التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (2)

التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (2)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

ثالثا ً: هل التاريخ علم كبقية العلوم الأخرى:

وترجع المشكلة – وما هي حقيقة بمشكلة – في أساسها إلي أن العرب أطلقوا علي التأريخ أحيانا ً اسم علم، وأحيانا ً أخرى اسم فن، والعرب الأُول قسَّموا المعارف الإنسانية إلي علوم وفنون، فالعلوم هي علوم الدين من قرآن وحديث وتفسير، وما يتصل بذلك من علوم اللغة من نحو وصرف وتركيب وبيان وبديع، وما عدا ذلك من ضروب المعرفة وميادينها تسمى فنونا ً، فلا يقال قط: فن الحديث، لأن هذا علم كامل تندرج تحته علوم كثيرة، ولكن يقال: فن التأريخ، وفن السير، وفن البيان، وما إلي ذلك وإن كان في استعمال اللفظين خلط كثير، فابن خلدون يسمى التاريخ أحيانا ً علما ً وأحيانا ً فنا ً، وابن النديم يسمى كل فروع المعرفة فنونا ً، وحاجى خليفة سمى كتابه (كشف الظنون في أسامي الكتب والفنون) وقد يتوسع المؤلفون العرب فيجعلون كل فروع المعرفة أدبا ً فيما عدا علوم الدين، وهي علوم القرآن والحديث واللغة والنحو، والمؤلفون العرب الأوائل أطلقوا لفظ الأدب علي كل المعارف التي يمكن للإنسان أن يحصلها ، فقالوا: إن الأدب هو الأخذ من كل شئ بطرف، والتأديب: هو التعليم، والمؤدب: هو المعلم.

وللإجابة علي هذا التساؤل نقول إنه حدث اختلاف حول علم التاريخ أهو علم؟ أو علم التاريخ فن؟ أو مجرد أدب، أو إلي غير ذلك من التأويلات؟

- يرى العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة المسماة "مقدمة اين خلدون" فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال وتسمو إلي معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيا"، ثم يقول: "اعلم أن فن التاريخ فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية إذ هو يوقفنا علي أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم "ويقول الأدفوى عن علم التاريخ: "هو فن يحتاج إليه وتشد يد الضنانة عليه، إذ به يعرف أحوال السلف" ، وهو هنا يعني بالفن أي العلم الإنساني.

- أما علماء الطبيعة "مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والرياضيات وغيرها" فينكرون إطلاق لفظة علم التاريخ، تأسيسا ً علي أن الأحداث والوقائع التاريخية لا تخضع للملاحظة أو التجربة، كما أن كل حادثة تاريخية تعتبر قائمة بذاتها لا يمكن أن تتكرر.

- ويؤيد هذا القول وليام استانلي جيوفنز الأستاذ بجامعة لندن "1835 – 1882 م" في كتابه "صفة العلم" الذي يقول فيه إن التاريخ لا يمكن أن يكون علما ً مثل العلوم الأخرى، لأنه يعجز عن إخضاع الوقائع التاريخية لما يخضع له العلم من المعاينة والمشاهدة والاختبار والتجربة، مثل العلوم الأخرى كالفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها، مما يبعد التاريخ عن صفة العلم، وقد لخص جيوفنز الأسباب التي من أجلها استبعد التاريخ من زمرة العلوم بما يلي:

* أن الاختبار والتجربة أمران غير ممكنين في الدراسات التاريخية.

* أن كل واقعة من وقائع التاريخ قائمة بذاتها، ولا يمكن أن تتكرر ظروف وقوعها.

* لا يمكن الوصول في التاريخ إلي شئ من قبيل التعميمات أو القوانين العلمية.

