التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (5)

التاريخ والرحالة العرب .. (ابن بطوطة نموذجا ً) (5)

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

وهناك صور أخرى كثيرة من صور الكتابة التاريخية التي أوصلها بعض المؤرخين إلي نحو من ألف نوع من أنواع الكتابة التاريخية.

وذكر الذهبي أربعين نوعا ً، كان منها: السيرة النبوية، وقصص الأنبياء، وتاريخ الصحابة، والخلفاء، والملوك، والدول، والوزراء، والأمراء، والفقهاء، والقراء، والحفاظ، والمحدثين، والمؤرخين، والنحاة، والأدباء، واللغويين، والشعراء، والعُباد، والزهاد، والصوفيين، والقضاة، والولاة، والمعلمين، والوعاظ، والأشراف، والأطباء، والفلاسفة، والبخلاء.

يقول فرانز روزنثال: "لا شك أن كمية المؤلفات التاريخية الإسلامية كبيرة، وأن الحوليات البيزنطية وثيقة الصلة بالحوليات الإسلامية، غير أن التاريخ الإسلامي تميز عنها بتنوعه الكبير وكميته الهائلة، والواقع أننا قد نشك في وجود أي مكان في التاريخ الأول كانت فيه المؤلفات التاريخية تعادل في كثرتها ما للمسلمين، إن مؤلفات المسلمين التاريخية قد تعادل في العدد المؤلفات الإغريقية واللاتينية، ولكنها بالتأكيد تفوق في العدد مؤلفات أوروبا والشرق الأوسط في العصور الوسطى، ولا شك أنه لم يكن بالإمكان إخفاء مكانتها الممتازة في الحركة الأدبية الإسلامية عمن اتصل بالعرب من علماء الغرب، غير أن هؤلاء العلماء اهتموا بالعلوم والفلسفة واللاهوت، وهم كأقرانهم من المسلمين الاعتياديين لم يسيغوا إلي درجة الإقرار بأية معرفة عن وجود مؤلفات تاريخية".

المحور الخامس: الفروق بين المؤرخ ومفسر التريخ:

هناك فروق كثيرة بين المؤرخ ومفسر التاريخ، أو فيلسوف التاريخ، وهذه الفروق في جزء كبير منها تنطبق علي الفروق بين الباحثين في أي علم، وبين منظري هذا العلم وفلاسفته، وقد نستطيع بإيجاز أن نقول كما قال ابن خلدون: إن عمل المؤرخ هو (ظاهر) التاريخ، وعمل مفسر التاريخ هو (باطنه)، لكننا نفضل بسط الأمر في هذا المقام، لما فيه من الفائدة بحصر الفروق في النقاط التالية:

- إن المؤرخ مجرد وثائقي هدفه أن يصل إلي صحة الواقعة التاريخية بالطرق التي يقرها المنهج التاريخي في البحث.

- والمؤرخ غالبا ً ما يقصر جهده علي النواحي السياسية والعسكرية وتقلب الدول سقوطا ً وقياما ً.

أما مفسر التاريخ فمنهجه يعتمد علي ثلاث مراحل:

- المرحلة التسجيلية الوثائقية التي يشترك فيها مع المؤرخ العادي.

- المرحلة التأملية التي يحلل فيها الوقائع ويستنبط منها بعض القيم المعاصرة للواقعة وبعض الأنماط الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، ولكن ذلك كله يكون حلال هذه المرحلة في إطار جزئي.

- أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة تفسيرية فلسفية يصل فيها المفسر إلي استخلاص بعض القوانين والسنن التي تحكم حركة التاريخ بمجتمعاته المختلفة والتي تجيب لنا علي الأسئلة الكبرى: لماذا وكيف؟

* المؤرخ جزئي محدود، والمفسر شامل النظرة، يضع في اعتباره كل العوامل وكل الأنشطة وكل جوانب الحياة المساعدة علي تفسير الواقعة.

* إن مفسر التاريخ هو الذي يستطيع القيام بمقارنة بين الحضارات واستخلاص القيم الكلية الإنسانية.

* وهو أيضا ً الذي يستطيع أن يفسر لنا شخصيتنا الحضارية المستقلة من خلال فعلنا في التاريخ.

* وعمل مفسر التاريخ فكري أكثر منه حركى، إنه ليس مجرد آلة تصوير بل هو صياغة إنسانية للتاريخ.

