التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (4)

التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (4)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

المحور الثالث: رحلة ابن بطوطة:

هو ابو عبدالله محمد بن محمد اللواتي الطنجي، ولد بمدينة طنجة ببلاد المغرب في 17 من شهر رجب سنة 703 هـ / 1303 م، لأب من أواسط الناس يسمى عبدالله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، في درب صغير يحمل إلي الآن اسمه في تلك المدينة الجميلة طنجة ونشأ في أسرة محافظة علي تقاليد الإسلام، في بيئة علمية فهو من بيت فقهاء تولى الكثير من أفراده مناصب القضاء، وقد تعلم القراءة والكتابة وفنون الشعر كما نبغ في العلوم الدينية، وقد أولع ابن بطوطة بالسفر والرحلة وهو شاب في متقبل العمر، حيث عزم علي الرحلة وهو في سن الحادية والعشرين عاما ًَ بغية الحج إلي بيت الله الحرام.

ومن المعروف أن ابن بطوطة قام بأولى رحلاته في سنة 725 هـ / 1225 م، حينما غادر وطنه ببلاد المغرب لأداء فريضة الحج، فمر ببلاد الجزائر، وتونس، وطرابلس، والمغرب، ومصر، وبلاد الشام، ثم بلاد الحجاز، وغادرها بعد أداء فريضة الحج إلي بلاد العراق، وطاف ببعض بلاد إيران، والجزيرة، ثم عاد إلي الحجاز ومنه سافر إلي اليمن، ثم إلي الشام ومنها إلي آسيا الصغرى، وزار شبه جزيرة القرم، والقوقاز، وإقليم الفلوجا، والقسطنطينية "هي مدينة استانبول التابعة لتركيا اليوم" ثم خوارزم، وبخاري وسمرقند، وهراة، ونيسابور، وغزنة، وكابل "أو كابول"، ثم دخل بعد ذلك إلي بلاد الهند واتصل بسلطانها محمد بن تغلق، ومن الهند اتجه إلي الصين ومن الصين اتجه إلي جزيرة سومطرة بالمحيط الهندي، ثم اتجه إلي العراق، ثم إلي الشام، ومنها اتجه إلي مصر، ثم إلي تونس الذي وصلها في شهر صفر سنة 750 هـ / 1349 م، ثم وصل أخيرا ً إلي وطنه طنجة ببلاد المغرب، وقد قطع هذه الرحلة إلي مكة المكرمة من أجل الحج أربع مرات، كما زار قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد عنى بالحديث والدراسات الفقهية، ونال الإجازات من الشيوخ له، وتولى القضاء لملك الهند السلطان محمد شاه بدلهى، كما تولى ذلك المنصب في جزر المالديف، فهو فقيه عالم يقارن بين أحوال كل بلد، ويتقص عادات البلاد وأحوالها الاقتصادية والاجتماعية والدينية.

ثم قام برحلة ثانية إلي بلاد الأندلس حيث زار مالقة وغرناطة ثم عاد إلي فاس ببلاد المغرب، ثم قام برحلة ثالثة إلي مملكة المسلمين في السودان الغربي، حينما أرسله السلطان أبي عنان المريني في سفارة إلي بلاد السودان الغربي في أول سنة 753 هـ / 1352 م، واستمرت هذه الرحلة ما يقرب من عام، وعاد بعدها إلي السلطان أبي عنان المرينى في فاس في غضون سنة 754 هـ / 1353 م.

وقد أعجب السلطان أبي عنان المرينى بما كان ابن بطوطة يقصه عليه من أحاديث أسفاره، فأمر السلطان كاتبه محمد بن جزي الكلبي أن يدون ما يمليه عليه ابن بطوطة، وقد تولى ابن جزي الكلبي كاتب السلطان كتابة الرحلة وتلخيصها وترتيبها، وإضافة بعض الأشعار إليها، وتحقيق بعض أجزائها مستعينا ً بكتب الرحلات آنذاك لاسيما رحلة ابن جبير، وقد سمى ابن جزي الكلبي رحلة ابن بطوطة باسم "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" وفرغ من كتابة هذه الرحلة سنة 757 هـ / 1356 م، ولم ينس ابن جزي في خاتمة هذه الرحلة أن يثني علي ابن بطوطة، كما افتخر بأن هذا الرحالة قد اختار الاستقرار في ديار مولاه السلطان أبي عنان المريني دون غيرها بعد رحلة استمرت قرابة خمسة وعشرين عاما ً.

