مدينة إشبيلية

مدينة إشبيلية

- إعداد الدكتور سليمان عباس البياضي

- باحث في التاريخ والحضارة

- عضو اتحاد المؤرخين العرب

- عضو اتحاد المؤرخين الدولي

- عضو الجمعية المصرية التاريخية

- كاتب وروائي وإعلامي

- محاضر في جامعة العريش


-تقع إلى الجنوب الغربي من قرطبة، وفي شمال قادس، على مسيرة (60) ميلا من ساحل المحيط الأطلسي، والمدينة القديمة كانت تقع في مكان مرتفع بعض الشيء بالقرب من النهر، أي أنها كانت تشغل جزءا داخليا من مدينة إشبيلية الحالية، بحيث كانت مؤهلة لأن تكون ميناء بحريًّا في جنوب الأندلس.

-أسست العناصر الأيبيرية هذه المدينة الواقعة في جنوب البلاد تحت اسم "أشبالي"، وبعدما دخلها الرومان سنة 205 قبل الميلاد صارت تعرف بالاسم اللاتيني "أشباليس"، وعرّب المسلمون هذا الاسم الأخير إلى إشبيلية، واشتق الأسبان بدورهم منه الاسم الحالي للمدينة سفيليا sevilla.

الفتح الإسلامى:

بدأ عصر جديد بنزول المسلمين في شبه الجزيرة وافتتاحهم لها، وارتفعت أعلام الإسلام على الأندلس، وتقدمت جيوش طارق بن زياد تفتتح المعاقل والحصون عقب انتصارها على جيوش القوط الغربيين في موقعة وادي لكة سينة عام 93هـ/712م.

وقدمت موجة أخرى من الفاتحين بقيادة موسى بن نصير، فأتم فتح المدن التي لم يفتحها طارق، وآلت إشبيلية إلى المسلمين بعد حصار دام عدة شهور لحصانة أسوارها ومناعتها. واختارها موسى بن نصير حاضرة للأندلس لوقوعها على البحر، وارتباطها بطرق مع سائر المدن الأندلسية الأخرى، وسهولة اتصالها ببلاد المغرب قاعدة الجيوش الإسلامية في حالة قيام الأندلس بالثورات، ولكن إشبيلية لم تتمتع بهذا التفوق إذ تحولت العاصمة إلى قرطبة عقب مقتل عبد العزيز بن موسى عام 98هـ/717م.

وتوالى على الأندلس عدد من الولاة الأمويين انبعث بينهم الصراع القبلي، وأصبحت البلاد مسرحا للفتن والفوضى، ومرتعا خصبا للاضطراب حتى دخل الأمير عبد الرحمن بن معاوية الأندلس، وأنقذها من الفتن التي شملتها فقضى على مظاهر الفوضى المستحكمة بها، وكون دولة عربية إسلامية تعد امتدادا للدولة الأموية.

وظلت الحياة في إشبيلية بعد الفتح الإسلامي على ما كانت عليه زمن القوط، إلا من تغيير طفيف أحدثه الغالبون في المجال الديني والاجتماعي، وسكن إشبيلية عدد قليل من العرب، إذ آثر أكثرهم النزوح إلى العاصمة قرطبة.

وقد زخرت المدينة بعدد كبير من النصارى باعتبارها المركز الديني النصراني الأول في أسبانيا منذ عهد القوط، ثم ازداد عدد سكانها العرب فجأة بعد أن استقر فيها جند حمص عام 124هـ/742م. ونزلت بإشبيلية عدة قبائل عربية مثل بني موسى، وبني زهر، وبني حجاج، وبني الجد، وبني خلدون.