- وعلي الرغم من تلك الآراء فإنه يمكن القول إن التاريخ علم من شجرة العلوم الإنسانية، حيث يدرس التاريخ التطور البشري في جميع نواحي الحياة "مثل الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو العلمية أو الفكرية أو الحربية"، ولذلك لا يمكن لنا أن نشبه التاريخ بالعلوم الطبيعية التي تدرس ظاهرة واحدة من الظوار سواء أكانت تلك الظاهرة بيولوجية أو جيولوجية أو فيزيائية أو كيميائية أو رياضية ... إلخ، إلا أن التاريخ فإنه يعمل علي دراسة كل النشاط الإنساني المعاصر بجذوره في الماضي.

- ويرى بعض المؤرخين أن علم التاريخ هو نوع من أنواع البحث العلمي، يهدف للكشف عن جهود الإنسان في الماضي، سواء أكانت تلك الجهود تتعلق بالعلوم الإنسانية مثل علم الاجتماع أو السياسة أو علم النفس أو الجغرافيا ... إلخ أو في العلوم الطبيعية فقد يدرس التاريخ مثلا ً تطور الطب أوالصيدلة أو الفلك أو الرياضيات عند أمة من الأمم.

- ويرى المؤرخ الإنجليزي بيورى أستاذ التاريخ الحديث بجامعة كامبردج "أن التاريخ علم لا أكثر ولا أقل".

- ويقول شارل سينوبس المؤرخ الفرنسي "التاريخ علم ما في ذلك ريب"، فهو علم الوقائع التي تتصل بالأحياء من الناس في المجتمع خلال توالي الأزمة في الماضي، وهو يدخل في عداد العلوم الوصفية.

- ويقول الأستاذ الدكتور شوقي الجمل أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر "فإذا أخذنا التاريخ بمعنى البحث أو الاستقصاء بهدف الوصول إلي الحقيقة التي من وراء الأحداث فبهذا المعنى يكون التاريخ علما ً، ولكن من أي أنواع العلوم يعتبر التاريخ؟ أنه ليس كعلم الفلك علم معاينة مباشرة، وليس كعلم الكيمياء علم تجربة واختبار، ولكن علم التاريخ علم نقد وتحليل".

- كما أن بعض علماء الأدب يرون أن التاريخ سواء أكان علما ً أم لم يكن، فهو فن من الفنون، ولا يمكن للعلم أن يعطينا عن الماضي سوى النتف القليلة التي لا تغني ولا تسمن من جوع، أما المؤرخ أو التاريخ هو الذي يمكن أن يبعث في تلك الأخبار القليلة الحياة وأن يبرزها في الثوب اللائق بها، الذي يتقبله الدارس أو القارئ، فمثلا ً العالم الطبيعي "مثل عالم الفيزياء والكيمياء ... إلخ" لا يمكن أن يفسر لنا حريق موسكو في عهد نابليون بونابرت في سنة 1812 م إلا علي أساس قوانين الاشتعال مثلا ً، ولكن لابد هنا للمؤرخ أن يوضح الأسباب والظروف السياسية أو العسكرية أو غيرها من الأسباب والظروف الأخرى التي أدت إلي هذا الحريق، ولابد لقلم المؤرخ أو الأديب أن يكتب حتى يبين أو يصف لنا الحريق وما تركه من آثار، فكل من العالم الطبيعي والمؤرخ يشرح الحادث كل بطريقته، وكل منهما يكمل الآخر، وكلاهما ضرورى لتقدم المعرفة الإنسانية.

- في حين يرى بعض العلماء أنه لا يمكن نفى صفة العلم عن التاريخ، ويذكر أن التاريخ ليس علم تجربة أو اختبار مثل العلوم الطبيعية، ولكنه علم نقد وتحليل وتحقيق، وأن أقرب العلوم الطبيعية شبها ً بالتاريخ هو علم الجيولوجيا "علم الأرض"، فكل من الجيولوجي والمؤرخ يدرس آثار الماضي ومخلفاته لكي يستخلص ما يمكن استخلاصه عن الماضي والحاضر علي السواء، ويزيد عمل الممؤرخ علي عمل الجيولوجي من حيث أن المؤرخ يضطر لدراسة وتفسير العامل البشري حتى يقترب بقدر المستطاع من الحقائق التاريخية، وعلي ذلك نجد أن التاريخ مزيجا ً من العلم والأدب والفن في وقت واحد.

