محنة ابن حنبل و خلق القرآن

محنة ابن حنبل و خلق القرآن

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو اتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش


من أخطر وأعظم المحن التي مرت على الأمة الإسلامية هي محنة القول بخلق القرآن؛ والتي تعرض لها الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله؛ وهي المحنة التي تأتي على رأس قائمة المحن التي تعرض لها علماء الأمة الربانيين، وعلى الرغم من وجود العديد من المحن الشديدة، والتي تعرض لها كبار علماء الأمة، هذه المحنة العاتية. وذلك لعدة أسباب:

  1. أن هذه المحنة كانت في باب العقيدة: أي في صميم الأمة، وفي أصل قوتها، ومصدر عزتها، وكان أهل الاعتزال من وراء هذه المحنة والفتنة.
  2. أن الدولة بكافة أجهزتها ورجالها وقوتها كانت تدعم هذه المحنة، حيث استطاع بعض أهل الاعتزال: مثل بشر المريسي، وأحمد بن أبي دؤاد وغيرهما خداع ثلاثة خلفاء عباسيين متتاليين، وهم: المأمون، ثم المعتصم، ثم الواثق، وإقناعهم بتبني عقيدة الاعتزال الضالة، والمليئة بالبدع الغليظة، وليس فقط مجرد التبني والاعتناق، ولكن إجبار الناس على ذلك الضلال ولو بالقوة، وبحد السلطة التي لا تطيق عادة أن تخالف، أو يتعدى سلطانها أي أحد مهما كانت مكانته وعلمه.
  3. أن هذه المحنة العاتية لم تكن خاصة بالإمام أحمد وحده وإن كان قد تحمل عبئها الأكبر وحده بل كانت محنة عامة، وفتنة شاملة، طالت الكبير والصغير، والعالم والعامي، والأحرار والعبيد، حتى الأسارى عند الأعداء كانوا يمتنحون على القول بخلق القرآن: فإن أجابوا، وإلا تركوا رهن الأسر عند العدو، ولا تفتديهم الدولة.
  4. أن هذه المحنة لما وقعت لم يصمد فيها سوى الإمام أحمد بن حنبل، أما باقي العلماء فأغلبهم قد أجاب فيها خوفًا أو كرهًا، ومن صمد أمام الفتنة ولم يجب مات تحت التعذيب، وفي سجون المبتدعة مثل: البويطي ومحمد بن نوح، ونعيم بن حماد، وكان صمود الإمام أحمد أعظم فصول هذه المحنة، وسبب تقدمه وشهرته، ورفع ذكره، حتى صارت الإمامة مقرونة باسمه في لسان كل أحد؛ فيقال: قال الإمام أحمد، وهذا مذهب الإمام أحمد، ولو قدر الله عز وجل ولم يصمد الإمام أحمد في هذه المحنة لضل خلق كثير، ولربما الأمة كلها، والله اعلم.

لذلك قال المزني رحمه الله: عصم الله الأمة بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد بن حنبل يوم المحنة.

محنة الإمام في خلق القرآن:

حمل الإمام أحمد ومن معه من العلماء إلى دار السلطان، وأخذ إسحاق بن إبراهيم قائد الشرطة في امتحانهم، ومع جدية التهديد أخذ العلماء الواحد تلو الآخر يجيب بالقول بخلق القرآن، فلما رأى أحمد بن حنبل الناس يجيبون، وكان من قبل رجلا لينًا، انتفخت أوداجه، واحمرَّت عيناه، وذهب ذلك اللين، وغضب لله عز وجل، وجهر بالحق، وبعد أول يوم لامتحان العلماء عاد الإمام أحمد بن حنبل إلى مسجده، وقعد للدرس والتحديث؛ فالتف حوله الناس، وسألوه عما جرى، وألحوا في معرفة من أجاب من العلماء في هذه المحنة، فرفض بشدة، وكره الإجابة على هذا السؤال حتى لا يفقد العلماء مصداقيتهم عند الناس ولكن الأمر انتشر بسرعة بين الناس، وعُرف من أجاب ممن رفض.

