نُظم الدخول والمغادرة للسفن في ميناء عدن .. عصر دولتي بني أيوب وبني رسول (1)

نُظم الدخول والمغادرة للسفن في ميناء عدن

"عصر دولتي بني أيوب وبني رسول "

569- 858هـ

 د.عبد الحكيم محمد ثابت العراشي([1])

الملخص:

 تناول هذا البحث دراسة نظم الدخول والمغادرة للسفن بميناء عدن في عصر دولتي بني أيوب وبني رسول، حيث تم إعطاء لمحة عن أهمية عدن ومينائها، وكذلك دراسة تطور النظم المختلفة لميناء عدن في عصر الدول المستقلة، ابتداءً من عصر بني زياد وانتهاءً بالعصر لرسولي.

 بعد ذلك تم توضيح النظم المعمول بها في ميناء عدن لدخول السفن والمسافرين، حيث تبدأ بمراقبة السفن القادمة، ومن ثم التحري عن تلك السفن والمسافرين وكذلك مرحلة الانتظار، ونزول المسافرين وتفتيشهم، وانتهاءً بالسماح لها بالرسو وتفريغ حمولتها.

 كما تم دراسة نظم مغادرة السفن والمسافرين للميناء، حيث تبدأ بإشعار إدارة الميناء قبل موعد السفر بثلاثة أيام، وكذلك رفع العلم فوق السفينة، وعندما يحين انطلاق السفينة لا يسمح لها بالمغادرة إلا بعد إتمام إجراءات المغادرة، كما لا يسمح لأي أحد المغادرة إلا بعد استكمال وثائق السفر.

كلمات مفتاحية: (نظم، دخول، مغادرة، ميناء).

Abstract:

 This study dealt with the system of entry and exit of ships from the port of Aden during the Ayyubids and rasulids period this study have been divided in to preface and three topics.

The importance of Aden and its port was studied in the preface, and in the first topic, the rules in the port of Aden were dealt during the study period.

 The second topic dealt with the ships entering to the port of Aden, while the third discussed the ships departure from the port of Aden.

 The study were ended with conclusion, which included the main findings of the study.

المقدمة:

عُرف ميناء عدن بأهميته التجارية منذ أقدم العصور؛ نتيجة لما تمتع به من موقع جغرافي مميز يقع في قلب خطوط التجارة الدولية، فكان محطة مهمة لتجارة العبور بين الشرق والغرب، كما أدى دور الوسيط التجاري مع كثير من البلدان والشعوب؛ وهو ما حققت له الريادة والصدارة في مجال التجارة الدولية.

فمن المفاخر التي كان يزهو بها ميناء عدن الاهتمام المتزايد بأنظمته الإدارية والمالية والأمنية، وأنظمة الدخول والمغادرة، حيث وجد به مؤسسات متعددة لإدارته، فقد تم وضع اللوائح وسُنّت القوانين الكفيلة بتسيير العمل فيه، هذا بالإضافة إلى اتِّباع سياسة جمركية تتناسب مع طبيعة المرحلة من جهة، ومع الحركة التجارية من جهة أخرى.

ومع أن النشاط التجاري لهذا الميناء قد نال اهتمامًا كبيرًا من الباحثين؛ إلا أنه لايزال حقلًا بكرًا في العديد من جوانبه المختلفة. وحسبنا في هذه البحث دراسة "نظم الدخول والمغادرة للسفن في ميناء عدن عصر دولتي بني أيوب وبني رسول".

يهدف هذا البحث إلى التعريف بالنظم المتبعة في ميناء عدن لدخول السفن وخروجها، والكشف عن روائع هذه النظم، وكيف كانت تسير بطريقة محكمة، وهذا معناه أن هذا البحث لا يهدف دراسة التنظيمات المالية والإدارية والأمنية للميناء، بل اختص بأنظمة دخول السفن والمغادرة.

وتكمن أهمية هذا البحث في كونه يكشف عن تجربة تاريخية من تجارب الحضارة الإسلامية لأنظمة الموانئ, فهي تبيِّن مدى الدقة والحرص في الأنظمة والكشف عن الغاية الرئيسة من هذه النظم.

وقد اتبع في هذا البحث المنهج التاريخي، والمزاوجة بينه وبين التحليلي من خلال استحضار الروايات التاريخية، ومن ثم إخضاعها للتحليل بهدف إعطاء صورة متكاملة عن تلك النظم.

