مدينة عدن بين الأمن والتنمية

مدينة عدن بين الأمن والتنمية

أ.د. قاسم المحبشي

الملخص:

تعد المدينة بوصفها ظاهرة جغرافية اجتماعية تاريخية قديمة قدم الحضارة البشرية؛ من أعقد الموضوعات العلمية في الدراسات الإنسانية والاجتماعية؛ بما تنطوي عليه من بنية شديدة التركيب؛ تتكون من شبكة هائلة من الأنساق، والعناصر، والممارسات، والعلاقات، والقيم، والخصائص، والوظائف، والأبعاد، ومنها: ( البعد الجغرافي المورفولوجي، والبعد السوسيولوجي، والبعد السياسي، والبعد الثقافي؛ الفكري، والفني، والأدبي، والبعد الاقتصادي، والبعد القيمي الأخلاقي والجمالي، والبعد الديني، والبعد المدني...إلخ). وهي لذلك تقع على تخوم عدد واسع من العلوم الإنسانية والاجتماعية والثقافية. ورغم أهمية المدينة إلا أنها لم تحظَ بما تستحقه من البحث والدراسة العلمية المنهجية الجديرة بالقيمة والاعتبار. إذ لاتزال المدينة (معناها وبنيتها وخصائصها ووظائفها وشروطها وقيمها...إلخ ) في الثقافة العربية الراهنة من المجاهيل الكبرى. إذ قلما يجد الباحث في شؤونها كتابات علمية منشورة في الدوائر الأكاديمية والثقافية فضلًا عن الشبكة العنكبوتية. وحينما يواجه أحدَنا سؤال بسيط: ماهي المدينة على وجه التحديد؟ يصيبه الارتباك والتلعثم، ويكتشف جهله بالجواب! ويكتفي بالقول: إنني أعرفها ولا أعرف ماهي.

ومدينة عدن واحدة من المدن القليلة في التاريخ الإنساني التي احتفظت ــ ولازالت ــ بأهميتها الاستراتيجية الإقليمية والعالمية، وقيمتها السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والدينية، والعلمية، والأخلاقية، والجمالية، المادية والرمزية في السياقات المحلية، وذلك بما تتفرد به من سمات وخصائص طبيعية وجغرافية، تاريخية، وثقافية، وحضارية، ومدنية. وقد مثلت عدن في العصر الحديث أنموذجًا رائعًا للحداثة والمدنية؛ وذلك بفضل تماسها المبكر مع قوة الحداثة الإنسانية، ونظرًا لموقعها الاستراتيجي؛ ظلت على الدوام عرضة لمخاطر وتحديات أمنية متنوعة ومركبة، ومحل أطماع وتجاذب قوى الهيمنة الدولية والإقليمية والمحلية، ويعود ذلك إلى ازدهار مينائها ملاحيًا وتجاريًا بحيث غدا ثالث أهم ميناء في العالم. وفي سياقه أزهرت مظاهر الحياة المدنية الحديثة على مختلف الصُعد الاقتصادية الاجتماعية والثقافية والمدنية، ففيها تأسست أول وكالات التجارة العالمية والغرف التجارية، فضلًا عن خدمات البنية التحتية؛ الكهرباء، والماء، والمدارس، والمستشفيات، والمطارات، والتخطيط العمراني الحديث، والموصلات، والاتصالات، والبريد، والبرق، والهاتف، والإذاعة، والتلفزيون، والصحافة، والأحزاب المدنية، والنقابات العمالية. وعلى مدى أكثر من قرن من الزمن، تمكنت بريطانيا من إعادة تشكيل مدينة عدن على صورتها بما جعلها أشبه بجزيرة الأحلام المعزولة عزلًا شديدًا عن محيطها شديد التخلف. وتعود قصة عدن كمركز تجاري عريق إلى أكثر من 3000 سنة. حيث قام ماركو بولو وابن بطوطة بزيارة مدينة عدن في القرنين الحادي عشر والثاني عشر. وفي عام 1800م تطور ميناء عدن وبدأ بتقديم خدمة التزود بالوقود، الفحم والمياه للسفن البخارية. اتسعت الخدمات المقدمة من قبل الميناء لاسيما بعد فتح قناة السويس عام 1869م ليصبح ميناء عدن عام 1950م، واحدًا من أكثر الموانئ ازدحامًا لتموين السفن بالوقود، ومركزًا للتسوق والتجارة في العالم. كانت الصنادل تقوم بنقل البضائع بين السفن الراسية في الميناء الداخلي والأرصفة، بينما تقوم السفن الشراعية بنقل البضائع من وإلى الموانئ الإقليمية.

