من هى ياقوتة الإسلام؟ (2)

من هى ياقوتة الإسلام؟ (2)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

وفي منتصف القرن السادس عشر وبينما كانت الدولة العثمانية تهدد وسط أوروبا وتزحف إلى إفريقيا وآسيا، كانت روسيا القيصيرية تهاجم المناطق الإسلامية حتى سقطت قازان في منطقة الفولغا، وبعدها دولة خانات ستراخان ثم مملكة سيبير المسلمة في سيبيريا، ثم اتجهت الجيوش الروسية إلى الجنوب إلى تركستان في القرن التاسع عشر. وتساقطت الخانات فيما وراء النهر الواحدة تلو الأخرى، حتى زحف ثمانية آلاف من جيوش الروس نحو سمرقند وعبروا نهر زارافشان في عام 1285هـ / مايو 1868م وسيطروا عليها في اليوم التالي، ودخل القائد كاوفمان العاصمة التيمورية القديمة، وكانت في ذلك الوقت في أيدي مظفر الدين أمير بخارى.

وبعد استيلاء الروس على بخارى وسمرقند همّشوا دور المدينتين، وجعلوا مدينة طشقند عاصمة لما وراء النهر. على أن مدينة سمرقند لم تكن في الفترة التي سبقت الغزو الروسي في وضع تحسد عليها، وقد زارها الشيخ عبدالرشيد إبراهيم أوائل سنة (1907م)، وقال في وصفها:

"إن المدينة القديمة والمباركة التي هي مركز آسيا الوسطى وزينة بلاد الدنيا - حسب تعبير أهلها - كانت في عهد من العهود عاصمة أقطار آسيا. أما اليوم: فهي أنقاض وخرائب للآثار الإسلامية القديمة. ويقدر عدد سكان سمرقند بسبعين ألف نسمة، كلهم من الأوزبك ..".

وقال أيضا: "وكانت سمرقند مركزا للعلوم، وإن المراصد الضخمة كانت فخر وزينة هذه المدينة. واليوم فإن أنقاض مدرستي (ديللة جار) و(شيردار) العظيمتين شهود على تلك الحضارة، وفي الوقت الحالي ليس في سمرقند ما هو جدير بالمشاهدة سوى هذه الأبنية القديمة. أما الآثار والتحف القديمة: فقد نقلها الروس إلى بترسبورغ (ليينن غراد) بعد استيلائهم على المدينة، وإن الكتب الإسلامية القديمة والآثار المعمارية الجميلة الموجودة في مكتبة القيصر ببترسبورغ، كلها جلبت من سمرقند".

وحين قام النظام الشيوعي عام 1342هـ / 1923 م في روسيا صارت سمرقند ضمن جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق حتى انهياره عام 1412هـ / 1991 م فصارت إحدى مدن جمهورية أوزبكستان المستقلة.

بعض ما أُلِّف في مدينة سمرقند:

وقد أَلَّف في سمرقند وذكر تاريخ علمائها عدد من العلماء، منهم: الحافظ أبو سعد عبد الرحمن بن محمد الإدريسي الأسترآباذي (ت 405هـ)، وسماه (تاريخ سمرقند)، وهو مفقود. والحافظ أبو العباس جعفر بن محمد المستغفري (ت 432هـ)، وسماه أيضا (تاريخ سمرقند)، وهو مفقود أيضا. والعلامة أبو حفص عمر بن محمد النسفي الحنفي (ت 537هـ)، وسماه (القند في ذكر علماء سمرقند)، وهو مرتب على الحروف، وقد طبع إلى حرف العين.

سمرقند من منظور علمي:

كانت مدنية سمرقند أرض خصبة للعلم والعلماء وينسب إلى سمرقند من العلماء والمشهورين والمحدثين عدد لا يحصى، وقد بلغ عدد من ترجم لهم الإمام نجم الدين النسفي من حرف الخاء إلى حرف الكاف (1010) عَلَمًا. ومن المحدثين المعروفين بالنسبة إلى سمرقند: أبو الليث السمرقندي، وهو الفقيه المحدث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي الحنفي (ت 375هـ)، صاحب كتاب (تنبيه الغافلين). ومنهم: أبو عمران عيسى بن عمر ابن العباس بن حمزة السمرقندي (كان حيا في قرب سنة 320هـ)، صاحب الإمام الدارمي، وراوي مسنده عنه. ومنهم: العلامة الإمام الرحال أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد السمرقندي الكوخميثني (ت 491هـ). على أن أشهر أعلام سمرقند من المحدثين هو الإمام الحافظ عبدالله بن عبدالرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبدالصمد التميمي الدارمي (ت 255هـ)، أبو محمد السمرقندي، صاحب كتاب المسند والتفسير والجامع.

