من هى ياقوتة الإسلام؟ (1)

من هى ياقوتة الإسلام؟ (1)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

هي مدينةَ سمرقند إحدى حواضر المشرق الإسلامي العريقة، ومن أغنى المدن الإسلامية التي تزخر بالآثار والمعالم الحضارية الإسلامية.

- سمرقند من منظور جغرافي:

وتعد مدنية سمرقند من أقدم مدن العالم في بلاد ما وراء النهر، ومن أهم مدن أوزبكستان.

ولقد ظلت عاصمة بلاد ما وراء النهر لمدة خمسة قرون منذ عهد السامانيين إلى عهد التيموريين، وحتى الثلث الأول من القرن العشرين. وأطلق عليها الرحالة العرب اسم "الياقوتة" الراقدة على ضفاف نهر زرافشان، وهي العاصمة الرائدة التي أعدها تيمورلنك لتحتل الصدارة في عهده ولسنوات طويلة من بعده، وتشتهر بالعديد من المعالم التاريخية والأثرية، وتضم مجموعة من المقابر القديمة والأضرحة والمباني ذات اللمسات الفنية الإسلامية.

وتحتل سمرقند - العاصمة التاريخية لأوزبكستان - الدرجة الثانية في الأهمية بعد طشقند، التي صارت عاصمة للبلاد منذ عام 1930م، وذلك لمظهر سمرقند الإسلامي الصارخ والضارب في عمق التاريخ، إلى جانب أنها كثيرة المساجد والآثار والبساتين، وهي تقع على نهر سيحون وسط البلاد، وشعبها متدين، وتشتهر بكثرة مزاراتها، فهي تضم رفات عدد كبير من الصحابة الذين استشهدوا في تلك الديار، وخاصة في فتح بخارى. وتعتبر إلى جانب طشقند وبخارى من أقدم مدن المنطقة، التي تعطي التاريخ الإسلامي معناه الأبرز، ففيها ازدهر الإسلام ومنها توسع وانتشر.

وظلت سمرقند تنافس بخارى على مدار التاريخ، وهي تفوقها جمالا وبهاء وروعة، وتجري تحت أسوارها الجداول، التي تصب من الجبال المجاورة صوب السهل المنبسط تحت أسوار سمرقند. ومع هذا التنافس بين المدينتين، إلا أنه "قد ظلت سمرقند من حيث الرقعة وعدد السكان أولى مدن ما وراء النهر قاطبة، حتى في تلك العهود التي كانت فيها بخارى عاصمة للبلاد .. وهذه المكانة التي نالتها سمرقند إنما ترجع قبل كل شيء إلى موقعها الجغرافي الفريد عند ملتقى الطرق التجارية الكبرى القادمة من الهند، مارة ببلخ، ومن إيران مارة بمرو، ومن أراضي الترك، كما أن ما امتازت به المنطقة من خصب فوق المألوف جعل من الميسور لعدد هائل من السكان أن يجتمعوا في بقعة واحدة".

وتقوم سمرقند على الضفة الجنوبية لنهر الصغد (وادي الصغد - زرافشان)، في أعلى النهر، تقع على نشز من الأرض، على نحو من 150 ميلا شرق بخارى. عدد سكانها حوالي نصف المليون نسمة، وهي من أهم المدن في جمهورية أوزبكستان نشاطا زراعيا وتجاريا وصناعيا، ومناخها قاري كالمناخ السائد في آسيا الوسطى، وكانت من المدن الإسلامية الهامة في الجناح الشرقي لديار الإسلام.

كانت مدينة سمرقند عاصمة إقليم الصغد، وكان الصغد يعد إحدى جنان الدنيا الأربع، وقد بلغ أوج ازدهاره في النصف الأخير من المائة الثالثة أيام السامانيين، وكانت أجلّ مدنه: سمرقند، وبخارى، ويمكن القول بأن الأولى كانت مركزه السياسي، بينما كانت الثانية عاصمته الدينية، إلا أن كلتا المدينتين كانتا في مرتبة واحدة، وتعدان قصبتي الصغد.

