عدن... نحو اقتصاد ازرق مستدام

عدن... نحو اقتصاد ازرق مستدام

د. جمال محمد باوزير

الملخص:

مثلت مدينة عدن عبر مينائها البحري الاساس في نموها وازدهارها وتعزيز اقتصادها عبر التاريخ، وكانت تزدهر في فترات وتضمحل في ازمنة اخرى لأسباب ذاتية وموضوعية.

وتعتبر عدن مدينة بحرية بامتياز، إذ تشرف على خليج عدن بشريط ساحلي يبلغ طوله حوالي 200 كم، وتاريخيا شكلت المدينة ومينائها بموقعها الجيواستراتيجي ملتقى للحضارات ونقطة عبور رئيسة لحركة التجارة، مما عزز في نموها وازدهارها وتعزيز اقتصادها، ومكن سكانها من اكتساب خبرات ومهارات كبيرة، كثيرا ما ارتبطت بمختلف المهن البحرية، وهكذا ظلت المدينة مرهونة بنشاط الميناء القديم. وبعد انتقال الميناء الى الخليج الخلفي (خليج التواهي)، واكبها اتساع رقعتها المساحية وتنوع تراكيبها الجغرافية من مسطحات طينية، خلجان بحرية، سواحل رملية وصخرية، وجزر بحرية. الا ان واقع الاستثمار في هذه المقومات الطبيعية كان محدود.

الاقتصاد الازرق

ويسعى مفهوم الاقتصاد الأزرق إلى تعزيز النمو الاقتصادي الاستخدام المستدام للموارد البحرية والساحلية وتحسين سبل المعيشة وتوفير الوظائف مع ضمان الحفاظ على صحة النظام البيئي البحري والساحلي واستدامته.

وللاقتصاد الأزرق مكونات متنوعة، بما في ذلك الانشطة البحرية التقليدية مثل مصايد الأسماك، السياحة، والنقل البحري، ولكن أيضًا الأنشطة الجديدة والناشئة، مثل الطاقة المتجددة البحرية، وتربية الأحياء المائية، والأنشطة الاستخراجية، وانشطة التكنولوجيا الحيوية وغيرها.

ولا يتأتى الاستثمار في الاقتصاد الازرق في مدينة عدن الا من خلال تخطيط الحيز البحري من استخدامات للشواطئ والمساحات البحرية في الاستثمارات التجارية والخدمية، وفق نموذج جديد ومبتكر، وتحديد المساحات المناسبة للاستخدامات الحالية والمستقبلية وخلق تكامل في الفرص بين أصحاب المصلحة، والعمل على استدامة الموارد البحرية والساحلية وحمايتها.

ولذلك يتوجب ادماج قطاعات جديدة ذات امكانيات عالية تتوفر مقوماتها في مدينة عدن، وهي في مجملها تساهم بشكل كبير في خلق فرص عمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوفير مصادر دخل للاقتصاد المحلي. فالمنطقة الساحلية لمدينة عدن توفر مجالات جديدة توسع نطاق الامكانات الاقتصادية للمدينة وتفتح افاق واعدة ومستدامة من خلال رؤية تأخذ بالاعتبار المنظومة البيئية، بحيث تضمن الحفاظ على البيئة والتنوع الحيوي.

والفرص المتاحة في الاقتصاد الأزرق كثيرة في مدينة عدن، ومن شأنها رفع الناتج الإجمالي المحلي للمدينة، والمساهمة في توفير العديد من فرص العمل للشباب في الاستثمارات والانشطة المرتبطة بالبحر والخدمات المرتبطة بها، والبحث أكثر عن طرق الاستفادة منها والإسهام في دعم الاستدامة الاقتصادية من خلال مشاريع كالاستزراع السمكي، التنقيب عن المعادن والاستثمار في الابتكارات التي تدعم الاقتصاد الأزرق في السياحة البيئية البحرية والساحلية، وتربية الأحياء المائية، والشحن والنقل البحري.

الاستثمار في القطاع السمكي

تعتبر المياه البحرية والساحلية لمدينة عدن واحدة من المناطق التي تتميز بثروة بحرية أحيائية كبيرة، وأحدي اهم مصائد الاسماك في البلاد. الى جانب دور مدينة عدن الهام في مجال تسويق الأسماك، من خلال امداد الاسواق المحلية والخارجية بالعديد من الأحياء البحرية المختلفة، وكذلك تقديم الخدمات اللوجستية.

ويعد نشاط الاصطياد مهنة اساسية في المجتمعات الساحلية ومصدر رئيس لخلق فرص العمل، ونشاط اضافي لتحسين مستوى المعيشة، حيث أصبح اليوم يستقطب الكثير من سكان المدينة ومن خارجها للعمل في هذا القطاع.

وتمتلك مدينة عدن الكثير من مقومات الاستثمار في القطاع السمكي، وتعد من اكثر المحافظات الساحلية التي شهدت في السابق تنمية في هذا القطاع، حيث تتركز فيها بنى تحتية وتسهيلات عديدة، أسهمت في زيادة حجم هذا النشاط، ولكن طالها الإهمال خلال العقود الماضية اصبحت بحاجة الى الاستثمار في اعادة تأهيلها لخدمة نشاط الاصطياد والتسويق. وهناك فرص لإقامة الصناعات السمكية في مجالات التعليب، التجميد، التغليف، ومطحون الاسماك من نفايات الأسماك ومخلفات الأسواق والأسماك غير المرغوبة.