* إن فيلسوف التاريخ هو الذي يكشف لنا معنى نشاط الإنسان وفعله علي الأرض وبإمكانه أن يسأل ماذا تعنى الحياة الإنسانية، وما الأهداف التي يسعى إليها الوجود التاة للتاريخ البشري، وهل يتحرك التاريخ بلا مغزى؟ وهل أهداف التاريخ تنبع من داخل الإنسان أم من خارجه؟ وهل يمشى التاريخ نحو الرقي دائما ً أم أن له دورات يتعاقب عليها؟ إلي آخر هذه الأسئلة الكبيرة.

* كما أن من الفروق أيضا ً بين المؤلف وفيلسوف التاريخ هو الاختلاف في المنهج، فالفيلسوف يعتمد علي الفحص النقدي الدقيق لمنهج المؤرخ نفسه ولوثائقه التي يعتمدها، وهو يدرس حتى طبيعة الفكر وقوانين البحث وقوانين المنطق، ويحقق مدى صلاحيتها كلها، وقد يقبل منا ما يقبله ويرفض منها ما يرفضه، ثم يقوم فيلسوف التاريخ بنشاط تركيبي للفلسفة بوجه عام مستخلصا ً أبرز القوانين وأشملها.

ويضاف إلي هذه الفروق أن المؤرخ ليست لديه مبادئ فلسفية أو أخلاقية، أي ليست لديه أسس يقيس بها التغير أو الاستمرار، وعلي ذلك فليس في مقدوره أن يحكم علي التطور أو الظهور أو السقوط أو النمو أو الركود أو الانحلال أو الخصب أو العقم.

وبدون مثل هذه الأحكام لا يمكن للكتابة التاريخية أن تكون ذلك السرد القصصي أو الوصف الجيد الذي هو جوهر التاريخ، فحيث لا يتوفر إحساس بالتطور، فقد نجد تبويبا ً لتفاصيل تاريخية مرتبة ترتيبا ً زمنيا ً أو حسب نظام منطقي من العناوين الصغيرة، غير أن هذا لا يمكن بحال أن يعرض قصة مستمرة للأصول أو النمو أو الاتزان أو الركود أو الانحطاط، ولكي يستطيع المرء أن يرى الأشياء تنمو أو تنهار أو أنها تظل علي حالها فقط، أو أنه يتكرر حدوثها، دون نمو أو انحطاط، لابد أن تكون لديه فكرة ما عن ماهية النمو، أي أن تكون لديه فلسفة في الأهداف ومقياس للصالح والطالح.

ومن المفترض أن يكون هنالك مجال كبير للاختلاف في الآراء فيما يتعلق بمفهوم هذه القواعد، أضف إلي ذلك أن هذا المجال لا يقل بالضرورة تبعا ً للزيادة في الاطلاع علي المؤلفات التاريخية الكلاسيكية، فالعدالة، والصدق، والجمال، والتقوي، والكرم، والتسامح، والتفاؤل، والتقدم، وحب البشرية، والحرية، والمساواة، والسلم، والوطنية، والروح الرياضية، والكفاية، والصحة، والقانون، والنظام، وكل هذه يمكن أن تعتبر مبادئ فلسفية وأخلاقية، وكان قد تبناها بعض المؤرخين في وقت مضى، علي أنها ليست شاملة علي جميع الأسس الفكرية، كما أنها ليست بالضرورة متناسقة تناسقا ً منطقيا ً.

ونحن نعلم أن أتفاق المؤرخين حول مبادئهم الفلسفية والأخلاقية أضعف احتمالا من أتفاقهم حول حقيقة المواد التي عليهم أن يفسروها في ضوء تلك المبادئ، وإلي أن يبلغ المؤرخون تلك الحقيقة النائية من الانسجام بألا تكون مبادئهم ذات قيمة عابرة بشكل ملحوظ، وألا تكون موقوتة بشكل محدود تستند بصراحة إلي دوافع خفية.

يبقى مع ذلك أن عمل مفسر التاريخ أشمل وأوسع وأكثر فائدة للتقدم البشري من عمل المؤرخ نفسه.

أجل كما ذكرنا إنه أقل اتفاقا ً حول حقيقة مادته، وإنه أكثر عجزا ً في لم شعث الحضارات المتناثرة، لكنه مع ذلك المغامر العجيب الذي يحاول أن يكتشف لنا سنن الله إنه (مكتشف) علي كل حال وليس مجرد (مسجل) أو (موظف إرشيفي) في دائرة التاريخ .

التعليقات (0)