وقد وصف ابن بطوطة مدينة سمرقند بقوله: "إنها من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالا، مبنية على شاطئ وادٍ يعرف بوادى القصَّارين ..، وكانت تضم قصورًا عظيمة، وعمارة تُنْبِئ عن هِمَم أهلها".

قال المقدسي - المعروف بالبشاري - (ت نحو 380هـ): "سمرقند: قصبة الصغد، ومصر الأقاليم، بلد سريّ جليل عتيق، ومصر بهي رشيق، رخي كثير الرقيق، وماء غزير بنهر عميق ..، ذو رساتيق جليلة، ومدن نفيسة، وأشجار وأنهار ..، في الصيف جنة، أهل جماعة وسنّة، ومعروف وصدقه، وحزم وهمّه".

وقال ياقوت الحموي (ت 626هـ) واصفا مدينة سمرقند: "وقالوا: ليس في الأرض مدينة أنزه ولا أطيب ولا أحسن مستشرفا من سمرقند، وقد شبهها حصين بن المنذر الرقاشي فقال: كأنها السماء للخضرة، وقصورها الكواكب للإشراق، ونهرها المجرة للاعتراض، وسورها الشمس للإطباق".

ومن هذه الأوصاف نعرف أن مدينة سمرقند كانت من أعظم المدن حضارة في ذلك الوقت، فشوارع المدينة مرصوفة بالحجارة، ومبانيها مشيدة من الطين والخشب. وذكر بعض المؤرخين أن سكان المدينة كانوا حوالي مائة ألف أسرة، وذلك قبل استيلاء جنكيز خان عليها، بينما كان سكانها في عهد السامانيين قد جاوز النصف مليون، كما توقعه المستشرق بارتولد في كتابه "تركستان من الفتح العربي إلى الغزو المغولي".

سمرقند من منظور تاريخي:

وإذا نظرنا لتاريخ سمرقند، نجد أن المؤرخين لم يستطيعوا تحديد الزمن الذي نشأت فيه المدينة، ولكنهم متفقون على أنها من أقدم مدن العالم، وأن عمرها يزيد على 2500 سنة، وذهب بعضهم إلى أن الذي بناها ذو القرنين الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، وهو الذي يعتقد البعض أنه الإسكندر الأكبر، بينما يرجِّح البعض الآخر أنه قورش مؤسِّس دولة الفرس (إيران).

ويبدو أن العرب المسلمين كانوا شديدي الاعتزاز بسمرقند، حتى إن ياقوت الحموي في موسوعته "معجم البلدان" يقول إن الذي بنى المدينة هو: شمر أبو كرب الملك العربي اليمني القديم، ثم تحرفت الكلمة إلى: شمركنت، ثم إلى: سمرقند.

وقد تعرضت المدينة عبر تاريخها الطويل لويلات وكوارث عديدة، حيث جرى تدميرها عدة مرات على يد جنكيز خان عام 616هـ / 1220م، ثم على أيدي الأوزبك حوالي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي. وكانت قبائل الأوزبك حتى هذه الفترة لم تعتنق الإسلام.

فقد احتل الإسكندر مدينة سمرقند عدة مرات إبان قتاله مع السبتاميين، وكانت سمرقند في عهد القواد الذين تنازعوا ملك الإسكندر، بعد تقسيم عام 323 قبل الميلاد، تابعة لولاية بلخ بصفتها قصبة الصغد، وقد وقعت في أيدي السلوقيين هي وبلخ عندما أعلن "ديودوتس" استقلاله، وتأسست المملكة الإغريقية البلخية في عهد أنطيوخس الثاني، ومن ثم أصبحت معرضة لهجمات برابرة الشمال.

وغدت سمرقند من ذلك الوقت حتى الفتح الإسلامي منفصلة عن إيران من الناحيتين التاريخية والاقتصادية، وإن ظل التبادل الثقافي بينها وبين البلاد الغربية متصلًا.