واتبع المسلمون منذ الفتح سياسة التسامح في معاملتهم نصارى إشبيلية، وأتاحوا بذلك تحول كثير من النصارى إلى الإسلام، وعرف هؤلاء المتحولون بالمسالمة. وكان النصارى يتمتعون -خاصة في عهد عبد العزيز بن موسى- بحرية في أداء شعائر دينهم، وكان من أثر سياسة التسامح هذه أن قامت روابط وثيقة بين المسلمين والنصارى تقوم على مصاهرة المسلمين للأسبان، فكثر زواج الفاتحين من الأسبانيات، ونشأ من هذا الزواج جيل من الأسبان المسلمين عرفوا بالمولدين، وازداد عدد المولدين شيئا فشيئا حتى أصبحوا في نهاية القرن التاسع الميلادي غالبية سكان إشبيلية، واحتفظ كثير منهم بأسمائهم الأسبانية مثل بني أنجلين، وبني شبرقة.

وفي عام 158هـ/775م. اعتلى عبد الرحمن بن معاوية سرير الملك بقرطبة، فتمتعت إشبيلية في عهده ومن خلفه من بني أمية بازدهار شامل في حياتها، وأقام فيها أمراء بني أمية المنشآت العظيمة الخالدة، وكان عصر عبد الرحمن الأوسط العصر الذي اتصلت فيه أسبانيا الإسلامية بالمشرق العباسي -لأول مرة- اتصالا مباشرا ذلك أن أسبانيا في عهدها الإسلامي الأول -وخاصة في عهد عبد الرحمن الداخل- كانت تحافظ على مثلها وتقاليدها الشامية.

وفي عهد الأمير عبد الله بن محمد رفعت إشبيلية راية الاستقلال، وخرجت عن فلك الإمارة القرطبية، واستبد بإشبيلية إبراهيم بن حجاج أحد زعماء المدينة وأشرافها، وارتقى في درج الجلال وكان زعيما قويا. واستمر بنو حجاج يحكمون إشبيلية حتى تولى عبد الرحمن بن محمد إمارة قرطبة، وعزم على إخضاع الثائرين، وتوحيد الأندلس، وضم مدنها المستقلة إلى السلطة المركزية، ونجح عبد الرحمن الناصر في القضاء على أولاد عمر بن حفصون الثائرين بقلعة ببشتر، واستسلم له أحمد بن مسلمة بن حجاج، وبذلك رجعت إشبيلية إلى فلك قرطبة، وأقام فيها قصبة حصينة.

ولما قام ملوك الطوائف في الأندلس، بعد سقوط الخلافة بقرطبة، استولى ابن عباد على مقاليد الأمور بإشبيلية عام 433هـ/1042م. وجعلها بنو عباد حاضرة لمملكتهم الصغيرة، وشهدت إشبيلية في عصرهم ازدهارا لم تشهده من قبل. ووصل بها الأمر أن أصبحت أعظم مدن أسبانيا الإسلامية بعد أن تخلت لها قرطبة عن الزعامة.

ثم توالى على إشبيلية عدد من خلفاء الموحدين الضعاف، تميز من بينهم ملك كان له فضل كبير في تجميل إشبيلية والعناية بها هو أبو العلاء إدريس ابن أبي يوسف يعقوب المنصور 614-627هـ/1218-1230م .

نهاية الحكم الإسلامي:

عقب هزيمة جيوش الموحدين أمام الأسبان في موقعة العقاب سنة 1212م، بدا واضحًا أن نهاية الحكم الإسلامي قد باتت وشيكة، وقد حاول الخليفة الموحدي (أبو العلاء إدريس بن أبي يوسف يعقوب) أن يعيد لإشبيلية رونقها الذي كانت عليه أيام أبيه المنصور، فعمد إلى تحصينها أمام الخطر المسيحي فأقام بها سنة 1221م برجًا ضخمًا هو برج الذهب المشهور، والذي لا يزال قائمًا حتى اليوم، ثم جدد أسوار المدينة وشيد أمامها سورًا جديدًا يتقدمه خندق مائي.

وبموت هذا الخليفة الموحدي تتابع سقوط المدن والحصون التي كانت تشكل خط الدفاع الأول عن إشبيلية، مثل قرطبة وقرمونة وحصن القصر والقلعة وحصن الفرج وقلعة جابر.

