من هي بلاد شنْقِيط؟

من  هي بلاد شنْقِيط؟

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

واحدة من أهم المواقع التاريخية في العالم من حيث تاريخ الإسلام وتاريخ غرب إفريقيا.

شنْقِيط مدينة في موريتانيا تقع في شرق ولاية أدرار. وكانت تمثل مركز إشعاع علمي وثقافي منذ القرن 10هـ حيث شهدت نهضة ثقافية شاملة إلا أن أهلها لم يهتموا بتدوين حركتهم العلمية وتوثيق أحداثها والتأريخ لها.

شنْقِيط بلاد المنارة والرباط، وأرض المليون شاعر، وبلاد البدو العلماء الذين كسروا ولأول مرة في التاريخ قاعدة تناقض العلم والبداوة، مما جعل أحد علماء الاجتماع الغربيين يقول معبرًا عن هذه الظاهرة الفريدة: "لأول مرة في التاريخ يظهر مجتمع بدوي يكثر فيه العلماء الذين يدرسون علوم القرآن ومصطلح الحديث وفروع اللغة والمنطق والموسيقى"، وقد خاض علماء شنقيط مشارق الأرض ومغاربها حاملين لواء العلم ومبلغيه إلى كل من يمكن أن يؤتمن عليه، ومربين الأجيال على ما حملوه منه.

أنها مكة موريتانيا ... عيون الخيول ... مدينة المكتبات ، فكلها ألقاب عرفت بها مدينة شنقيط التاريخية والتى تم إدراجها فى وقت سابق ضمن قائمة التراث العالمي اليونيسكو، حيث يعود تاريخ تلك المدينة إلى حقبتين من التاريخ الأولى بدأت فى ٧٧٦م، وذلك ببناء مدينة قديمة تسمى آبير وهى كلمة تصغير لـ "بئر"، وهى عين الماء الذي تأسست حوله، حيث يرجح المؤرخون أن هذه البئر قام بحفرها عبد الرحمن بن حبيب بن عبيدة بن عقبة ابن نافع، حيث هدف لأن تكون تلك المدينة هى حلقة وصل بين سجلماسة فى جنوب المغرب وبين مدينة أدواغست فى الشرق الموريتاني.

معنى كلمة شنقيط:

شنقيط في الأصل هي اسم لمدينة من مدن أدرار واقعة فوق جبل في جهة غرب الصحراء الكبرى، ثم سمي بها القطر كله، وقد أُختلف في أصل اشتقاق اسمها، فقيل: إنها كلمة بربرية تعني عيون الخيل، وقيل: كلمة عربية فصيحة أصلها (سن قيط) أي طرف جبل (قيط) المجاور للمدينة، ورأي ثالث قال: إنها كلمة عربية تعني الشنقيط وهو نوع من الأواني الخزفية كان متداولًا في المنطقة، وبلاد شنقيط هو الاسم القديم لدولة موريتانية الحالية.

دخول الإسلام بلاد شنقيط:

وصل الإسلام إلى بلاد إفريقيا والمغرب العربي بصفة عامة في القرن الأول الهجري عن طريق الفتوحات الإسلامية على يد الفاتح عقبة بن نافع، وقد أُختلف في تاريخ فتح موريتانيا، إلا أنَّ المعول عليه والأقرب إلى الحقيقة هو أنها فُتحت على يد عقبة بن نافع بعد ولايته على شمال إفريقيا من قبل يزيد بن معاوية رضي الله عنهما قال ابن خلدون: "ودخل المغرب الأقصى، وأثخن في المصامدة حتى حملهم على طاعة الإسلام، ودوخ بلادهم، ثم أجاز إلى بلاد السوس لقتال من بها من صنهاجة أهل اللثام، فأثخن فيهم، وقاتل مسوفة من وراء السوس، وساسهم وقفل راجعًا".

كانت شنقيط مدينة هامة ومحورية، فقد عاشت أوج عصورها خلال فترة سقوط دولة المرابطين الشمالية ونزوح القبائل الصنهاجية إلى الجنوب ثم تأسست شنقيط على بعد ٣ كيلومترات من القديمة وتحديدا فى الجنوب الغربي، وهى المدينة التى لا تزال قائمة حتى هذا اليوم.

وقد لعبت شنقيط أدوارًا علمية ودينية واقتصادية مشهورة على امتداد تاريخها، حيث كانت همزة الوصل بين العالم العربي والإسلامي، وبين دول شمال إفريقيا ودول غرب القارة السمراء، كما كانت منطلقًا موسميًا لكثير من الحجاج، ومحطة تجارية تتعاقب عليه القوافل للتجارة، ومركزًا ثقافيًا يفد إليه الطلاب والعلماء لتبادل الشعر والأدب على مدار السنة.

وقد عرف عن بلاد شنقيط على مر العصور بأنها بلاد العلم، كما عرف عن أهلها بأنهم أهل علم ولغة وشعر، وقد خرج منها العديد من العلماء والشعراء، بل وتميز علماؤها بالنبوغ والحفظ والورع والزهد والصلاح، وكان لهم النصيب الأوفر في رفع اسم البلاد ونشر علمها في إفريقيا والبلاد العربية وجميع أنحاء العالم الإسلامي، ومن هؤلاء الإمام العلامة المفسر المحقق محمد الأمين الشنقيطي، وغيره الكثير ممن نشأوا في هذه البلدة.

أبرز ما يميز تلك المدينة هو مسجدها العتيق الذي لديه مئذنة ذات العشرة أمتار والتى تعد رمزا لموريتانيا، بنى هذا المسجد من الحجارة والطين الأصفر، أما سقفه يقوم على سعف النخل وجذوعه مدعومة بالطين، فهذه المدينة الأثرية تضم ما يقرب من ٣٠ مسجدا، كما أنها تمتلك الكثير من المكتبات التى تحتوي على مخطوطات تاريخية لا مثيل لها، حيث يعود تاريخ تلك المخطوطات إلى القرن التاسع الميلادى ونصوصها مكتوبة على جلد الغزال يحيطها غلاف من جلد الماعز، وتتناول تلك المخطوطات علوم القرآن الكريم والشريعة والآداب والشعر والنحو والطب والفلك.

و تلك المدينة الأثرية والتاريخية يميزها ثقافة أهلها، حيث إن حفظ القرآن الكريم أصبح إجباريا بها، لذلك تأسست حظيرة وهى جامعة تقليدية مقرها خيمة من الوبر يقوم فيها الشيخ بتقديم دروسه لعدد كبير من الطلبة فى جميع علوم الشريعة.

التعليقات (0)