التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (3)

التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (3)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

ولعل فيما أوردنا يكون كافيا ً ولو بقدر يسمح به معرفة فضل وشرف علم التاريخ وفائدته بين العلوم الأخرى، فهو يعتبر مدرسة الحياة في الدين والدنيا، له شرف معلوم، والجهل به مذموم، فوائده كثيرة، وغايته الرجاء لمرضاه الله، وحكمة التاريخ من جهل به وغفل عنه لم يكن لحياته معنى، ولا لعلمه قيمة، فكيف لا يعرف المسلم مثلا ً سيرة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه ووتابعيهم رضوان الله عليهم، وكذلك معرفة غزواته صلى الله عليه وسلم، وتواضعه، وعلمه، وكرمه، وجوده، وعفوه، وفضله بين سائر الأنبياء والمرسلين، ولم لا يعلم الإنسان بتاريخ وطنه الذي علي ترابه سار وخطى، ومن مائه ارتوى، وتحت سمائه نام وآوى، وإلي أي أمه انتمى؟، وفي حوادث التاريخ عبر وعظات يدلى فيها العلماء بمعلومهم، ويأخذ منهم من أراد الاستزادة لمعرفة ماضيه وحاضره وإستشراقات مستقبله، حتى يكون علي يقين من تاريخ حياته الطويل الذي يجني من ورائه إما دار هانئه خالدة وروضة حانية في جنان الرحمن تسمو فيها فضائله يقول كما قال المنان: ( فأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ  الْخَالِيَةِ ) .

المحور الثاني: العوامل التي ساعدت الرحالة العرب علي القيام بالرحلات:

- اتساع رقعة الدولة الإسلامية وانتشار الإسلام:

كان لاتساع رقعة الدولة الإسلامية التي امتدت من الصين شرقا ً إلي بلاد المغرب والأندلس غربا ً، ومن جنوب أوروبا وآسيا الصغرى وأواسط آسيا شمالا ً إلي جنوب جزيرة العرب وأواسط إفريقيا جنوبا ً، وكذلك انتشار الإسلام في الأقطار المفتوحة، أثر كبير في انتشار الرحلات، إذ دأب بعض المؤرخين والجغرافيين المسلمين الرحالة أن يجوبوا كافة الأقطار الإسلامية، لتدوين وتسجيل أحوال المسلمين وغيرهم في تلك الأقطار، وكذلك تدوين سياستهم، وسياسة ملوكهم وسلاطينهم، وحضارتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم الاجتماعية، ومذاهبهم الدينية، وطريقة سكناهم، وطعامهم وشرابهم، وما في تلك الأقطار من مساجد وقلاع وأسواق، وحتى الشوارع والمنازل والأبواب، وكذلك الضواحي، وتدوين حال الإسلام في تلك الأقطار، ومدى إقبال بعض السلاطين والحكام وأهل العقائد الأخرى في أنحاء الولايات والأقطار الإسلامية علي اعتناق الإسلام، ونبذ العقائد والديانات الأخرى، والتعريف بالأماكن المقدسة والمزارات والزوايا والربط وقصور الملوك ..... إلخ.

- التجارة:

كذلك رحل الناس للتجارة في الأقطار والأقاليم الإسلامية سواء في المشرق أو المغرب، فلا ننسى أن العرب قد اعتادوا علي الرحلات التجارية منذ فترة مبكرة ومنذ العصر الجاهلي كانت قوافلهم التجارية تنقل المتاجر بين اليمن والشام وبالعكس برا ً وبحرا ً ومرورا ً بالعراق ومصر، كما كانت تلك القوافل التجارية تقطع بلاد العرب شرقا ً وغربا ً، وكانت مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والطائف، وصنعاء، وعدن، والبحرين، ومسقط، وصحار، والأحساء، والقطيف، وسيراف، والأبلة، وعبادان، والبصرة، وبغداد، ودمشق، والفسطاط، والقاهرة، والإسكندرية، وأسوان، وقوص، وفاس، والقيروان، والرباط، وقرطبة، وبخارى، وسمرقند، وغيرها من أهم المراكز التجارية في العالم الإسلامي التي غشاها التجار من كل فج وصوب.

كما انفتح أمام العرب خاصة بعد الفتوحات الإسلامية المجالات الواسعة للتجارة العربية الإسلامية، فاتسعت آفاق الرحلات التجارية، وقامت الأسواق التجارية في بلاد المشرق والمغرب علي السواء، وأخذ الرحالة والتجار يجوبون برلاد المشرق "مثل بلاد فارس والصين وسيلان وأواسط آسيا والشرق الأقصى"، والمغرب الإسلامي "مثل مصر وبلاد المغرب والأندلس".