وفي 22 ديسمبر سنة 1248م دخلت جيوش قشتالة مدينة إشبيلية بعد حصار دام قرابة العام والنصف، وقاست المدينة أهوال الجوع قبل أن تستسلم.

ونظرًا لقرب المدينة من الساحل المغربي، فقد خشي فرناندو الثالث أن تطرقها الجيوش الإسلامية من أجل تحريرها؛ ولذا عمد إلى إعادة تجديد قلاعها وأسوارها، كما دفع المزيد من المقاتلين الأسبان للإقامة بها.

يجدر الإشار الى أنه عندما دخل المسلمون الى الاندلس قبل اختتام القرن الهجري الأول، كانت أشبيلية مجرد مدينة صغيرة، وقبل أن تسقط المدينة في أيدي ملوك قشتالة من نصارى الأسبان كانت أشبيلية الأندلسية واحدة من أكبر وأشهر مدن القارة الأوروبية.

أهم معالم أشبيلية:

كاتدرائية جامع قرطبة

هذه الكاتدرائية من أجمل مناطق الجذب السياحية في أسبانيا، وقد أدرجت من ضمن المعالم الأثرية، من خلال منظمة اليونيسكو، ومن أهم ما يميز هذه الكاتدرائية، أنها تجمع ما بين معالم الزخارف الإسلامية الرائعة، والفنون المسيحية، وهي عبارة عن كاتدرائية كبيرة، ذات فناء فخم وحديقة مميزة، وقد كانت قديما من أجمل مساجد قرطبة.

القصر المورق

يقع هذا القصر جنوب شرق المدينة، وكان حصناً للمسلمين في بلاد الأندلس، ثم صار بعدها مقراً للحكم، ويُقال أنّ من بناه هو بطرس القاسي في مكان قلعة قديمة بناها المسلمون عام 1350م، فيما تم إنجاز القصر عام 1369م، ويتميّز القصر بالنقوش الجصية الرائعة، والأعمدة الفخمة، وهو تحفةٌ فنيةٌ مليئة بالألوان، والتصاميم المُدهشة، لذا صنفته منظمة اليونسكو عام 1987م كموقعٍ للتراث العالمي.

برج الخيرالدا الأثري

يعد الخيرالدا واحد من أروع الأبراج الأثرية في اسبانيا والعالم، وأحد أيقونات مدينة اشبيلية ومن معالمها الرئيسية، ويبلغ ارتفاعه حوالي 97 متر، ويتميز بتصاميمه الرائعة التي تمزج بين الفنون المعمارية الرومانية القديمة والفنون الأندلسية الأموية ويعود تاريخ برج الخيرالدا إلى القرن الثاني عشر، وكان يشكل مئذنة مسجد مدينة اشبيلية الذي بني بأمر من الملك أبو يوسف يعقوب المنصوري الموحدي أحد خلفاء الدولة الموحدية على أنقاض بعض المباني الرومانية، وكان عند بنائه أطول برج في العالم.

برج الذهب

برج مراقبة عسكري تم بناؤه من الحجر في الثلث الأول من القرن الثالث عشر الميلادى ومايزال ينتصب شامخا على نهر الوادي الكبير في مدينة إشبيلية جنوبي أسبانيا وكأنه شاهد على الماضي الحربي والعمراني المجيد لحضارة الإسلام في الأندلس بأسرها وفي مدينة إشبيلية على وجه الخصوص وقد بني في عهد الخلافة الموحدية التي حكمت بلاد المغرب وجزء من بلاد الأندلس مابين عام 1121م وعام 1269م بغرض السيطرة على حركة المرور إلى إشبيلية وإلى بلاد الأندلس التي تليها ويمر بها نهر الوادي الكبير وإستخدم كسجن خلال العصور الوسطى وكسياج أمن لحماية المعادن الثمينة التي كانت تأتي بالسفن من الهند ومن أمريكا الجنوبية بعد إكتشافها في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر الميلاديين وقد أصبح هذا البرج متحفا منذ عام 1994م للبحرية الأسبانية.

التعليقات (0)