وصلت أخبار الامتحان للخليفة المأمون، وكان وقتها مقيمًا بطرسوس على الحدود مع الدولة البيزنطية؛ فتغيظ بشدة على من رفض القول بخلق القرآن، وطلب من قائد شرطته إسحاق بن إبراهيم أن يجمع العلماء مرة أخرى، ويمتحنهم، ويشتد في التهديد والوعيد، وبالفعل اشتد إسحاق في التهديد حتى أجاب كل العلماء ماعدا أربعة: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والقواريري، وسجَّادة؛ فقام إسحاق بحبسهم، وتهديدهم بالضرب والحبس؛ فأجاب سجَّادة والقواريري فخرجا من السجن، وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح؛ فأرسل بخبرهما إسحاق إلى الخليفة المأمون الذي استشاط غضبًا، وأمر بحمَّلهما مقيدين زميلين إلى طرسوس، وقد أقسم ليقتلنهما بيده إذا لم يجيبا في هذه الفتنة، بل أشهر سيفًا ووضعه بجانبه استعدادًا لقتلهما إذا أصرا على الرفض.

حُمِل أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح من بغداد إلى طرسوس، وفي الطريق وقعت عدة حوادث كان لها أثر كبير في تثبيت الإمام أحمد ورفيقه، ودللت أيضًا على أن الناس كانت كلها وراء الإمام، وتؤيده وإن كانت لا تملك له شيئًا، فلقد قابله بالرحبة [موضع على شاطئ الفرات على بعد مائة فرسخ من بغداد] رجل من عامة المسلمين يعمل في غزل الصوف والشعر، وقد جاء لمقابلته خصيصًا من بادية العراق ليقول له: يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدًا، وإن عشت عشت حميدًا، وما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة، فقوى قلب الإمام أحمد بهذه الكلمات، ثم بعد فترة استراح الركب في خان بالطريق للمسافرين، وفي الخان قابل الإمام أحمد أحد أصدقائه القدامى، واسمه أبو جعفر الأنباري، والذي عبر الفرات للقاء الإمام أحمد قبل سفره إلى طرسوس، فلما رآه الإمام أحمد قال له: يا أبا جعفر تعنيت [أي كلفت نفسك مشقة السفر، وعبور الفرات]؛ فقال له أبو جعفر: يا هذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فو الله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، لابد من الموت، فاتق الله ولا تجب. فجعل الإمام أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله، ثم قال: يا أبا جعفر أعد عليَّ، فأعاد عليه، وأحمد يبكي ويقول: ما شاء الله. وفي طريق السفر كان الإمام أحمد يتهجد ويصلي في جوف الليل، ويدعو الله عز وجل أن لا يرى المأمون، وألا يجتمع معه أبدًا، ويلح في الدعاء، وفي رجب سنة 218هـ، وقبل أن يصل الإمام أحمد ورفيقه محمد بن نوح إلى طرسوس هلك المأمون فجأة بلا مرض أو تعب؛ فراح ضحية سهم من سهام الليل، من قوس مظلوم، بوتر ملكوم: وهو دعاء الإمام أحمد عليه.

وتجلى فيه صمود الإمام أحمد؛ حيث أصبح وحده في الميدان بعد أن مات محمد بن نوح تحت وطأة الحبس والتنكيل، ورغم أن الخليفة المعتصم لم يكن من أهل الفكرة، ولا يعتنقها في الأساس، ولكنه خاض في الفتنة، وانغمر فيها لأن أخاه المأمون قد أوصاه بذلك، فحمله حبه لأخيه المأمون على أن يعمل بوصيته، بل يزايد عليها؛ فكان أول قرار أخذه المعتصم هو رد الإمام أحمد إلى بغداد، وسجنه هناك في سجن ضيق مظلم، والقيود في يديه ورجليه، حتى أنه أصيب بمرض شديد في شهر رمضان، فنقلوه إلى سجن أوسع مع عموم الناس، ومكث في هذا السجن ثلاثين شهرًا. وفي السجن أخذ رجال الاعتزال ورؤوس الفتنة يأتونه: واحدًا تلو الآخر ليناظروه في خلق القرآن، وزادوا في قيوده، وبعد عدة أيام، وكانوا في شهر رمضان، بدأت فصول المناظرة العلنية، بحضور الخليفة المعتصم نفسه، ولنا أن نتخيل هذا المشهد المهول الذي حضره الإمام أحمد وحده، وكان في مجلس الخليفة المعتصم، وفيه كل رجال البدعة، والوزراء والقادة والحجَّاب والولاة والسيافون والجلادون، وكان الذي بدأ معه الكلام هو المعتصم نفسه، وقد حاول استمالته وترغيبه في أول الأمر ولكن هيهات هيهات، ولا عزاء لمشايخ وعلماء ودعاة السلطان الآن الذين يأكلون على جميع الموائد...