- كما يرى البعض أن التاريخ علم مثل بقية العلوم الأخرى، لأن دراسة التاريخ ليست سوى دراسة للمجتمعات الإنسانية، ومن تلك الدراسات نتوصل إلي مجموعة من القوانين التي تكون لنا في نهاية الأمر نظريات معينة، فدراسة الجانب الاقتصادي مثلا ً للعالم أو لدولة معينة أو لمنطقة معينة، مع التركيز في تلك الدراسة بكافة جوانبها، وهذه القوانين تتبلور في النهاية فيما يعرف بالنظرية الاقتصادية.

- أما الأستاذ الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور فيذكر أن علم التاريخ يعتبر من أهم العلوم الاجتماعية والإنسانية، بوصفه مدرسة للحكام والشعوب، يستمدون جميعا ً منه الدروس التي تساعدهم علي مواجهة مشاكل الحاضر والتخطيط لمستقبل أفضل، هذا بالإضافة إلي النفس البشرية ترتاح دائما ً لسماع القصص وتجد فيه من المتعة الذهنية والحكمة والسلوى.

ومن هنا نرى أن التاريخ علم من العلوم، فهو علم يهدف إلي دراسة جهود الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل، كما أن التاريخ يعد هو علم الحركة، حركة الكون، وحركة الأرض، وحركة الأحياء والناس علي ظهر الأرض وما يستتبع هذه الحركة الدائمة من تغير دائم، وحيث أن الحركة في حد ذاتها هي في تغير مستمر منذ أن بدأ الله سبحانه وتعالى يطوى الأرض وما عليها، فان التاريخ أيضا ً متصل منذ الأزل إلي الأبد، وهو يشمل الماضي والحاضر والمستقبل، فكله تاريخ وكله ميدان عمل المؤرخ، وهو نهر الحياة المتدفق الجاري المتجدد دائما ً بما يأتي به منابعه وما تأتي به روافده، كما يمكن القول أن التاريخ علم يبحث في تاريخ تطور وتقدم العلوم الأخرى منذ الماضي وفي الحاضر والمستقبل، فالتاريخ يبين لنا مثلا ً تطور العلوم الطبية والهندسية والفلكية والطبيعية ... إلخ ومدى تطورها علي مدى الزمن.

رابعا ً: فائدة علم التاريخ:

في الحقيقة أن دراسة التاريخ لها فوائد ضرورية في حياة الإنسان، والدليل علي ذلك أن المؤرخ ابن خلدون حينما ذكر فن أو علم التاريخ قال عنه: "اعلم أن فن التاريخ عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا علي أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا".

أما السيوطي فيقول عن فوائد علم التاريخ: "منها معرفة الآجال وحلولها، وانقضاء المدد، وأوقات التآليف، ووفاة الشيوخ، مواليدهم، والرواة عنهم".

ويرى روزنثال أن من فوائد علم التاريخ: "معرفة الأمور علي وجهها" ثم يقول: "علم التاريخ يستمتع به العالم والجاهل، ويستعذب موقعه الأحمق والعاقل، فكل غريبة منه تعرف، وكل أعجوبة منه تستظرف، ومكارم الأخلاق ومعاليها منه تقتبس، وآداب سياسة الملوك وغيرها منه تلتمس، يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والبادي والحاضر، والموجود والغابر، وعليه مدار كثير من الحكام، وبه يتزين في كل محفل ومقام، وفي أخبار العالم احتذاء المشاكلة التي قصدها العلماء وقفاها الحكماء، وأن يبقى في العالم ذكرا ً محمودا ً وعلما ً منظوما ً عتيدا ً".

