ميناء عدن التاريخي بين عوامل النهوض ومراحل التدهور

ميناء عدن التاريخي بين عوامل النهوض ومراحل التدهور

من القرن السابع إلى التاسع الهجري/ الثالث عشر إلى الخامس عشر الميلادي

أ. د. طه حسين عوض هُديل

المقدمة:

كما هو معروف لدينا تاريخياً أن ميناء عدن من الموانئ التي كسبت صفة العالمية في بعض الحقب الزمنية الغابرة، وبلغت درجة نشاطه خلال بعض الفترات من العصر الإسلامي إلى مستوى أن يصبح نقطة ارتكاز بالنسبة للتجارة العالمية التي من الصعب تصريفها دون المرور عبر هذا الميناء المهم، ونتيجة لأهميته الدولية؛ وجهت إليه أنظار التجار والدول الكبرى، فكانت تصله سفنهم التجارية بشكل يومي أو أسبوعي، لتفريغ وشحن العديد من السلع ذات الأهمية في حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، لاسيما من دول الثقل التجاري في جنوب شرق آسيا والهند والسند وشرق أفريقيا والموانئ العراقية والعُمانية والمصرية والأفريقية الشهيرة، لهذا كسب هذا الميناء صفة العالمية التي كانت سبباً في بروز المدينة التاريخية عدن، وإنعاش محيطها التاريخي عامة، وما تعداه إلى عموم اليمن والجزيرة العربية التي كان ميناء عدن بمثابة منفذ رئيس لها ولتجارها وتجارتهم الرائجة في ذلك الوقت.

 وأمام كل ذلك؛ قد يتبادر إلى ذهن أي قارئ مهتم بنشاط ميناء عدن التاريخي سؤال مهم جداً يحتاج إلى دراسة جادة، وتحليل منطقي ومعقول، وهو كيف وصل ميناء عدن لدرجة العالمية خلال بعض الحقب الزمنية من التاريخ الإسلامي، وهل ارتبط هذا الأمر بالموقع الاستراتيجي الذي وهبته الطبيعة للميناء، وسمعة المدينة العالمية، أو سياسة الدولة الحاكمة لليمن وعدن في ذلك الوقت، أو نوعية الخدمات التي كان يقدمها هذا الميناء والجهات الإدارية العاملة فيه، أو التسهيلات التي حظي بها التجار الأجانب القادمين من مختلف بلاد العالم والتجار المحليين من قبل الحكام والولاة، أو الأنظمة والقوانين والأعراف التي سنّت من قبل الدولة والولاة لتنظيم العمل في هذا الميناء للحفاظ على حقوق الدولة والتجار المحليين والوافدين، أو نوعية البضائع التي كانت تصله، وكانت سبباً في تحويل المدينة إلى سوقاً تجارية عالمية تسافر إليها أمال التجار وطموحاتهم الطامعة في الكسب المادي والمعنوي، لنوعية تلك البضائع المطلوبة عالمياً، أو نتيجة لتنوع دور الميناء والخدمات التي كان يقدمها كموقع لتصريف البضائع، وتصدير السلع المطلوبة عبره، وطريق للمسافرين، ومحطة مركزية مهمة للحجاج والمعتمرين من مختلف دول العالم الإسلامي.

وفي الوقت نفسه، يظهر أمامنا سؤال آخر في الاتجاه المعاكس عن العوامل التي كانت سبباً في انحسار دور الميناء خلال بعض الحقب الزمنية، والتدهور والانهيار الذي ناله لأسباب قد يكون منها، ضعف الدولة وانهيارها خلال حكم بعض السلاطين، أو سوى الإدارة للميناء، وسياسة التعامل مع كبار التجار، وزيادة النسبة الضريبية على السلع الأساسية التي كانت أساس انتعاش السوق المحلية والدولية، أو الصراعات الداخلية والخلافات السياسية التي أثرت سلباً في حركة الميناء والسوق، وتجنب العديد من التجار النزول بسفنهم فيه، أو السفر عبره، مع ما شهدته السواحل اليمنية من انتشار مشبوه لحركة القرصنة البحرية القادمة جذورها من السواحل الشرقية الأفريقية أو من الهند، وانتشار ظاهرة المجورين وتهريب البضائع إلى السواحل اليمنية دون انزالها في ميناء عدن لتجنب دفع ما كان يفرض عليها من ضرائب ارهقت التجار واضعفت تجارتهم، أو ظهور موانئ منافسة لميناء عدن في سواحل المنطقة العربية التي أدت إلى ركود ميناء عدن؛ بعدما وجدوا تسهيلات دفعتهم إلى تغيير وجهة سفرهم عبر ميناء عدن وتفضيل السفر إلى غيره.