ثم أمر علماء البدعة بمناظرته، فهزمهم الإمام كلهم، وهو يحتج عليهم بالآيات والأحاديث والآثار، وهم يحتجون بكلام الفلاسفة: مثل العرض والجوهر، والشيء والوجود والعدم؛ لذلك فلقد علت حجته حجتهم، والإمام يقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله، وكان قائد الشرطة عبد الرحمن بن إسحاق - وهو بالمناسبة ابن إسحاق بن إبراهيم القائد السابق - ممن يدافع عن الإمام أحمد، ويقول للخليفة المعتصم: يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة، وإنه ليرى طاعتك، والحج والجهاد معك، وإنه لعالم، وإنه لفقيه، ولكن في المقابل كان أحمد بن داود أشد الناس عليه، ويحرض المعتصم عليه بشدة ليقتله، ويقسم له إنه ضال، وكافر ومبتدع. استمرت هذه المناظرة العلنية ثلاثة أيام، وكانوا في شهر رمضان، والإمام ثابت لا يتزعزع، وخصومه من حوله تتساقط شبههم وبدعهم، حتى كان اليوم الرابع، وكان المعتصم قد ضجر من طول المناظرة، وأغراه قاضي المحنة أحمد بن داود، حتى وصل الأمر إلى التهديد بالضرب والجلد، وأحضرت الخشبة والسياط، وشد أحمد على العقابين [وهما خشبتان يشق الرجل بينهما بالجلد] فخلعت يداه وهو صامد، وعندها أخذت المعتصم شفقة على الإمام، وأعجب بثباته وتصميمه وصلابته، ولكن أحمد بن أبي دواد أغراه، وقال له يا أمير المؤمنين تتركه فيقال غلب خليفتين؛ فعمي المعتصم لكلمته الشريرة، وأمر بالإمام فأخذ الجلادون في ضربه بالسياط، يتناوبون على ضربه: هذا يضرب سوطين، والآخر ثلاثة، وهكذا حتى إذا بلغ سبعة عشر سوطًا قام إليه المعتصم وقال له: يا أحمد علام تقتل نفسك؟ وإني والله عليك لشفيق، وجعل عُجَيْفٌ أحد قادة الأتراك العسكريين في جيش المعتصم ينخسه بقائمة سيفه ويقول: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك إمامك الخليفة على رأسك قائم، وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي، اقتله، وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم، وأنت في الشمس قائم، والمعتصم يقول: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فيجيب الإمام بكل صمود وثبات: أعطوني شيئًا من كتاب الله، أو سنة رسول الله أقول به، فيأمر المعتصم بمواصلة الضرب، ثم قال له المعتصم مرة أخرى: أجبني إلى شيء فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، ومع ذلك الإمام صامد، فأخذوا في ضربه حتى أغمي عليه من شدة الضرب، وقد تمزق ظهره من لهيب السياط.

بعد هذا الثبات العجيب التي تعجز عن مثله الجبال الراسيات، أمر المعتصم بإطلاق سراحه، ولكن بعد أن فعل شيئًا في منتهى العجب والغرابة، وهو قيامه بإحضار أقارب الإمام أحمد وأهله وجيرانه وأشهدهم على أنه سليم البدن، وذلك خوفًا من ثورة الناس عليه إن حصل للإمام مكروه، هذا على الرغم من قوة المعتصم وشجاعته وسلطته، ولكن قوة الحق، وسلطة الصمود، وشجاعة الثبات الذي عليه الإمام أحمد كانت أكبر من ذلك كله، وخرج الإمام أحمد وعاد إلى بيته بعد 28 شهرًا من الحبس والضرب من سنة 218هـ حتى سنة 221هـ.

والمعتصم - وإن كان هو الذي أقدم على ضرب الإمام أحمد - إلا أنه لم يكن مثل المأمون مقتنعًا، أو معتنقًا لهذه البدعة، وكان يود لو أطلق سراح أحمد بلا ضرب، ولكن رؤوس الضلال أوغروا صدره، وأشعلوه غضبه حتى أقدم على جناية ضرب الإمام، لذلك فلقد جعله الإمام أحمد في حلٍ من هذه الجناية؛ وذلك يوم أن جاءه خبر فتح عمورية سنة 223هـ.

التعليقات (0)