ويقول روزنثال أيضا ً نقلا ً عن التاج أبو طالب علي بن أنجب الخازن الذي تحدث عن التاريخ فقال: "أروح الأشياء للخاطر المتعوب، أطيب الأخبار ما حصل به من موعظة واعتبار، وهو علم التواريخ والاخبار، اعتبارا ً لمن اعتبر، وتجربة لمن فكر، إذ اللبيب يرى مكارم الأخلاق فيستحسنها، ورذائل الأفعال فيستهجنها، وعوائد الخير فيطلبها، وعواقب الشر فيتجنبها، ومازال أرباب الهمم العلية والنفوس الأبية يتطلعون محاسن الأخبار ليجعلوها لقاحا ً لإفهامهم، وصقالا ً لأذهانهم، وتذكرة لقلوبهم، ورياضة لعقولهم، عظة للمتعقلين وتنبيه للغافلين"، قال تبارك وتعالى في محكم آياته: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).

كذلك إذا نظرنا إلي الكتابة التاريخية نجدها ارتبطت منذ بدايتها في صدر الإسلام بالعلوم الدينية ارتباطا ً وثيقا ً، حيث كان المؤرخون الأوائل يكتبون في السيرة النبوية، وفي مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي نسب قريش وفي الطبقات سواء طبقات العلماء والحكماء والأطباء والشعراء والأدباء وغيرهم وفي التراجم لرجال الفقه والحديث.

فمن التاريخ تعلمنا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففي التاريخ قصص عن أنباء مولده، وتربيته، وبعثته ونبوته، وهو النبي الأمي الذي لم يذهب إلي معلم أو مؤدب، ولم يفارق وطنه ليذهب إلي عالم، ومع ذلك (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) فإذا تدبر العاقل بكل هذا آمن به وصدقه، وجاء التاريخ بقصص التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم، والإعلام بشرفه وشرف أمته (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) وسمو أخلاقه (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، ومنها قصص التهذيب والتأديب لأمته ففي قوله تبارك وتعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ).

وعن طريق التاريخ يعرف البشر أحوال الأقوام من الماضين ومن الأنبياء والمرسلين، كقوم نوح وعاد وثمود ومدين، وموسى وهارون وفرعون وقارون، وأصحاب الكهف والرقيم، وعن النمرود وإبراهيم، وقد جاء ذكر هؤلاء في القرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).

وعن طريق التاريخ والعلم يمكن معرفة حساب السنين والأيام كما جاء في قوله تبارك وتعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)، كما يمكن معرفة أوقات الفروض التي فرضها الله علي العباد من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج وغير ذلك من فروضهم، وميعاد حلول ديونهم وحقوقهم، ويتمثل ذلك في قوله تبارك وتعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ).

وكذلك عن طريق التاريخ يعرف الخلف أحوال السلف فيقول جعفر بن ثعلب الأدفوى عن علم التاريخ: "هو فن يحتاج إليه، وتشد به الضنانة عليه، إذ يعرف الخلف أحوال السلف، ويميزوا منهم من يستحق التعظيم والتبجيل".

وعن طريق التاريخ يمكن معرفة أخبار الملوك والخلفاء والأمراء وسياستهم، وأسباب مبادئ الدول وإقبالها، ثم أسباب انقراضها وزوالها، وتدبير أحوال الجيوش والوزراء، والعلماء والأعيان والفضلاء والزهاد وسيرهم ومآثرهم في حروبهم وسلعهم وما أبقى الدهر من فضائلهم أو رزائلهم .... إلخ.

وجاء في قول أحد الكتاب عن التاريخ إنه: "يستحق التدوين أي استحقاق، ويعنى لانتشار كتبه في سائر الآفاق، خزانة أخبار الناس والرجال، معدن العجائب والغرائب، والروايات والأمثال، زين الأديب وعمدة اللبيب، عون المحدث وذخر الأديب، يحتاج إليه الملك والوزير، والقائد والبصير وغيرهم ممن عز أمرهم".

كما أن التاريخ ينقل الدارس والباحث فيه من فائدة إلي أخرى، ومنصرفا ً ما بين هو جد وهزل، وآثار وأخبار، وسير وأشعار، متصلة بأيام العرب المشهورة وأخبارها المأثورة، وقصص الملوك في الجاهلية، والخلفاء والسلاطين في الإسلام، تحمل المتأدبين بمعرفتها، وتحتاج الأحداث إلي دراستها.

