من هو آق شمس الدين؟

من هو آق شمس الدين؟

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو إتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش

هو محمد بن حمزة الدمشقي الرومي ارتحل مع والده إلى الروم، وطلب فنون العلوم وتبحر فيها وأصبح علما من أعلام الحضارة الإسلامية في عهدها العثماني..

وهو معلم الفاتح ومربيه يتصل نسبه بالخليفة الراشد "أبي بكر الصديق رضي الله عنه" كان مولده في دمشق عام 1379م حفظ القرآن الكريم وهو في السابعة من عمره، ودرس في أماسيا ثم في حلب ثم أنقرة وتوفي عام 1459م.

- ساهم الشيخ آق شمس الدين بتعليم السلطان محمد الفاتح العلوم الأساسية في ذلك الزمن وهي القرآن الكريم والسنة النبوية والفقه والعلوم الإسلامية واللغات منها العربية والفارسية والتركية، وكذلك في مجال العلوم العلمية من الرياضيات والفلك والتاريخ والحرب، وكان الشيخ آق شمس الدين ضمن العلماء الذين أشرفوا على السلطان محمد عندما تولى إمارة مغنيسا ليتدرب على إدارة الولاية وأصول الحكم واستطاع الشيخ آق شمس الدين أن يقنع الأمير الصغير بأنه المقصود بالحديث النبوي: "لتفتحن القسطنينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش".

وعندما صار الأمير محمد سلطاناً على الدولة العثمانية، وكان شاباً صغير السن وجهه شيخه فوراً إلى التحرك بجيوشه لتحقيق الحديث النبوي فحاصر العثمانيون القسطنينية براً وبحراً ودارت الحرب العنيفة 54 يوما وعندما حقق البيزنطيون إنتصاراً مؤقتاً وابتهج الشعب البيزنطي بدخول أربع سفن أرسلها البابا إليهم وارتفعت روحهم المعنوية.. اجتمع الأمراء والوزراء العثمانيون وقابلوا السلطان محمد الفاتح وقالوا له: إنك دفعت بهذا القدر الكبير من العساكر إلى هذا الحصار جريا وراء كلام أحد المشايخ - يقصدون الشيخ آق شمس الدين - فهلك الجنود وفسد الكثير من العتاد ثم زاد الأمر على هذا بأن أتى عون من بلاد الأفرنج للكافرين داخل القلعة ولم يعد هناك أمل في هذا الفتح، فأرسل محمد وزيره "ولى الدين أحمد باشا" إلى الشيخ آق شمس الدين في خيمته يسأله الحل فأجاب الشيخ: لا بد من أن يمن الله بالفتح، ولم يقتنع السلطان بهذا الجواب فأرسل وزيره مرة أخرى ليطلب من الشيخ أن يوضح أكثر فكتب هذه الرسالة إلى تلميذه محمد الفاتح يقول فيها: هو المعز الناصر.. إن حادث تلك السفن قد أحدث في القلوب التكسير والملامة وأحدث في الكفار الفرح والشماتة.. إن القضية الثابتة هي: أن العبد يدير والله يقدر والحكم لله.. ولقد لجأنا إلى الله وتلونا القرآن الكريم وما هي إلا سنة من النوم بعد إلا وقد حدثت ألطاف الله تعالى فظهرت من البشارات ما لم يحدث مثلها من قبل.

أحدث هذا الخطاب راحة وطمأنينة في الأمراء والجنود، وعلى الفور قرر مجلس الحرب العثماني الإستمرار في الحرب لفتح القسطنينية، ثم توجه السلطان محمد إلى خيمة الشيخ شمس الدين فقبل يده وقال: علمني يا شيخي دعاء أدعو الله به ليوفقني، وخرج السلطان من خيمة شيخه ليأمر بالهجوم التام..

أراد السلطان أن يكون شيخه بجانبه أثناء الهجوم فأرسل إليه يستدعيه لكن الشيخ كان قد طلب ألا يدخل عليه أحد الخيمة ومنع الحراس رسول السلطان من الدخول، وغضب محمد الفاتح وذهب بنفسه إلى خيمة الشيخ ليستدعيه فمنع الحراس السلطان من الدخول بناء على أمر الشيخ، فأخذ محمد خنجره وشق جدار الخيمة في جانب من جوانبها ونظر إلى الداخل فإذا بشيخه ساجداً لله في سجدة طويلة وعمامته متدحرجة من على رأسه، ثم رأى السلطان شيخه يقوم من سجدته والدموع تنحدر من على خديه فقد كان يناجي ربه ويدعوه أن ينزل النصر ويسأله الفتح القريب.. وعاد السلطان محمد عقب ذلك إلى مقر قيادته ونظر إلى أسوار المحاصرة، فإذا بالجنود العثمانيين قد أحدثوا ثغرات بالسور تدفق منها الجنود إلى القسطنينية.. ففرح السلطان بذلك وقال: ليس فرحي لفتح المدينة إنما فرحي بوجود مثل هذا الرجل في زمني.