كذلك انتقل التجار من كل جنس ولون من مكان إلي آخر سعيا ً وراء الرحلة وتحقيق المغانم والمكاسب، فأصبح التجار العرب والفرس يرتحلون إلي الهند والصين والشرق الأقصى، كما أصبحت السفن الهندية والصينية تختلف إلي الخليج العربي، وبحر القلزم "البحر الأحمر" وتجوب تلك القوافل عباب البحار والمحيطات، وقيل إن السفن الصينية وصلت إلي بلاد المغرب والأندلس، وهناك من الإشارات التاريخية التي تذكر بأن العرب كانت لهم قدم راسخة في التجارة مع أوروبا وكافة البلدان، ولا غرابة أن يقوم الرحالة بالتجارة والتكسب، وفي نفس الوقت يقوم بتدوين مشاهداته وتسجيل أحوال البلاد التي طاف وتاجر بها، وكذلك الطرق والمسالك البرية والبحرية التي سلكها، والأسواق التي كانت تقام في تلك البلاد، وكذلك السلع والبضائع التي كانت تمثل محور التعامل بين الأجناس المختلفة، وكذلك الوحدات النقدية التي كان يتم التعامل بها، وهي معلومات في غاية الأهمية لمن يبحث في المجال الاقتصادي والاجتماعي في الحضارة الإسلامية.

- الحج:

علي الرغم من الأخطار والأهوال التي كانت تلاحق الرحالة أحيانا ً، إلا أن الرغبة المزدوجة والجامحة عندهم كانت هي الرحلة طلبا ً للحج والعلم، وقد ظل الدين الإسلامي واللغة العربية حتى بعد أن تفتت وحدة العالم الإسلامي، يربطان الشعوب الإسلامية بوحدة هذا الدين وتلك اللغة، وقد تابع الرحالة المسلمون رحلاتهم لتأدية فريضة الحج، علي الرغم من الانفصال السياسي الذي شمل أقطار العالم الإسلامي منذ النصف الثاني من القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، مثل الرحالة الفارسي ناصر خسرو علوى، والرحالة الأندلسي ابن جبير، والرحالة المغربي ابن بطوطة وغيرهم، كما كان الحج من أهم بواعث الرحلة وأعظمها شأنا ً عند المسلمين، فالحج كان ولا يزال أهم رحلة يتشوق إليها كافة الناس وليس علماؤهم أو فقهاؤهم فحسب، ولهذا اكتسبت رحلة الحج صفة تراثية شعبية، وكان الحاج يجني من وراء رحلته إلي بلاد الحجاز أداء فريضة الحج، والاتقاء بشيوخ وعلماء العالم الإسلامي، وكذلك المجاورة بمكة المكرمة أو المدينة المنورة ثم التجارة التي كان يجنى من ورائها النفع والتكسب، (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ).

وكانت مكة المكرمة والمدينة المنورة، من أهم المراكز الدينية التي وفد عليها العديد من الرحالة المسلمين، يدونون مشاهداتهم عن بيت الله الرحام، والمشاعر المقدسة في مكة المكرمة، كما دونوا مشاهداتهم عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء في المدينة المنورة، وغيرها من الأماكن والمشاعر المقدسة، وكان تدوين هذه المشاهدات وكثرتها في حد ذاتها من العوامل التي أدت إلي الاهتمام بالأماكن المقدسة لدى المسلمين.

- العلم:

تعد الرحلة في طلب العلم ولقاؤء العلماء وسيلة لتكوين الشخصية العلمية، وصقل المواهب، واكتساب المهارات، وفي هذا الصدد يقول ابن خلدون: "فالرحلة لابد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال، بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال"

والرحلة في طلب العلم ظاهرة فكرية لم يتفرد بها مصر أو قطر إسلامي بعينه دون سائر الأمصار والأقطار الإسلامية، بل كانت ظاهرة عامة تحدث من وإلي كل مصر من أمصار العالم الإسلامي في المشارق والمغارب، والقارئ المتفحص لمصادر التراجم والطبقات يعثر علي العديد من أسماء هؤلاء الرحالة الذين رحلوا لطلب العلم إلي مختلف البلدان الإسلامية بوجه عام وإلي مكة المكرمة بوجهه خاص، لأن مكة المكرمة وما فيها من بيت الله الحرام قد ألهبت عقول البشر ومنهم الرحالة حتى الأوربيين منهم.

وكان الرحالة يدونون صفحات طوال حوال من لقوه من أهل العلم في المدن الكبرى كتونس، والإسكندرية، والقاهرة، والقدس، وعسقلان، وحلب، وبغداد، فضلا ً عن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكثيرا ً ما كان يتحدث الرحالة عن الأساتذة والشيوخ الذين تتلمذ علي أيديهم وروى عنهم وأجازوا له، هذا بالإضافة إلي الكتب والمصنفات التي درسها أو سمعها عنهم، ويأتي الحديث النبوي الشريف في المقام الأول من العلوم التي كان يتلقاها الرحالة في المراكز العلمية المختلفة.