تم بناء مصفاة عدن وميناء الزيت في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي؛ لاستقبال النفط وتكريره من دول أخرى، وتوفير مختلف درجات الوقود التي تحتاجها السفن التي ترسو في الميناء؛ مما يعزز نجاح ميناء عدن المتنامي كمركز وقود "بمسافة متوسطة '' بين أوروبا وشبه القارة الهندية والشرق الأقصى.

والتعليم في عدن الذي كان أقدم عهدًا، وأكثر تقدمًا، وأوسع انتشارًا، ارتبط منذ بداية الاحتلال البريطاني بحاجة البريطانيين والجاليات الأجنبية، وظل يسير قبل سنة 1937م، على نمط النظام الهندي، ثم فصل عنه بعد تلك السنة عندما أصبحت عدن ترتبط مباشرة بوزارة المستعمرات البريطانية. ولأسباب سبق ذكرها، شهدت عدن خلال المدة الممتدة بين عامي 1946–1960م، زيادة محسوسة في معدل التعليم بلغت 60% للأولاد، و40% للبنات، وهبطت معدلات الأمية خلال تلك المدة إلى 60%. وحسب التقرير السنوي لحكومة الاتحاد لسنة 1965، فقد وصل إجمالي المدارس في عدن في تلك السنة إلى 38 مدرسة ابتدائية، 12 مدرسة مدعومة من الحكومة، وخمس مدارس خاصة غير مدعومة، ويدرس في كل تلك المدارس 14600 طالب وطالبة. أما المدارس المتوسطة، فقد بلغت 23 مدرسة، 10 مدارس تتلقى دعمًا من الحكومة، وخمس مدارس خاصة، يدرس في جميعها 7100 طالب وطالبة. وبلغ عدد المدارس الثانوية 13 مدرسة، خمس مدارس منها تتلقى دعمًا حكوميًّا، وثلاث مدارس خاصة، ويدرس في تلك المدارس الثانوية في ذلك العام 2900 طالب وطالبة. وفضلًا عن ذلك فقد كان في عدن في تلك المدة أربعة معاهد بعد الثانوية جميعها حكومية، وتضم حوالي 800 طالب وطالبة .ومن الإنصاف الإقرار بأن الاستعمار البريطاني قد أحدث تحولًا إيجابيًّا في نظام التعليم بعدن في خدمة النخب الأرستقراطية، وما زال كبار السن الذين ولدوا وعاشوا في تلك المرحلة يتذكرون مدارسهم بشوق وحنين المحبين. إذ إن ولاية عدن أدخلت في 1964م، نظام الخدمات الطبية لتلاميذ المدارس، فخصصت عددًا من الممرضين والممرضات وفنِّيي الأسنان لزيارة المدارس، وتقديم الرعاية الصحية الأولية للتلاميذ المحتاجين لها، وإحالة الذين كانوا يحتاجون الفحص الطبي الدقيق إلى المراكز والمستشفيات الطبية. وفي شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من تلك السنة، أنشئت ثلاث عيادات لطب الأسنان، خاصة بتلاميذ المدارس في عدن، وكانت تفتح أبوابها ثلاثة أيام في الأسبوع، بحضور أطباء مختصين. لذا يمكن القول إن نظام التعليم الحديث في عدن الذي أتى به الإنجليز ، كان عاملًا مهما في ازدهارها المدني والتجاري والثقافي والإعلامي والفكري، التي لم تشهد مثله أي منطقة أخرى في شبه الجزيرة العربية، إذ أفضى إلى استيقاظ الوعي السياسي وتشكيل الروابط والكيانات السياسية، ومعه بدأت الحركة النسوية التحررية في عدن، وغير ذلك من عناصر وعلاقات وممارسات وبنيات وقيم ورموز الحياة الحديثة.

