واطسون.

انتقلت صناعة السكر من قصب السكر والساعات المائية ولب الخشب والورق والحرير وتطورات صناعة العطور من العالم الإسلامي إلى أوروبا العصور الوسطى. ويعتقد أن التطورات التي حدثت في تقنيات الطواحين قد انتقل أيضًا من العالم الإسلامي إلى أوروبا العصور الوسطى، بالإضافة إلى انتشار استخدام الاختراعات الإسلامية كمضخات الشفط والنواعير والمضخات المتسلسلة لأغراض الري. ويقول واطسون، "كانت مساهمات المسلمين أقل في جانب اختراع الأجهزة الجديدة، عنه في جانب نشر التطبيقات القديم التي كانت تستخدم في فترة ما قبل الإسلام في مناطق محدودة وعلى نطاق محدود." كما مكّنت الابتكارات الإسلامية أوروبا العصور الوسطى من تحويل بعض العمليات الصناعية من الاعتماد على العمل اليدوي أو قوة الحيوانات إلى الميكنة.

 إلى اللقاء في الحلقة الأخيرة.

الأندلس في ذاكرة التاريخ (30)

التعليقات (0)