ونتيجة لكل ذلك جاءت فكرة كتابة هذه الدراسة للتعرف على العديد من الخفايا التي ارتبطت بميناء عدن، في محاولة للاستفادة من الإيجابيات التي كانت سبباً في بروز عدن كمدينة عالمية، وميناء دولي شهير، ولتحقيق ذلك تم تقسيم البحث إلى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة، تناولت في المبحث الأول أهمية ميناء عدن تاريخياً، وعوامل بروزه ونجاحه في المدة موضوع الدراسة، من خلال التعرف على السمعة الطيبة التي احتلها في ذلك الوقت كميناء عالمي بين الموانئ المعروفة، وأثر ما كان يكتب من قبل بعض المؤرخين والبلدانيين من ترويج غير مباشر للميناء والمدينة في مؤلفاتهم الخاصة، وما يمتاز به الميناء من أخبار جاءت عن: موقعه الهام، ونشاطه التجاري، وتجاره الأثرياء، وسفنه العظيمة، وأنظمته العادلة، وقوانينه النافذة، وأرباحه الكثيرة، وأمواله الوفيرة التي فتحت شهية تجار العالم للسفر إليه والعمل مع تجارة المحليين والوافدين، إضافة إلى ما حظي به هذا الميناء من اهتمام خاص من قبل الدول والحكام الذين تعاقبوا على حكم اليمن، وكانوا سبباً في تطوره ونهوضه، بعدما وجدوا فيه خير مصدر لخزينة الدولة التي منها تم إقامة المشاريع الحيوية، والمباني التعليمية والدينية، وتموين الجيوش وغير ذلك، فراحوا في تكثيف الزيارات الميدانية والتفقدية له، لتشجيع التجار والتخفيف عنهم، وتقديم التسهيلات، ورفع المظالم، ومعاقبة الفاسدين من الولاة والعمال المتلاعبين بشؤون الميناء والمتعاملين معه من التجار غيرهم، مع الإشارة إلى أهم القوانين والنظم التي سنها سلاطين الدولة الرسولية والتي كانت سبباً في تنظيم العمل في الميناء، بما يضمن حقوق الدولة والتجار، مع التشديد في تنفيذها، ومعاقبة المخالفين بأشد العقوبات أكانوا من التجار أو القائمين على الميناء نفسه من الموظفين والولاة وأصحاب المواقع المهمة فيه، حتى كانت تلك القوانين عاملاً مساعداً في ضبط العديد من الأمور التجارية، وأسهمت في أن يعرف التجار مالهم وما عليهم لاسيما تجار الكارم المصريين والتجار الهنود وغيرهم من المتعاملين مع ميناء عدن وغيرهم ممن فرضت عليهم شروط كثيرة في عمليات التفريغ والشحن والانزال للبضائع وتصديرها، علماً بأن من بين أهم أسباب نجاح هذا الميناء القدرات البشرية والإدارية والعمالية المتخصصة التي تحملت مسألة تشغيل الميناء وإدارة فروعه، ومن الملاحظ أن الترتيب الهرمي للعاملين في الميناء ساعد في عملية عدم تداخل المهام بين الموظفين، وأوجد هذا الأمر نوع من التخصصات المهنية التي كانت سبباً في نجاح العمل في الميناء، فكان هناك والي للميناء يعين من قبل السلطان، فيأتي على رأس الهرم الوظيفي، وشيوخ للفرضة، وضامنين، ونواخيذ، وبحارة، وكُتّاب بكافة تخصصاتهم، ومحاسبين، ووزانين، وعشارين، وزراقين، و مجدفين، وطباخين، وصناع، وحمالين، ومفتشين من الرجال والنساء، ومبشرين، وعمال مخازن، وعمال تفريغ وشحن، وعمال خدمات، وحرس للميناء ولبضائع التجار وغيرهم الكثير، وعلى ما يبدو أن من أمور شهرة الميناء وبروزه في ذلك الوقت أيضا –كما لاحظنا – نوعية البضائع والسلع التجارية النادرة التي تعامل بها الميناء مع موانئ العالم، وهي بضائع كانت مطلوبة عالمياً، واكتسبت شهرة بحكم دخولها في الأمور الحياتية للناس، والضروريات الخاصة والعامة، وهو ما لاحظناه من خلال زيادة الطلب عليها، لاسيما البهارات التي تخصص بها أغنياء العالم في ذلك الوقت من تجار الكارم، وقد شكل الجانب التنظيمي لمدينة عدن سبباً أخر في زيادة توافد التجار على المدينة التي كانت مهيأة للعيش الكريم بعدما توافر فيها الماء العذب الصالح للشرب، الذي يعد الأساس في حياة الناس ومعيشتهم، إضافة إلى الشوارع المنظمة، والحواري المنسقة، والأسواق العامة والمتخصصة، والمدارس العريقة، والمساجد العتيقة، والأربطة والفنادق وغيرها من الأمور التي جعلت من عدن مدينة حضارية آمنة قابلة لاستقبال الوافدين عليها من التجار والعمال وغيرهم والاستقرار فيها بشكل دائم أو مؤقت، وما اسهاب المصادر التاريخية والجغرافية في ذكر عدن ومميزاتها كمدينة تجارية مكتملة الأركان إلا خير دليل على أن هذا الأمر كان من الأسباب الرئيسة للازدهار الذي شهده مينائها التجاري، فمتى ما وجد الاستقرار والأمان والعدل والبناء والمعمار؛ أمن التجار على أنفسهم وثرواتهم التي تستثمر في ظل هذه الوضع المطلوب لأي مستثمر أو تاجر كبير أو بسيط. 