وعندما تدفقت الجيوش العثمانية بقوة وحماس تقدم الشيخ إلى السلطان الفاتح ليذكره بشريعة الله في الحرب وبحقوق الأمة المفتوحة كما هي في الشريعة الإسلامية وبعد أن أكرم السلطان محمد الفاتح جنود الفتح بالهدايا والعطايا وعمل لهم مأدبة حافلة استمرت ثلاثة أيام، وكان السلطان يقوم بخدمة جنوده بنفسه متمثلا بالقول السائد: (سيد القوم خادمهم) ثم نهض ذلك الشيخ العالم الورع آق شمس الدين وخاطبهم وقال: يا جنود الإسلام اعلموا وتذكروا أن النبي ﷺ قال في شأنكم: لتفتحن القسطنينية فلنعم الأمير أميرها ولعنم الجيش ذلك الجيش ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا ويغفر لنا.. ألا لا تسرقوا فيما أصبتم من أموال الغنيمة ولا تبذروا وانفقوا في البر والخير لأهل هذه المدينة، واسمعوا لسلطانكم وأطيعوه ثم التفت إلى الفاتح وقال: يا سلطاني لقد أصبحت قرة عين آل عثمان فكن على الدوام مجاهدا في سبيل الله ثم صاح مكبرا بالله في صوت جهوري جليد.

وقد اهتدى الشيخ آق شمس الدين بعد فتح القسطنينية إلى قبر الصحابي الجليل "أبي أيوب الأنصاري" بموضع قريب من سور القسطنينية.. وكان الشيخ آق شمس الدين أول من ألقى خطبة الجمعة في مسجد آيا صوفيا. وكان السلطان محمد الفاتح يحب شيخه شمس الدين حباً عظيماً، وكانت له مكانة كبيرة في نفسه وقد بين السلطان لمن حوله بعد الفتح بقوله: إنكم ترونني فرحا فرحي ليس فقط لفتح هذه القلعة إن فرحي يتمثل في وجود شيخ عزيز الجانب وعظيم في عهدي هو مؤدبي الشيخ آق شمس الدين، وعبر السلطان عن تهيبه لشيخه في حديث له مع وزيره محمود باشا قال السلطان الفاتح: إن احترامي لشيخ آق شمس الدين احترام غير عادي إنني أشعر وأنا بجانبه بالإنفعال والرهبة..

هكذا كان هذا العالم الجليل الذي حرص على تربية محمد الفاتح على معاني الإيمان والإسلام والإحسان ولم يكن هذا الشيخ متبحرا في علوم الدين والتزكية فقط بل كان عالما في النبات والطب والصيدلة، وكان مشهورا في عصره بالعلوم الدنيوية وبحوثه في علم النبات ومدى مناسبتها للعلاج من الأمراض.. وكان الشيخ يهتم بالأمراض البدنية قدر عنايته بالأمراض النفسية واهتم الشيخ آق شمس الدين اهتماما خاصا بالأمراض المعدية فقد كانت هذه الأمراض في عصره تسبب في موت الآلاف وقد ألف في ذلك كتابا بالتركية بعنوان "مادة الحياة" قال فيه: من الخطأ تصور أن الأمراض تظهر على الأشخاص تلقائيا فالأمراض تنتقل من شخص إلى آخر بطريق العدوى، هذه العدوى صغيرة ودقيقة إلى درجة عدم القدرة على رؤيتها بالعين المجردة لكن هذا يحصل بواسطة بذور حية.

وبذلك وضع الشيخ آق شمس الدين تعريف الميكروب في القرن الخامس عشر الميلادي وهو أول من فعل ذلك، ولم يكن الميكروسوب قد خرج بعد، وبعد أربعة قرون من حياة الشيخ آق شمس الدين جاء الكيميائي والبيولوجي الفرنسي "لويس باستير" ليقوم بأبحاثه وليصل إلى نفس النتيجة.. وألف الشيخ آق شمس الدين عدة كتب منها: ( مادة الحياة - كتاب الطب - حل المشكلات - الرسالة النورية - مقالات الأولياء - رسالة في ذكر الله - تلخيص المتائن - دفع المتائن).

وفاته:

عاد الشيخ إلى موطنه كونيوك بعد أن أحس بالحاجة إلى ذلك رغم إصرار السلطان على بقائه في إسطنبول ومات عام 1459م فعليه من الله الرحمة والمغفرة والرضوان وهكذا سنة الله في خلقه رحمة الله على الجميع وتقبل الله جهودهم وأعمالهم.

التعليقات (0)