وقد تم تقسيم البحث إلى تمهيد وثلاثة مباحث فجاءت كالآتي:

التمهيد - أهمية عدن ومينائها.

المبحث الأول - تطور النظم في ميناء عدن.

المبحث الثاني - نظم دخول السفن إلى الميناء.

المبحث الثالث - نظم مغادرة السفن للميناء.

التمهيد - أهمية عدن ومينائها:

تميزت عدن بموقع استراتيجي مهم، احتلت به أفضل موقع عالمي مشرف على أهم الممرات الملاحية، حيث تقع في الجزء الجنوبي الغربي من اليمن وشبه الجزيرة العربية، مما جعلها تطل على كل من البحر العربي المتصل بالمحيط الهندي، وخليج عدن شرق باب المندب ([2]) الذي يعد المدخل الرئيس للبحر الأحمر من الجنوب والمعروف بأهميته الملاحية بالنسبة لحركة التجارة العالمية([3]). وبذلك شكلت عدن وميناؤها بوابة جزيرة العرب الجنوبية، وحلقة وصل متوسطة بين الشرق والغرب، فقصدته السفن التجارية من مختلف البلدان، وأدّى دورًا مهمًا في حركة النقل التجاري، وازدهار التجارة العالمية، لهذا فقد كان لموقع عدن المتميز أثره في جعلها مدينة مفتوحة للتجارة، وسوقًا تجاريًا مهمًا منذ أقدم العصور التاريخية، حيث عُدّت عدن أقدم أسواق العرب ([4])، فقد كانت سوقًا وميناءً لكبار تجار اليونان والرومان، فكانوا يقصدونها في رحلات منتظمة من مصر، كذلك كانت عدن مركزًا لتبادل السلع الإفريقية والهندية والمصرية، ومكانًا تبحر منه السفن إلى الهند ([5]) لذا فقد وصفت بأنها بلد التجارة ([6]).

وقد استفاض الرحالة والجغرافيون والمؤرخون - العرب والمسلمون - بذكر أهمية موقع عدن ومينائها بالنسبة لخطوط التجارة،، فذكروا أن عدن هي فرضة ([7]) اليمن وخزانة المغرب ومعدن التجارة ([8])، وخزانة بضائع الهند والسند والصين والعراق وعمان والبحرين ومصر وجدة وفارس والزنج ([9]) والحبشة ([10])، كما وصفت بأنها:"من أعظم مراسي الدنيا"([11])، وبحكم هذا الموقع الاستراتيجي المهم الذي يقع في قلب خطوط المواصلات الدولية، فقد مكَّن عدن القيام بدور الوساطة التجارية بين معظم البلدان، ففيه كان يتم التبادلات السلعية المختلفة.

المبحث الأول

تطور النظم في ميناء عدن:

لقد فرضت المعاملات التي كانت تتم في ميناء عدن إيجاد إجراءات وأنظمة لتسير هذه المعاملات وضمان الحقوق، وكذلك وضع قوانين لحماية الإجراءات والأنظمة وردع كل من تسول له نفسه عرقلة الحركة التجارية أو المساس بطرقه الملاحية ([12])، ومن المعروف أن أي نظم تكون بسيطة بداية الأمر، فتتدرج بمراجل لتصل إلى مرحلة متطورة، وهذا ما حصل لنظم ميناء عدن، كما أن زيادة الازدحام عليه، واعتماد الدول في دخلها عليه بشكل كبير، كان لزامًا وضرورة وجود نظم تنظم العمل وتنشط الحركة التجارية.

لقد أدرك حكام الدول الإسلامية التي حكمت اليمن أهمية عدن كميناء مهم, يحقق لهم الأرباح ويرفد خزائنهم, فاهتموا به, وعملوا على تنظيمه، ونشروا الأمن حوله، حيث بدأ هذا الاهتمام منذ عصر الدولة الزيادية (204- 412هـ)، فنتج عن ذلك تحول السفن التجارية إليه لقربه من مواني المحيط الهندي, بعد أن كان اتجاهها للموانئ اليمنية الأخرى وكذا الحجازية على البحر الأحمر([13])، مما أدى إلى انتعاش الحركة التجارية في ميناء عدن.

إلا أن التحول الكبير حدث في عصر الدولة الصليحية (439- 569هـ)؛ إذ تم بذر البذور الأولى للسياسة الجمركية لمدينة عدن عامة، وميناء عدن خاصة، وبدأت تتشكل النظم الجمركية، فتم - لأول مرة - تسمية العشور التجارية لمدينة عدن([14]).