- كما نبغ من علماء سمرقند الكثير من الفقهاء، ومنهم: الفقيه أبو منصور الماتريدي: وهو نسبة إلى حي ماتريد، أو ماتريب، أحد أحياء سمرقند، وكان له أثر حاسم في تطور الفقه السني بالمشرق.

- الفقيه محمد بن عدي بن الفضل أبو صالح السمرقندي: نزيل مصر، سمع بدمشق أبا الحسن الميداني، وجماعة غيره، وروى عنه أبو الربيع سليمان بن داود بن أبي حفص الجبلي، وجماعة غيره.

- الفقيه أحمد بن عمر أبو بكر السمرقندي: سكن بدمشق، وقرأ القرآن وأقرأه، وكان يكتب المصاحف من حفظه.

- محمد بن مسعود السمرقندي المعروف بالعياشي صاحب التفسير المشهور، وكان من المحدثين والأطباء والنجوميين.

- ومن علمائها أيضًا علاء الدين السمرقندي، ونجيب الدين السمرقندي وكان طبيبًا معاصرًا لفخر الدين الرازي، وقتل بهراة لما دخلها التتار، ومنهم شمس الدين السمرقندي العالم والمنطقي والفلكي والأديب.

 وكذلك الفلكي المشهور قاضي زاده الرومي، أستاذ أولغ بك، الذي كان أحد أبرز الفلكيين في العالم خلال العصور الوسطى.

سمرقند من منظور الآثري:

- أسوار وأبواب تاريخية.

وإذا نظرنا إلى معالم مدينة سمرقند الحضارية والمعمارية التي ترتبط بالتاريخ والحضارة الإسلامية في هذه المدينة، نجد الأسوار والأبواب التاريخية والمساجد والأسواق القديمة والأضرحة والأسبلة والمدارس التاريخية والمكتبات. فهناك سور تاريخي عظيم كان يحيط بمدينة سمرقند، وتفتح منه أربعة أبواب رئيسة هي: 1- باب الصين. 2- باب بخارى. 3- باب النوبهار. 4 - الباب الكبير أو باب كش.

مساجد سمرقند العريقة:

ومن أهم معالم سمرقند الأثرية التي تشهد على تاريخ المسلمين في هذه المدينة، المساجد الكثيرة، التي حوِّل بعضها إلى متحف لتاريخ الفن والحضارة في أوزبكستان ومنها: المسجد الجامع، الذي شيد في أواخر القرن الرابع عشر في شرق ميدان ريكستان، ويطلق عليه اسم مسجد "بيبي خانوم" زوجة تيمورلنك الكبرى، ويعتبر من أهم آثار سمرقند، ويطلق عليه "جوهرة سمرقند".

منشآت شاه زنده.

ومن آثار سمرقند أيضًا، منشآت شاه زنده: وهي تتضمن الكثير من المؤسسات والآثار الإسلامية، منها: ضريح "قثم بن العباس بن عبد المطلب"، وهو مجموعة من الأضرحة والمنشآت الدينية. ومجموعة كاملة من المباني أنشئت بأمر من الأميرة "ترمان آقا" زوجة تيمورلنك، وتضم مسجد (خانقاه) وضريح "ترمان آقا"، الذي لا يقل روعة وجمالًا عن أي ضريح آخر في "شاه زنده"، بل ويزيد عليها جميعًا ببوابة مكسوة بالفسيفساء ليس كمثلها بوابة أخرى. كما تضم هذه المجموعة حجرة متوسطة للخدمة.

ضريح الإمام البخاري.

ومن أهم الأضرحة الموجودة بسمرقند، ضريح الإمام البخاري الواقع في ضاحية سمرقند عند مشارف قرية باي أريق، وقد دفن إلى جواره عدد من علماء بخارى، وأقيم بالقرب من ضريحه في أواخر السبعينات من القرن العشرين مسجد حديث.

قبر تيمورلنك.

كما نجد قبر تيمورلنك، الذي يتميز بقبته الباهرة التي تعلو الضريح. وهي قبة فيروزية مضلعة ومكسوة بكم هائل من زخارف الفسيفساء، ويسمى هذا الضريح باسم "كور أمير" أو مدفن خلفاء الأمير تيمور. كما نجد أيضًا ضريح "طوغلوتكين"، وهي إحدى الأميرات المغوليات، وإلى جواره ضريح آخر عرف باسم "أمير زاده"، وبجانبه مصلى صغير اسمه "زيارة خانه"، وهناك ضريح الأميرة "شيوين بيكه آقا" شقيقة تيمورلنك. كما يوجد ضريح آخر لشقيقة أخرى لتيمورلنك هي الأميرة "تركان آقا".