وبعد رحلات دامت حوالي ثلاثين سنة، اتصل خلالها بكثير من الملوك والأمراء، نجد أن ابن بطوطة قدم لنا صورة صادقة للعصر الذي كان يعيش فيه، أما بعض الاضطراب في رحلة ابن بطوطة فلعله يرجع إلي أنه لم يدون رحلته بنفسه، وأن ابن جزي الكلبي، ويبدو أنه قد عدل أو لخص واستبعد بعض أخبارها بالحذف أو الإضافة بعد أن راجع طائفة من كتب الأسفار الأخرى.

وتعد رحلة ابن بطوطة المسماة "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" من الكتب القيمة التي تزخر بها المكتبة العربية، وقد طبعت الرحلة عدة مرات باللغة العربية مع ترجمات فرنسية وإنجليزية، وهناك من قام بتحقيقها حديثا ً مع إضافة بعض الهوامش إليها، مما جعلها مصدرا ً هاما ً للباحثين في التاريخ والحضارة والجغرافية والسياسة والثقافة علي وجه الخصوص.

المحور الرابع: علم التاريخ عند المسلمين:

وقد ظهر بذلك أسلوبان في تدوين التاريخ عند المسلمين.

الأول: هو أسلوب المحدثين الذي ظهر واضحا ً في تاريخ السيرة النبوية التي نشأت في المدينة المنورة، وتميز أسلوبها بذكر الخبر مع إسناده.

أما الأسلوب الثاني: فهو أسلوب الإخباريين الذي تميز بإعطاء صورة كاملة عن الواقعة التاريخية، وذكر التفاصيل، ورواية الشعر والخطب، وقد ظهر هذا الأسلوب في الكوفة، ثم ظهر بعد ذلك الجمع بين الأسلوبين، كما ظهرت مدارس أخرى للتاريخ تميزت بتناول الموضوعات الخاصة بالمعارك والفتوح الإسلامية ودراسة الأنساب.

وكان من أشهر الإخباريين: أبان بن عثمان بن عفان، ومحمد بن شهاب الزُهري، وابن إسحاق، وعوانة بن الحكم الكلبي، وسيف بن عمر الكوفي، والمدائني الذي يُعد من أهم الإخباريين وذلك لاعتماده علي الإسناد أكثر من غيره، واتباعه أسلوب المحدثين في نقد الروايات وتمحيصها وتنظيمها.

مناهج الكتابة التاريخية عند المسلمين:

  • كتب السيرة النبوية ومغازي الرسول صلي الله عليه وسلم:

حيث دفع اهتمام المسلمين بأقوال الرسول صلي الله عليه وسلم وأفعاله، للاهتداء بها، والاعتماد عليها في التشريع الإسلامي والنظم الإدارية الكتُاب إلي التصنيف في سيرة الرسول صلي الله عليه وسلم ويمكن تقسيم رواة السيرة وكتبهم حسب تقدمهم الزمني إلي ثلاث طبقات.

الأولى: من أبرز رجالها: عروة بن الزبير بن العوام وهو تابعي (ت 92 هـ)، وأبان بن عثمان بن عفان، الذي ترك وراءه صُحُفا ً تضم شذرات من حياة الرسول صلي الله عليه وسلم، وشرحبيل بن سعد.

ومن رجال الطبقة الثانية: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ويُعد من أعظم مؤرخي المغازي والسيرة.

أما الطبقة الثالثة: فمن أشهر رجالها محمد بن إسحاق، وتُنسب إليه أقدم كتب السيرة التي وصلتنا.

  • كتب الطبقات:

عرفت الثقافة التاريخية الإسلامية منذ وقت مبكر كتب الطبقات، وهي تلك التي تتعلق بتدوين الحديث الشريف وتوثيقه، فأدى ذلك إلي النظر في أسانيد الحديث، وأحوال الرواة، ومن ثم ولادة فكرة الطبقات نفسها.

فقد كان علي علماء الحديث أن يهتموا بوضع معايير تسمح بقبول وتصحيح نص حديث الرسول صلي الله عليه وسلم، وقد انصبت تلك المعايير علي الجانب الخُلقي في الراوي، وعلي مدى صدقه وتقاه، واضافوا إليها تقصيا ً عن البيئة الأسرية للرواة، وطبيعة ارتباطهم بالنبي صلي الله عليه وسلم، والمدة التي قضوها معه، وعلاقتهم بصحابته المقربين، أو بخلفائه الراشدين، كما ركزوا علي حدوث لقاء فعلي أو محتمل، وحرصوا علي معرفة تاريخ الولادة والوفاة لكل واحد من الأعلام المذكورين في سلسلة الإسناد.