كما يعد عصر الدولة الزريعية (476-569هـ) عصر التنظيم الإداري والمالي لعشور التجارة، وبداية تأسيس جمرك ميناء عدن كمؤسسة اقتصادية، حيث نظم الزريعيون عملية تحصيل العشور، كما عملوا على تصنيفها، ووضعوا تقديرًا دقيقًا لعشور كل سلعة من السلع على حده، وهذا النظام هو ما يعرف اليوم بالتعرفة الجمركية المعمول بها في مطارات وموانئ العالم. فقد تم تجديد واستحداث قوانين ضرائبية متعددة، وقد أُوكلت هذه المهمة إلى رجل يهودي، يدعى فلان اليهودي، وقيل خلف اليهودي النهاوندي([15]).

ومما هو جدير الإشارة إليه أن دولة بني زياد ومن ثم الزريعيين والصليحيين قد انصب اهتمامهم على تنظيم العشور بدرجة رئيسة، لكن التحولات الجوهرية للنظم حدثت في عصر الدولة الأيوبية (569-626هـ)، فقد اهتموا بعشور التجارة المتحصلة لهم من موانئ اليمن عامة، وميناء عدن على وجه التحديد. فعندما دخل الجيش الأيوبي عدن، أصدر الملك توران شاه ([16]) (569-571هـ) أوامره إلى جنده بعدم العبث بها ونهبها، فخاطبهم بقوله: "ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لنملكها ونعمرها وننتفع بدخلها" ([17]).

ومن الأعمال التي قام بها الأيوبيون هي تلك التي قام بها نائبهم على عدن الأمير عثمان ابن علي ([18]) الزنجيلي حيث بنى أرصفة وقام بتسوير مساحات الميناء (الفرضة)، ليتم عندها تفريغ السفن المحملة بالبضائع التجارية ([19]) وجعل لها بابين: باب الساحل المعروف باب الفرضة تدخل منه البضائع التجارية قبل أن تؤخذ العشور عليها، وباب إلى البر- إلى داخل المدينة - تخرج منه البضائع التجارية بعد دفع العشور المقررة عليها ([20])، كما بنى الأمير عثمان حول مدينة عدن عددًا من الأسوار لمنع عمليات تهريب البضائع التجارية من البحر إلى داخل المدينة لتفادي دفع العشور التجارية ([21])، وفضلًا عن ذلك فقد بنى الأيوبيون عددًا من المنشآت المهمة، وهي عبارة عن دواوين لإدارة العمل، ومستودعات لخزن البضائع ([22]).

أما في عصر الدولة الرسولية (626 - 858هـ)، فقد أدرك سلاطين بني رسول أهمية العشور كمورد مالي رئيس يرفد خزانتهم، وحرصوا على تنمية دخل التجارة الخارجية الواصلة إلى ميناء عدن. والذي يدرس وثائق نور المعارف ([23]) سرعان ما يكتشف أن بناء الدولة الرسولية لأنظمة ميناء عدن قد صيغ بطريقة مبتكرة وحديثة على عصرها، يكاد ينافس جمارك الموانئ الحديثة من حيث طبيعة العمل والتنظيم مع الأخذ بعين الاعتبار الوسائل المتوافرة في خدمة جمارك الموانئ الحديثة.

صفوة القول؛ إن ميناء عدن مر بمراحل متعددة من التنظيم والتطوير، فقد كان في البداية عبارة عن مرفأ يستقبل البضائع فيؤخذ عليها الضرائب بطرق غير منظمة، ولكن في عصر الدولة الزريعية حدثت تطورات في مختلف جوانب التنظيمات الإدارية والمالية، ثم واصل الأيوبيين والرسوليين عملية التطوير، فقد شهد عصرهما اهتمامًا متزايدًا بميناء عدن وبأنظمته الإدارية والمالية، حيث عملوا على إيجاد مؤسسات متعددة لإدارته، كما وضعوا اللوائح المنظمة، وسنَّوا القوانين الكفيلة بتسيير العمل فيه.

