الشدة المستنصرية

الشدة المستنصرية

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

هو مصطلح يُطلق على مجاعة حدثت بمصر نتيجة غياب مياه النيل لسبع سنين متواصلة عرفت بالعجاف نهاية عصر الحاكم العُبيدي الفاطمي المستنصر بالله في مستهل النصف الثاني من القرن الخامس الهجري من تاريخ الدولة العبيدية في مصر 1036-1094م.

المجاعة المصرية الكُبرى:

صاحبَ تلك المجاعة أزمات إدارية وسياسية للحاكم العبيدي المستنصر.

- كانت أزمة إقتصادية طاحنة لعل مصر لم تشهد لها نظيراً من حيث شدتها وعمق تأثيرها منذ عصر نبي الله يوسف عليه السلام. حيث تناقص منسوب النيل في السنوات 444 هـ، 447 هـ ، 457 - 464هـ.

وقد رسم المقريزي بقلمة المبدع حالة مصر إبان تلك الشدة قائلا:

فنزع السعر وتزايد الغلاء وأعقبه الوباء حتي تعطلت الأراضي من الزراعة وشمل الخوف، وخيفت السبل براً وبحراً وتعذر السير إلي الأماكن إلا بالخفارة الكثيرة وركوب الغرر، واستولي الجوع حتي بيِع رغيف خبز في النداء بزقاق القناديل من الفسطاط كبيع الطرف بخمسة عشر دينار، وبيع الإردب من القمح بثمانين دينار، وأكلت الكلاب والقطط حتى قلت الكلاب فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير،  وتزايد الحال حتي أكل الناس بعضهم بعضاً، ثم آل الأمر إلي أن باع المستنصر كل ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره، وصار يجلس علي حصير وتعطلت دواوينه وذهب وقاره، وكانت نساء القصور يخرجن ناشرات شعورهن يصحن:- الجوع الجوع.

وقيل:

إن مصر فقدت في هذه الأزمة ثُلث سكانها حتي أن أهل البيت الواحد كانوا يموتون في ليلة واحدة وكان يموت كل يوم ألف نفس علي الأقل ثم ارتفع العدد إلي عشرة آلاف وفي يوم مات ثمانية عشر ألفا، وكان المستنصر يتحمل نفقات تكفين عشرين ألفا علي حسابه الخاص وخلت القرى من سكانها ونزل الجند لزراعة الأرض بعد أن هلك الفلاحون.

ويقول النويري: "وكثر الوباء بالقاهرة ومصر حتي ان الواحد كان يموت في البيت فيموت في بقية اليوم أو الليلة كل من بقي فيه وخرج من القاهرة ومصر جماعة كثيرة إلي الشام والعراق وأكل بعض الناس بعضا ... ومن جملة ما بلغ من أمر الغلاء أن امرأة كان لها حلي باعت ما يساوي ألف دينار بثلاثمائة دينار واشترت به حنطة فنهبت منها في الطريق".

وكان السودان يقف في الازقة يخطفون النساء بالكلاليب ويشرحون لحومهن ويأكلونها واجتازت إمرأة بزقاق القناديل بمصر وكانت سمينه فعلقها السودان بالكلاليب وقطعوا من عجزها قطعة وقعدوا يأكلونها وغفلوا عنها فخرجت من الدار واستغاثت فجاء الوالي وكبس الدار فأخرج منها كثير من القتلي وقَتَل السودان.

و إنه لمن السذاجة أن نعزو سبب تلك الأزمة الاقتصادية التي لم يشهد التاريخ الاسلامي كله نظيرا لها إلي مُجرد توقف الفيضان سبع سنوات متوالية، ونغفل عن خطايا السياسة الفاطمية وأنانية، فقد كان من الممكن إتقاء الآثار المدمرة لتلك الازمة، أو علي الأقل التخفيف منها لو كان العبيديين أوفر حكمة وأعظم حرصاً علي مصالح الرعية، ولكنهم بسياستهم العوجاء أذكوا الصراع بين طوائف الجند وأفراد النخبة الإدارية والسياسية حتي غدت مصر مسرحا لحرب أهلية قذرة – سواء في بواعثها أو أدواتها - لا تكاد تهدأ حتي تشتعل من جديد فتعمق من آثار الأزمة وتبلتع جزءاً من عمران البلاد وثرواتها البشرية والمادية، وقد فطن مؤرخو مصر الإسلامية إلي تلك الحقيقة حين حملوا السياسة الفاطمية المسؤلية الكاملة عن تلك الشدة.

فالنويري يقول:

ولم يكن هذا الغلاء عن نقص النيل وإنما كان لإختلاف الكلمة وحرب الأجناد، وكان النيل يزيد ويهبط في كل سنة ولم يجد من يزرع الآراضي وانقطعت الطرقات براً وبحراً.

ويقول المقريزي:

"ثم وقع في أيام المستنصر الغلاء الذي فحش أمره وشنع ذكره وكان أمده سبع سنين وسببه ضعف السلطنة، وإختلال أحوال المملكة واستيلاء الأمراء علي الدولة، وإتصال الفتن بين العربان وقصور النيل وعُدْم من يزرع ما شمله الري" وكانت الشدة المستنصرية كارثة إنسانية بكل المقاييس العالمية.

التعليقات (0)