مدينة سمرقند من الفتح الإسلامي إلى الآن:

بدأ الفتح الإسلامي لبلاد التركستان بعد معركة نهاوند الشهيرة التي حسمت الأمر مع الساسانيين عام 21هـ، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولقد اندفعت الجيوش الإسلامية بعد هذه المعركة الفاصلة في أرجاء فارس بقيادة الأحنف بن قيس رضي الله عنه، وسارت جيوش الأحنف ففتحت هرات (شمال غربي أفغانستان)، ثم مرو (عاصمة خراسان). وفي عام 31هـ أثناء عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه فتح الأحنف طخارستان، وهي ولاية كبيرة في أعالي جيحون.

وتم فتح مدينة سمرقند لأول مرة سنة 56هـ في عهد أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، تحت قيادة سعيد بن الخليفة الراشد عثمان بن عفان، وممن استشهد في هذه المعركة قثم بن العباس ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أقام له أهل سمرقند - بعد أن أسلموا - مزارا ومشهدا، يقال له (مزار شاه زندة)، أي: مزار السلطان الحي؛ لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، ولازال مزاره قائما حتى الآن.

ولم يبدأ المسلمون توغلهم في بلاد ما وراء النهر توغلا منتظما إلا بعد أن عُيِّن قتيبة بن مسلم واليا على خراسان حيث وجد طرخون حاكما على مدينة سمرقند. وفي عام 91هـ / 709م تصالح طرخون مع قتيبة على أن يؤدي الجزية للمسلمين ويقدم لهم الرهائن، غير أن ذلك أغضب رعاياه فخلعوه، وحل محله إخشيذ غورك، واسمه بالصينية أو - لي - كيا، ولكن قتيبة أجبر إخشيد على التسليم في عام 93هـ / 712م بعد أن حاصر المدينة وقتا طويلا. وقد سمح له بالبقاء على العرش، ولكن أقيم في المدينة وال مسلم ومعه حامية قوية. وأمر قتيبة أن يبدأ ببناء المسجد الجامع، فتم بناؤه، وخطب الناس قبل أن يتحول منها إلى مدينة مرو. وغدت سمرقند هي وبخارى قاعدة للفتوح الإسلامية الأخرى ونشر الإسلام في البلاد.

وفي عام 204هـ / 819 م. أعطى الخليفة المأمون العباسي ولاية ما وراء النهر وخاصة سمرقند لأبناء أسد بن سامان، وظلت منذ ذلك الحين دون أن تتأثر بفتن الطاهرية والصفارية في أيدي بيت سامان إلى أن قضى إسماعيل بن أحمد على سلطان الصفارية عام 287هـ / 900 م، وأسس الدولة السامانية فأتاح بذلك لما وراء النهر قرنا من الرخاء والازدهار لم تر له مثيلا إلا بعد ذلك بخمسمائة سنة أيام تيمور وخلفائه المباشرين. وقد ظلت سمرقند محتفظة لنفسها بالمكانة الأولى بصفتها مركز التجارة والثقافة وخاصة في أنظار العالم الإسلامي حتى بعد أن انتقلت القصبة إلى بخارى.

وقد حكم القراخانية سمرقند بعد سقوط الدولة السامانية (الإلكخانية)، ففي عام 495هـ / 1102م كان أرسلان خان محمد القراخاني صاحب السلطة على سلجوق سنجر وظلت سلالته قابضة على السلطة إلى أن أصبح القرة خطاي أصحاب الكلمة فيما وراء النهر بعد أربعين سنة، عندما انتصر القرة خطاي انتصارا كبيرا على السلطان سنجر السلجوقي في قطوان عام 536هـ / 1141م.

وفي عام 606هـ / 1209م هزم خوارزمشاه محمد بن تكش الكورخانية. وحاصر جنكيزخان - خصم خوارزمشاه - سمرقند بضعة أشهر بعد أن عبر نهر سيحون في طريقه من بخارى التي دمرها تدميرا تاما. ومن حسن حظ هذه المدينة أنها سلمت في ربيع الأول عام 617هـ / مايو 1220م. وسمح لعدد من أهلها بالبقاء فيها تحت حكم وال مغولي، وإن كانت قد نهبت وطرد الكثير من سكانها.