ومن ثم كان الإسناد في الحديث سببا ً في ظهور التراجم التي تضم تفصيلات عن كل واحد من رجال السند، ولما كان ينبغي ترتيب أولئك الرجال علي طبقات متتالية والتركيز علي المعاصرة، والعلاقات المشتركة، وطبيعة تلك العلاقات، سعيا ً لتسلسل الإسناد إلي النبع الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم، كانت ولادة فكرة الطبقات، والتي قدمت رجال السند تحت تصنيفات متعددة.

وعليه فقد ظهرت الطبقات في مجالات شتى، منها: كتب طبقات المحدثين، وطبقات الحُفاظ، وطبقات الفقهاء، وطبقات الشافعية، وطبقات الحنابلة، وطبقات القُراء، وطبقات المفسرين، وطبقات الصوفية، وطبقات الشعراء، وطبقات النحويين، وطبقات الأطباء، ومن أشهر كتب الطبقات: (الطبقات الكبرى) لمحمد بن سعد الزهري، و(طبقات الشعراء) لمحمد بن سلام الجمحي، و(طبقات الأطباء) لأحمد بن أبي أصيبعة (ت 668 هـ)، وغيرهم.

ج- كتب التراجم:

وهي مصنفات تعرض لسير حياة مشاهير الناس الذين تجمعهم صفة الشهرة في مجال تخصصهم وبشكل موسوعي، وتتناول العلماء، والأدباء، والقادة، والخلفاء، وغيرهم، وأشهرها: (معجم الأدباء) لياقوت الحموي (ت 626 هـ)، و(أسد الغابة في معرفة الصحابة) لابن الأثير، و(وفيات الأعيان) لأحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان (ت 681 هـ)، وهو من أشهر كتب التراجم ومن أحسنها ضبطا ً وإحكاما ً، و(فوات الوفيات) لابن شاكر الكُتبي، و(الوافي بالوفيات) لمؤلفه صلاح الدين خليل الصفدي.

د- كتب الفتوح:

وهي التي اهتمت بفتوح البلدان والأمصار مثل: كتاب (فتوح مصر والمغرب والأندلس) لابن عبد الحكم (ت 257 هـ)، و( فتوح البلدان) للبلاذري، و(فتوح الشام) للواقدي.

ه – كتب الأنساب:

وتهتم بأنساب العرب وأصولهم، وقد كان للعرب ولع خاص بهذا العلم، نظرا ً للعصبية القبلية التي كانت متأصلة فيهم قبل الإسلام، وكان من أشهر النسابين: محمد بن السائب الكلبي صاحب كتاب (جمهرة النسب)، ومصعب الزبيري مؤلف كتاب (نسب قريش)، وكان هناك أيضا ً (جمهرة أنساب العرب) لابن حزم الأندلسي.

و- التواريخ المحلية:

وهي المصنفات التاريخية التي كُرست لتاريخ بلد معين بكثير من التفاصيل، ومن أشهرها: كتاب (ولاة مصر وقضاتها) لأبي عمر الكندي، وكتاب (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي، و(تاريخ دمشق) لعلي بن الحسن بن عساكر، ويقع في ثمانين مجلدا ً، وكتاب (البيان الُمغرب في أخبار المغرب) لابن عذارى، وكتاب (النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة) لجمال الدين يوسف بن تعري بردي الأتابكي (ت 874 هـ).

ز- كتب التواريخ العامة:

توسعت اهتمامات المؤرخين، فنشأت إلي جانب السير والتراجم مؤلفات أرحب وأوسع وأشمل يُطلق عليها (التواريخ العامة)، التي تعني بكتابة التاريخ مسلسلا ً وفق تعاقب السنين، ويُسجل فيها المؤرخ تاريخ البشرية منذ بدء الخليقة، مرورا ً بالرسالات السماوية قبل الإسلام، والتاريخ الجاهلي، وعصر النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين إلي التواريخ الإسلامية اللاحقة.

ومن أشهر مؤلفي التواريخ العامة: محمد بن جرير الطبري، صاحب كتاب (تاريخ الرسل والملوك)، المشهور بتاريخ الطبري، وكتاب (مروج الذهب ومعادن الجوهر) للمسعودي، وهو كتاب ذو طابع موسوعي، وكتاب (الكامل في التاريخ) ويُعرف بتاريخ ابن الأثير لمؤلفه عز الدين بن الأثير، وهو من أوثق مصادر التاريخ الإسلامي، وكتاب (البداية والنهاية) لابن كثير، وكتاب (العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) المشهور بتاريخ ابن خلدون لمؤلفه أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون.

 التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (5)

التعليقات (0)