وكان لاتساع رقعة الدولة الإسلامية، وانتشار الإسلام في الأقطار المفتوحة، أثر عظيم في قيام المراكز العلمية في أنحاء الأقاليم والولايات التابعة للدولة الإسلامية، ومن أهم هذه المراكز العلمية، البصرة والكوفة وبغداد وسامراء في بلاد العراق، ومكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة في بلاد الحجاز، وبخاري وسمرقند وطاشقند ومرو ونيسابور وغيرها في بلاد ما وراء النهر "أو ما يسمى بآسيا الوسطى"، وقوص والفسطاط والقاهرة والإسكندرية في مصر، ودمشق وحلب وطرابلس وبعلبك في بلاد الشام، وعدن وصنعاء في بلاد اليمن، وتونس والقيروان وفاس والرباط وبجاية ووهران وتاهرت وسجلماسة في بلاد المغرب، وقرطبة وغرناطة واشبيليه والمرية ومالقة في بلاد الأندلس.

وكان من الطبيعي أن ينتقل المسلمون من مركز علمي إلي آخر في هذه الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، التماسا ً للعلم والاستزادة من المعرفة، ورغبة في التحصيل علي أيدي الشيوخ والعلماء سواء في المشرق أو المغرب، وقد عقد المقرى في كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" بابين كبيرين أفردهما لذكر الرافدين إلي بلاد الأندلس من المشرق، وفي الوافدين إلي المشرق من بلاد الأندلس، ومن هؤلاء العلامة ابن خلدون الذي رحل من تونس إلي مصر واتخذها مقرا ً ثابتا ً له، وإن كان ذلك لم يمنعه من القيام برحلات إلي بلاد الحجاز وبلاد الشام وبلاد العرب آسيا وغيرها من أقطار العالم الإسلامي.

- حب الاستطلاع:

هناك من الرحالة المسلمين من جاب الأقطار الإسلامية حبا ً للاستطلاع، والاستزادة من معرفة أحوال الحكام والسلاطين ومعرفة أحوال شعوبهم، وطريقة مجالسهم، وعاداتهم وتقاليدهم، أمثال ابن خلدون الذي دون كثيرا ً من مشاهداته وملاحظاته الخاصة بالشعوب التي زارها وارتحل إليها حبا ً للاستطلاع والمغامرة.

- الجاسوسية:

هناك من الرحالة من عمل بالجاسوسية، ومن بين هؤلاء نذكر الرحالة "أبو القاسم بن حوقل النصيبي المتوفي سنة 367 هـ / 977 م"، الذي يبدو لنا أنه تستر وراء الرحلة والتجارة ودخل بلاد الأندلس، وقد اهتم ابن حوقل في تقريره الذي قدمه إلي الفاطميين في بلاد المغرب، بإظهار خيرات بلاد الأندلس الزراعية والمعدنية، مع الإشارة إلي ضعف أهل الأندلس وعجزهم في الدفاع عنها، وذلك في فترة الخلاف القائمة بين الفاطميين الموجودين في بلاد المغرب، وبين الأمويين الموجودين في بلاد الأندلس.

وخلاصة القول إن معظم الرحالة من العرب والمسلمين كانوا يحرصون علي تدوين مشاهداتهم، وتسجيل أخبار رحلاتهم وأسفارهم، والمسالك والطرق التي ساروا فيها، والمسافات التي قطعوها في تنقلاتهم، ويصفون المدن التي نزلوها، ويذكرون الصعوبات التي واجهتهم في رحلاتهم، ويصفون ما عاينوه من ظاهر الحضارة في كل بلد طرقوه، مثل المنتجات الزراعية والصناعات والتجارات، كما أن بعضهم وصف بعض مظاهر الحياة الاجتماعية مثل المأكل والمشرب والملبس والسكن والاحتفالات بالأعياد والمواسم الدينية والمواكب الرسمية وغيرها في الأقطار التي مروا بها، ولعل ذلك يوضح لنا الفارق بين الرحالة والجغرافي، فالرحالة يعتمد علي المشاهدة والمعاينة، ولذلك فإن كتابه لا يتجاوز وصف ما شاهده أثناء رحلته، أما الجغرافي فيعمل علي تغطية كل الأقليم الذي يتناوله بالبحث والدراسة، فيسأل ويستقصى، ويجمع المعلومات من الحجاج أو طلبة العلم أو من المغامرين والتجار والملاحين وغيرهم، وليس من الضروري أن يكون الجغرافي رحالة.

وعلي الرغم من تعدد دوافع الرحلات في الإسلام، فإن ما وصلنا من كتب الرحلات قليل إذا ما قيس بالمصنفات الخاصة بالرحلات، ولعل السبب في ذلك يرجع إلي ضياع معظمها، وإلي أن كثيرا ً من الرحالة آثر أن يدمج مشاهداته فيما ألفه من كتب تاريخية وجغرافية، مثل اليعقوبي في كتابه "البلدان"، والمسعودي في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر"، وابن حوقل النصيبي في كتابه "صورة الأرض"، وهي كتب إلي جانب كونها دونت مشاهدات ورحلات ومعلومات جغرافية، إلا أن الجانب التاريخي فيها كثير جدا ً.

 التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (4)

التعليقات (0)