وكانت سمرقند في المائة والخمسين سنة التالية صورة باهتة لما كانت عليه من عز ومكانة، ثم أعيد بناء سمرقند في عهد تيمور لنك على مقربة من المدينة القديمة، ولم تستطع أن تستعيد مكانتها إلا بعد مدة مديدة. ولازالت آثار سمرقند القديمة باقية في تلال (أفراسياب) القريبة من سمرقند الجديدة الواقعة جنوبها. فبعد تفتت الدولة المغولية جاء تيمور لنك (737هـ / 1336م – 807هـ / 1405م)، الذي ولد في مدينة جنوب سمرقند، وأقام للتتار المسلمين مملكة كبرى، وأعاد عمارة طشقند، ولكنه لم يجعلها عاصمةً له، وإنما اختار تلك المدينة الساحرة (سمرقند) عاصمة له سنة 765هـ، وجمع لها علماء وأدباء وحرفيّي العالم الإسلامي لبناء حضارتها، وراح يزينها بكل آيات الروعة والفخامة. وكان اللون الأزرق هو اللون المفضل لتيمورلنك، الذي أصبح يعرف بلون الإسلام؛ مما جعل المدينة مغطاة بالبلاط القيشاني ذي اللون الأزرق بكل ما فيه من خيالات وتفرعات مع تداخلات اللون الأبيض والقليل من الأخضر.

وقد عمل تيمورلنك، خلال فترة حكمه، على إحياء هذه المدن من جديد، فبنى العديد من الآثار الإسلامية والمباني التاريخية، وتم استكمالها في عهد ابنه، وامتدت إمبراطوريته من الدردنيل إلى دلهي في بضع سنين، وشيد من ماله عددًا من المباني البديعة في سهول الإستبس، غير أن أعماله المعمارية كانت دائمًا ينقصها المهارات المعمارية والفنية، وفي أحيان أخرى مواد البناء الملائمة للتربة، لذا لم تصمد أمام الزمن فبدأت بعض المآذن والقباب في الانهيار في حياته، حتى جاء زلزال عام 1966م ليأتي على البقية الباقية.

وقد امتدت الدولة التيمورية من بعد تيمورلنك زمنًا، وحفلت بملوكٍ عظام، أشهرهم حفيده: الإمبراطور العلامة الفذ أولغ بك صاحب الموسوعة الفلكية "الزيج السلطاني"، والذي جمل هذه المدينة بقصره المسمى "جهل ستون"، وأنشأ مدرسة كبيرة لتعليم الرياضيات والفلك، وقام بالعديد من الإنجازات العلمية التي أعطت المدينة شهرة علمية، فاستطاع أن يصل إلى بعض الحسابات الفلكية التي تمكنه من معرفة كسوف الشمس، كما أمر بإنشاء مرصده الفلكي المشهور، الذي يأخذ مبناه شكلًا دائريًا بارتفاع 48 مترًا، وبذلك أصبحت المدينة قبلة الناس وياقوتة العلم.

وقد تقدم الإسلام من هذه البلاد إلى الصين والهند وروسيا ذاتها، حتى إن الأراضي الروسية ظلت خاضعة للسيطرة التترية الإسلامية لمدة ثلاثة قرون، بل كان دوق موسكو يدفع الجزية سنويًا لأمير بخارى. وبعد أن انهارت الدولة التيمورية، ورثتها الدولة الشيبانية في أوائل عام 911هـ / 1505م، والتي اتخذت بخارى عاصمة لها. كما أن قياصرة روسيا سرعان ما استردوا هذه المناطق الإسلامية وسقط أول حصن إسلامي وهو حصن آق مسجد في بلاد ما وراء النهر بيد الروس عام 1268هـ / 1852م.

من هى ياقوتة الإسلام؟ (2)

التعليقات (0)