من الخميس إلى الخميس .. المفهوم التحرري أو القومي .. للدعوة الانفصالية!!

من الخميس إلى الخميس

المفهوم التحرري أو القومي .. للدعوة الانفصالية!!

مقالة تم نشرها في صحيفة الطليعة الحضرمية

العدد (13)،  23 صفر 1379هـ

27 أغسطس 1959م.

في استراحة مطار عدن المدني يوم الجمعة الماضي وبين جلبة المسافرين وصياحهم جری بيني وبين صديق من المنطقة الكثيرية الحديث التالي:

قال لي الصديق: لماذا يعامل الموظفون عندكم رعايا الدولة الكثيرية معاملة غير عادلة؟

قلت: هذا الذي تزعمه غير صحيح على الإطلاق. ويخيل إلى أن هناك حملة مغرضة هدفها الوقيعة بين سكان المنطقتين حتى لا تتقارب وحتى لا تتراخى الحواجز القائمة بيننا.

وإذا كانت توجد هناك بعض هذه المعاملة فهي ليست وقفا على أفراد المنطقة الكثيرية وإنما يشترك فيها أفراد المنطقة القعيطية سواء بسواء.

والذي ظهر لي خلال أحاديثي مع أفراد من المنطقة الكثيرية أنهم لا يشعرون بالاطمئنان أو الثقة نحو مواطنيهم في المنطقة القعيطية، وهم يتوهمون - خطأ – أن الجانب الآخر يضمر لهم السوء أو يتربص بهم الدوائر.

ولهذا فإن الحديث عن النوايا الطيبة بين المواطنين في المنطقتين هو حديث لا يجد له صدی من نفوسهم وفي اعتقادهم أن الحديث عن تلك النوايا هو ضرب من الاحتيال أو الخديعة!

ولقد قلت لصديقي في حديث طويل: إنكم تتوهمون أن هناك سوء نية مبيتة ضدكم.. ولست مغاليا في شيء إذا قلت إن سكان المنطقة القعيطية لا يعرفون التعصب لهذا الحاكم أو ذاك. إنهم ينظرون إلى حضرموت كوطن واحد وشعب واحد.

ودليلي على هذا هو أنك لا تجد مواطناً واحداً في المنطقة القعيطية يعترض على الدعوة إلى وحدة حضرموت أو يخطر له أن هذه الوحدة ستنزل حيفا بهذا القسم أو ذاك.

إنهم ينظرون إلى الوحدة الحضرمية كحقيقة واقعة وأن ما يسمونه بنقط الجمارك على حدود السلطنتين ليس إلا شيئا أشبه ما يكون بالملهاة.

لقد تنقلت كثيرا بين نقط الجمارك على حدود السلطنتین ووالله لم يخطر ببالي إطلاقا أن تلك النقط هي الحد الفاصل بين وطني الواحد، بل إنني عندما هبطت مطار الغرف في سيئون في أبريل الماضي وطلب إلى أن ادفع رسم الوصول باعتباري من سكان المنطقة القعيطية لم أشعر أن هناك حواجز أو حدوداً. وكنت في دخيلة نفسي أضحك على أولئك الذين حسبوا أنهم قد نجحوا في شطر وطننا الواحد، ولم يخامرني شك في أن هذه الحواجز ستنهار قريبا عندما يبلغ الوعي الصحيح مداه .

لقد أحسست وأنا في المنطقة الكثيرية أن هناك نية ليس في إذابة تلك الحواجز القائمة بل في تقويتها وإعطائها مفهوما تحررياً وقومياً.

إنهم يقولون مثلا: إن الوحدة في ظل الأوضاع السائدة حاليا – وهي أوضاع کما يقولون سيئة للغاية - هذه الوحدة في نظرهم ستكون ضارة ومن ثم فيحسن تأجيل النظر في تلك الوحدة حتى تصلح تلك الأوضاع؟!

وتسأل مثلا: وهل يسهل إصلاح تلك الأوضاع في ظل التجزئة أم في ظل الوحدة؟ وهم - بصراحة – يعتقدون أن الأوضاع السيئة هي في المنطقة القعيطية فقط. ولهذا فهم يفضلون العيش في ظل أوضاعهم باعتبارها أفضل من غيرها.

وهذا الاعتقاد باطل أساساً فالأوضاع الصالحة والأوضاع السيئة إنها تتضح بها يحصل عليه الفرد من حقوق. ولو قسنا هذه القاعدة على المنطقتين لظهر لنا تقارب الأوضاع هنا وهناك بل ربما وجد أن إمكانيات إصلاح الأوضاع في المنطقة القعيطية أكثر مما هي عليه في المنطقة الكثيرية.

وأنا لا أدهش لشيء كما أدهش للتعصب لهذا الحاكم أو ذاك، أدهش هذا التعصب إذا كان صادراً من فرد، المفروض فيه أنه مثقف ومتنور!!

هذه خواطر سنحت لي وأنا أقطع الفضاء بين عدن والمكلا في طريق عودتي إلى حضرموت. فإذا كانت هذه الخواطر مهزوزة في بعض النقاط فمبعث هذا الاهتزاز هو تمایل الطائرة بفعل حركة الرياح الشديدة.

وسأعود إلى مناقشة هذا الموضوع مرة أخرى.

التعليقات (0)