أما المبحث الثاني فقد درست فيه مراحل التدهور والانهيار التي شهدتها مدينة عدن ومينائها خلال بعض الفترات الزمنية، في محاولة لمعرفة الأسباب، التي قد يكون لسياسة بعض الحكام وولاة الميناء ومشايخه دور فيها، حيث أثر الظلم على بقاء بعض التجار في عدن، وزادت رغبة بعضهم لنقل تجارته واستثماراته إلى موانئ ومدن أخرى لم تكن بذلك المستوى الذي بلغه ميناء عدن بسبب الأوضاع المتردية، وشكلت الصراعات السياسية، وفقدان الأمن الذي شهدته مدينة عدن سبباً آخر في خمول حركة التجارة في مينائها، بعد أن أصبحت استثمارات التجار ومصالحهم في خطر كبير لعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وقد زاد من سوء سياسة عدد من الحكام قيام بعضهم باحتكار تجارة بعض السلع التجارية المهمة في حياة الناس، وأصبحوا هم المتحكمين في سوقها واستيرادها وتصديرها وأسعارها، مما حرم العديد من التجار المتاجرة بمثل هذه السلع التي أصبح تجارتها حصرياً على الحكام فقط، علماً بأنه كان للأخطار التي تعرضت لها سفن التجار في البحر بسبب ضعف الدولة وأمنها البحري دور في عزوف العديد منهم عن عدن، وزيادة رغبتهم لتجنب السفر إلى اليمن، وتغير وجهتهم للمناطق الأمنة في البحر التي وصل الأمر ببعض حكامها إلى محاربة ميناء عدن رغبته منهم في تدميره اقتصادياً، في حين حرص العديد من الحكام على تأمين خطوط التجارة البحرية من لصوص البحر من خلال نشر دوريات بحرية اُعتمد فيها على سفن الشواني العسكرية المعروفة في ذلك الوقت، وعلى الرغم من حرص حكام اليمن في التعامل مع تلك السفن لتأمين السواحل اليمنية؛ إلا أن اليمن شهدت خلال بعض الفترات انتشار لسفن لصوص البحر من القراصنة، وسفن المجورين الذين تخصص بعضهم في تهريب البضائع التجارية لتجنب التجار دفع الضرائب المفروضة عليهم، واتجاه بعضهم لأساليب القرصنة وابتزاز التجار في عرض البحر، حتى شكل ذلك واحد من أهم أسباب ضعف وركود ميناء عدن خلال تلك الحقبة الزمنية.

وعلى أية حال، فقد انهيت دراستي هذه بالمبحث الثالث الذي وضعت من خلاله تصور تقريبي لما يمكن تقديمه لإعادة المكانة التاريخية للميناء والمدينة، بالاعتماد على ما تم تناوله من معطيات تاريخية وأمثلة وتحليلات حول حقب التطور والانهيار التي مر بها الميناء والمدينة خلال مراحل التاريخ الإسلامي عامة، وخلال مدة الدراسة خاصة، وختمت دراستي هذه بخاتمة لخصت من خلالها أهم النتائج والاستنتاجات التي توصلت إليها، وعدد من الملاحق والخرائط لموقع الميناء والمدينة بالنسبة لمناطق الثقل التجاري العلمي، والجزيرة العربية، وقائمة بالمصادر والمراجع التي تم العودة إليها في دراستي هذه.

التعليقات (0)