ويعتبر الاستزراع المائي أحد مجالات الاستثمار في القطاع السمكي، ويساهم في توفير الغذاء وفرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة، فكثير من المقومات الساحلية في عدن توفر فرص استثمارية لإنشاء مثل هكذا مشاريع سواء في ساحل ابين او على ساحل بندر عمران. ولا توجد انشطة سابقة على امتداد الساحل الجنوبي، مما يتطلب تشجيع رؤوس الاموال الوطنية والاجنبية للاستثمار في هذا النشاط الاقتصادي الحيوي الهام.

صناعة الملح البحري

تشكل صناعة الملح البحري أقدم الصناعات البحرية في عدن وتعود الى عام 1886، وهي بذلك تعد احدى صور الاستثمار في الاقتصاد الأزرق ومن وقت مبكر، وقد ساعدت ظروف المناخ وعناصر الطقس في استثمار هذه الصناعة وتنميتها، و أصبحت جزء رئيس من تاريخ مدينة عدن في جانبها الاقتصادي. ولكن هذه الصناعة تراجعت لظروف موضوعية لتبقى فقط في موقع واحد من ثلاثة مواقع لصناعة الملح البحري.

وحاليا صناعة الملح لا تستغل بطاقتها الكاملة مساحيا، وهي توفر فرص استثمارية في الوقت الحاضر مع تطور التكنولوجيا من خلال استغلال منتوج الملح الصافي في صناعات اخرى تطويرية مرتبطة بصناعة الملح كمادة خام، منها الصودا الكاوية، وكربونات الصوديوم، كما انها تدخل في صناعة المنظفات والصابون، والزجاج وكبريتات البوتاسيوم وصناعة الاسمدة، مما يعني امكانية اقامة مجمع كيماوي متكامل يوسع من قاعدة الاستثمار في هذه الصناعة.

السياحة البيئية والترفيهية

تتنوع الشواطئ البحرية في عدن وتشكل شواطئها رملية مواقع استجمام جاذبة ومياه صافية كونها تقع في خلجان بحرية، الى جانب تنوع كبير في الكائنات البحرية وخاصة منها الشعاب المرجانية التي تحيط بالجزر البحرية والرؤوس الجبلية المترامية وهذا يسهم في تأسيس استثمارات في سياحة الغوص البيئي والصيد الترفيهي.

ووجود المحميات البحرية والساحلية وحمايتها ينشط قطاع السياحة البيئية التي تستفيد من جمال الطبيعة والتنوع الحيوي والتراث الطبيعي التي تمتاز بها عدن، خاصة منها مشاهدة الطيور المائية في هذه المحميات، مع أهمية التوسع في أنشاء المحميات الطبيعية، وهذا يسهم في تحسين وتطوير ظروف حياة المجتمعات المحلية المجاورة، وزيادة تمويل أنشطة المحافظة على الطبيعة. كما ان الارث الثقافي والتاريخي التي تمتاز به عدن خاصة في المدينة القديمة (كريتر)، يسهم في تطوير الاستثمارات في صناعة السياحة الثقافية والتاريخية والترويج لها وتشجيع السياحة الداخلية.

وتنشيط القطاع السياحي يحتاج إلى العديد من الإجراءات لتعزيز السياحة بعموميتها من سياحة بيئية وتاريخية ودينية وتوفير الخدمات المستدامة. فغالبًا ما تعتمد جاذبية السياحة على عناصر عدة منها جودة الخدمات و توفرها، وهذا يتطلب الحاجة إلى ضخ استثمارات في هذا الجانب.

النقل البحري

تتعدد وسائل النقل البحري بحكم نشاط ميناء عدن، ولكن النقل المائي الخاص بنقل الركاب الى المناطق البحرية الترفيهية تعد احدى الفرص الاستثمارية لحركة التنقل بين المناطق الساحلية المختلفة في المدينة، من خلال وسائل النقل البحرية الخاصة بالركاب ومنها العبارات المعدة لهذا الغرض، مع وجود ارصفة لمحطات الركاب منتشرة في أكثر من موقع على امتداد النطاق الساحلي للمدينة. هذه الخدمة تلبي حاجة للمتنزهين وللسياح منهم بشكل خاص للتنقل الى المديريات الساحلية او الشواطئ المختلفة، مع إمكانية توسيع مساحة التنقل خارج مدينة عدن الى المحافظات الساحلية المجاورة وفق المعايير الدولية، وهذا سيسهم في تطوير قطاع النقل البحري والابحار الآمن للمسافرين.

الاستثمار في الخامات المعدنية

يعد الاستثمار في مجال الخامات المعدنية مثل استخراج خام الرمال السوداء من الفرص الاستثمارية الكبيرة في مجال التعدين سواء على الشريط الساحلي لعدن او على امتداد الشريط الساحلي الجنوبي بشكل عام، والتي تمتاز بتوفر خام الرمال السوداء التي تحتوي على معادن مستخلصة ذات قيمة اقتصادية عالية تستخدم في العديد من الصناعات الهامة مثل صناعة هياكل الطائرات، صناعة المحركات، الأصباغ، صناعة الأدوات الكهربائية، الأدوات الصحية وغيرها.

ومن المعادن المعروفة والمتواجدة في الرمال السوداء الالمينايت، الزركون، الايبيدوت، الكلاينوبيروكسين، الليكوكسين، التورمالين - الاسفين – المونازيت، وغيرها.

 

تهدف الورقة الى ابراز مواطن الفرص الاستثمارية في البيئة البحرية والساحلية لمدينة عدن، وتعزيزها من خلال مفهوم الاقتصاد الأزرق.

التعليقات (0)