الورق السمرقندي:

وقد اشتهرت سمرقند عبر التاريخ بالعديد من المنتجات الوطنية مثل المنسوجات والسجاد، إلا أن أشهر ما عرفت به هو "الورق السمرقندي"، وقد نقلت سر صناعته عن الصين، ولهذا الورق شهرة خاصة تميزت بها سمرقند عبر التاريخ، ولقد بدأت هذه الشهرة عندما قام أهل إقليم بخارى بثورة في عهد أبي مسلم الخراساني، فبعث بحملة قوامها عشرة آلاف رجل بقيادة زياد بن صالح، حيث قضى على الثورة في مدينة بخارى، واستمر في زحفه إلى أن أخضع أيضًا ثورة سمرقند، التي كان الصينيون يساندون الثوار فيها ضد العرب المسلمين، وقد وقع الكثير من الصينيين في الأسر وخيروا بين الرق أي العبودية وبين الحرية إذا علّموا المسلمين حرفة، فآثروا العتق وعلّموا المسلمين، ومن بين ما علّموهم صناعة الورق، ومع مضي الزمان تقدمت هذه الصناعة باستخدام الكتان والقطن في صناعة الورق الأبيض الناعم الجميل الذي وجد سوقًا رائجة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وبخاصة في عاصمة الدولة العباسية بغداد، فالورق صفحة من صفحات الفخر للإسلام والمسلمين، وقد كان معروفًا في جنوب شرق آسيا إلا أن العالم لم يعرفه إلا بعد أن تعلّمه المسلمون وانتقل من بلادهم إلى العالم كله.

وقد أنشئ أول مصنع للورق في بغداد حاضرة الخلافة العباسية بعد نصف قرن من إقامة مصانع الورق في سمرقند. وازدهرت هذه الصناعة في المدينة أيما ازدهار، ثم بدأ الصراع بين الورق المصري الذي كان يطلق عليه القراطيس أو القباطية وبين ورق سمرقند، الذي كان يطلق عليه الكاغد أو الرقوق الرومية. ولكن الكاغد السمرقندي تفوق على كل هذه الأنواع ولاقى رواجًا عظيمًا حتى عطلت قراطيس مصر والجلود التي كان الأوائل يكتبون عليها.

المدارس في سمرقند:

وتحتل مدينة سمرقند مكانة علمية كبيرة، فقد تميزت على مر العصور بالعديد من المدارس التي تدل على اهتمام أهلها بالعلم، كما تدلنا على الحالة العلمية التي كانت عليها هذه المدينة.

فهناك ثلاثة من أهم مدارس سمرقند التاريخية تقع في قلب ميدان ريجستان، وهو ساحة شهيرة، تحيط بها اليوم هذه المدارس الإسلامية الجميلة في زخارفها، وهذه الساحة هي قلب سمرقند، وكانت مركز السوق الرئيسة بالمدينة، حيث يلتقي بها ست طرق أساسية من طرق التجارة القديمة قبل غزو المغول، وكانت تستغل هذه الساحة في عهد تيمورلنك لعروض الجيش وللتجارة، ومع مجيء ولي العهد أولغ بك أعطى لهذا المكان طابعًا وأهمية ثقافية وعلمية، حيث أصبح رمزًا للعلوم. المدارس التي تضمها الساحة هي:

1- مدرسة أولغ بك: وهي ذات واجهة مهيبة وعالية، وتنتصب حول بوابتها مئذنتان عاليتان، وتظهر قبة في ركن جانبي، والكل حافل بالنقوش البديعة، وكانت المدرسة تضم (50) غرفة للدراسة والإعاشة، ويدرس بها حوالي مئة طالب، ثم ازداد العدد إلى أكثر من ذلك، وكان المبنى يشتمل على طابقين وأربع قباب عالية فوق قاعات الدراسة الركنية (درس خانه). وقد تولى أولغ بك بنفسه التدريس في هذه المدرسة.

2- مدرسة شيرا دار: وكانت في الأساس زاوية للصوفيين ومسجدًا لهم، ثم أقام حاكم سمرقند مكانها هذه المدرسة العظيمة الموجهة لمدرسة أولغ بك، ولكن الناظر إلى واجهتها لا يظنها مدرسة نظرًا للفخامة والعظمة والروعة المعمارية التي تتميز بها، لا سيما بابها وقببها والمنارتان اللتان انتصبتا بشموخ على مداخلها.

3- مدرسة طلا كاري: ويعود تاريخها إلى عام 1056هـ / 1646م، وهي المدرسة الذهبية الفخمة التي تمثل المضلع الثالث في ميدان ريجستان، ويلاصقها المسجد، وهي تتميز بفن معماري جذاب وبثروة في الألوان والزخارف.

وقد توقفت هذه المدارس الدينية والعلمية عن رسالتها الإسلامية بعد أن تحولت منذ عام 1336هـ / 1918 م إلى مبانٍ أثرية سياحية، وذلك بعد الاجتياح الروسي الذي كان يريد أن يمحو كل ما هو ذو صلة بالدين، محاولة منه في سلخ أهل هذه البلاد عن هويتهم الإسلامية.

من هى ياقوتة الإسلام؟ (1)

التعليقات (0)