وفي عدن تلك الأيام، ازدهرت الصحافة والإعلام المقروء والمرئي باللغتين العربية والإنجليزية؛ "فتاة الجزيرة"، و"الرقيب"، و"الأيام"، والإذاعة، والتلفزيون، والمطابع، والمكتبات، وغير ذلك. وأنجب التعليم في عدن عددًا من النخب المتعلمة عالية التأهيل منهم؛ المحامي محمد علي لقمان، والإعلامي محمد علي باشراحيل، والتربوي محمد عبده غانم، والأكاديمي عبدالله فارع فاضل، والمفكر السياسي عبدالله باذيب، وأحمد عمر بن سلمان، وغيرهم من الأطباء، والمهندسين، والمعلمين، والإعلاميين، والفنانين، والأدباء، والكتاب الذين لا يتسع المجال لذكرهم .وكل هذه المقومات التي توفرات لعدن أهّلتها لأن تكون أشبه بـ "مدينة أحلام" عند أناس ذلك الزمان بمن فيهم عرب شبه الجزيرة؛ لهذا كان ينشد الناس دومًا:

"عدن عدن يا ليت عدن مسير يوم ... شاسير به ليلة ولا ارقد النوم"

كل هذه المقومات التي جعلت من عدن مدينة السلام والأحلام كانت بدون شك حصيلة الأمن العام الذي سادها في تلك الأعوام. ومفهوم الأمن يتضمن أمن الإنسان بأوسع معانيه، ما هو أكثر بمراحل من انعدام الصراعات العنيفة، بل هو يشمل: حقوق الإنسان، والحكم الرشيد وإمكانية الحصول على التعليم، وعلى الرعاية الصحية، وكفالة إتاحة الفرص والخيارات لكل فرد لتحقيق إمكاناته. وكل خطوة في هذا الاتجاه هي أيضًا خطوة نحو الحد من الفقر، وتحقيق النمو الاقتصادي، ومنع الصراعات، والتحرر من الفاقة، وحرية الأجيال المقبلة؛ في أن ترث بيئة طبيعية صحية هي اللبنات المترابطة التي يتكون منها أمن الإنسان ومن ثَم الأمن القومي.

وتنطلق فرضيتنا الأساسية من أن ثمة علاقة ارتباط قابلة للقياس والضبط بين الأمن والتنمية البشرية، علاقة تبادلية التأثير والتأثر، وجدلية التفاعل الإيجابي والسلبي. كما نرى أن الأزمة الأمنية التي تعيشها عدن اليوم ليست قضية أمنية فحسب، بل هي حصيلة أسباب وشروط عديدة يمكن رؤيتها في المجالات الأخرى كالسياسة، والحرب، والعدالة الاجتماعية، والظروف المعيشية، والمشكلات المتراكمة من الماضي، فضلًا عن صراعات قوى الهيمنة المحلية والإقليمية والدولية في اللحظة الراهنة.

فكيف حال عدن اليوم؟ وإلى أين سارت بها الأقدار؟ وما هي ممكناتها الجديرة بالأهمية والقيمة؟ وكيف يمكن النهوض بها وتجاوز أزمتها الراهنة؟ حول تلك الأسئلة وما يتصل بها من قضايا سوف نقارب موضوع ورقتنا في المحاور الآتية:

عدن الميناء والمدينة.

- عدن الأمن والتنمية.

- الممكنات والتحديات.

- نتائج وتوصيات.

التعليقات (0)