كما أن دراسة علم التاريخ تفيد في سد الحاجات الغريزية الإنسانية الأساسية التي تفى بحاجة أصيلة من حاجات البشر الذين يعيشون داخل المجتمع، وضرورة التاريخ هنا تقوم علي أن التاريخ يقوم للإنسان والجماعة البشرية بوظيفة فعلية، بمعنى أن التاريخ يسد حاجة المجتمع في معرفة نفسه ورغبته في أن يفهم علاقته بالماضي وعلاقته بالمجتمعات الأخرى.

علاوة علي أن التاريخ يعد من أهم مقومات الشخصية، حيث أن الفهم الصحيح لأحداث التاريخ يعين علي بناء الشخصية القوية السوية ووقايتها من الذوبان ومن الأمراض النفسية التي تعترضها وتشل طاقتها، فكما أن الإنسان يحتاج إلي ذاكرة فهو محتاج أيضا ً إلي تاريخ يعد ذاكرة الإنسان القوية التي يعتمد عليها في جل حياته، وعلماء النفس يعللون الاختلال الذي يطرأ علي التوازن العقلي والنفسي للإنسان إذا ما فقد الإنسان ذاكرته، فكما يمرض الفرد لفقد الذاكرة أو اضطرابها، كذلك تمرض الشعوب لذوبان وضياع تاريخها.

كما أن للتاريخ أهمية في تكوين الإنسان أو الفرد المثقف، وأنه ما دام التاريخ هو يعد مدرسة للبشر، وأنه طالما كان البشر يشعرون بالرغبة في معرفة ماضيهم للاسترشاد به في حاضرهم، وربما في مستقبلهم، فإن قادتهم ومدبري أمورهم يكونون الأحوج إلي ذلك خاصة إذا أمعنا النظر والفهم في القول بأن التاريخ حوار بين الماضي والحاضر.

ويقول الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ: "التاريخ مدرسة الحياة يتعلم فيها الأحياء ما ينفعهم فيعملونه، وما يضرهم فيجتذبونه، وهو الجسر الذي يصل ماضي كل أمة بحاضرها، وبقدر العناية والاهتمام بتدريسه تستطيع الأمم أن تبنى حياتها علي أسس متينة وثابتة".

ويقول ابن بشر: "فالنفوس لم تزل تتشوق لأخبار الماضين، وتتشوف لأحوال الولاة المتقدمين والمتأخرين، ولم يزل أهل العم في كل زمان يؤرخون وقائع الملوك وأخبارهم ، ويبحثون عن حوادث أيامهم وأعصارهم".

وهناك من قسم فوائد التاريخ إلي:

- فوائد دنيوية مثل:

- معرفة أخبار وحوادث الزمان والمتقديمن والماضين، فإذا طالع الإنسان تلك الأخبار فكأنه عاصر هؤلاء، وإذا علمها فكأنه حاضرهم.

- كذلك معرفة المدن وأحوالها.

- معرفة الملوك وسيرهم وأخبارهم في أممهم وممالكهم.

- حصول الإنسان علي التجارب والمعارف من الحوادث الجارية وما تسير إليه عواقبها.

وفوائد أخروية مثل:

- وجود العبر والعظات للعاقل والدارس لها، فيظهر أثر الزهذ في الدنيا.

- التخلق بمحاسن الأخلاق، والصبر، والتأني، وذلك بسبب ما يراه الإنسان في حياته، وما يطالعه من التاريخ، من حوادث وتجارب قد تحدث للأمم والشعوب والشخصيات البائدة.

- كما أن بعض المؤرخين يرى أن فائدة التاريخ الإسلامي هي الأقرب إلي الصحة، ففيه ذكر لعلماء وفقهاء الأمة الإسلامية، وذكر محاسنهم، وفضائلهم، ومواعظهم، وسيرهم، وحكمهم، التي ينتفع بها الدارس في دينه وديناه وأخراه.

التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (3)

التعليقات (0)