المبحث الثاني

نظم دخول السفن إلى الميناء

هناك عدد من الإجراءات التنظيمية لدخول السفن إلى الميناء تبدأ من مراقبة قدومها وتنتهي بالرسو وتفريغ حمولتها، نوضحها بالآتي:

  • نظام مراقبة السفن القادمة إلى الميناء:

يتم مراقبة السفن عن طريق شخص حاد البصر يقف على رأس جبل المنظر الذي يطل على الفرضة، ويطلق على هذا الشخص الناطور أو الناظور ويستطيع هدا الشخص التعرف على السفن القادمة عن طريق استخدام عود يجعله أمام ناظريه بوضع ثابت، فاذا شاهد جسمًا في عرض البحر قاسه على العود، فإن تحرك عن العود أدرك أنه ليس بمركب، فقد يكوون طيرًا أو غيره، وإن ظل ثابتًا فهو مركب، ويكون وقت المشاهدة في الصباح أو المساء، حيث يكون شعاع الشمس على سطح البحر، وبذلك تتبين الأجسام البعيدة ([24]).

وعندما يتأكد الناطور من أن القادم هو سفينة، يصيح على صاحب له يكون أسفل منه بصوت قوي يردد فيه كلمة هيريا...ياهيريا، وهذا يفعله الشخص الثاني مع الشخص الثالث، والناطور الثالث يردد هذه الكلمة حتى تصل إلى الشخص الرابع الذي يطلق عليه الجوَّاب، وهو الذي يقوم بنقل الخبر إلى الوالي ([25]).

والسؤال المطروح هنا هو لماذا يصيح الناطور عن مشاهدته للسفينة القادمة بكلمة هيريا؟.

لقد أشار أحد الباحثين ([26]) أن ترديد هذه الكلمة للدلالة على الفرحة والابتهاج، ويبدو أن هذا التفسير ليس منطقيًّا، ويكفي الإطاحة بهذا الرأي هو أن قدوم السفن ليس بغريب عن أهالي عدن إلى درجة أنهم يبتهجون بقدوم سفينة؛ لأن قدوم السفن يعدُّ أمرًا مألوفًا لهم، لحيث وأن عدن تستقبل عشرات السفن أسبوعيًا. ولعل ما يؤكد ذلك ما ذكره ابن فضل الله العمري ([27]) الذي أشار إلى أنه لا يمر أسبوع وميناء عدن خالي من السفن المزدحمة، وهذا يدل على أن ظاهرة قدوم السفن إلى عدن مألوفة لا تجعل أهلها يتعجبون ويفرحون بقدومها.

ومن المحتمل أن مراقبة السفن من قبل الناطور والصياح بكلمة هيريا ذات دلالة تنظيمية، ولعل ما يؤكد ذلك البراهين الآتية:

  • إن إطلاق كلمة الناطور على الشخص الذي يقوم بالمراقبة ذات دلالة وظيفية، أوكلت إليه مهمة مراقبة السفن، وإلا لكان أطلق عليه شخص للدلالة على أنه من عامة الناس من عدن.
  • الناطور لفظ أعجمي تكلمت به العرب وأصلها الناظور دلالة على من ينظر إلى شيء ويراقبه ([28])، وهو الحافظ كمثل الذي يحفظ البستان ([29])؛ أي أنه حارس، وهذا ما أكده أفندي ([30]) الذي ذكر بأن الناطور هو الحارس.
  • إن تخصيص مجموعة أشخاص لهذه المهمة ذات دلالة تنظيمية، وهذا ما يدل عليه تنظيمهم وترتيبهم على مسافات، بحيث تكون المسافات بين الشخصين قابلة لسماع صوت كل وأحد منهم للآخر، كما أن ترتيبهم على مواقع محددة تبدأ من أقرب نقطة مطلة على البحر وينتهي هذا الترتيب إلى الوالي، تدل على تنظيم ومهام يقوم بها هؤلاء الأشخاص في إطار عملهم.
  • إن انتهاء الخبر إلى والي المدينة والذي بدوره يخرج لإشعار عمال الميناء يدل على تنظيم محكم.

 مما سبق يتضح أن فرضة عدن أقامت مراصد لمراقبة السفن، يقوم بها عدد من العاملين، ومهمتهم رصد السفن قبل اقترابها من الفرضة، حتى يتسنى لإدارة الميناء الاستعداد لاستقبالها وإجراء قوانين التفتيش والرسوم في الفرضة.

  • نظام معرفة حجم السفينة القادمة:

من أولويات الفرضة هو معرفة حجم السفينة القادمة، والهدف من ذلك هو كما أشار إليه أحد المصادر ([31])، فقد ذكر أنه إذا كانت السفينة التجارية القادمة من النوع الكبير لا يسمح لها بتجاوز منطقة معينة في الميناء حتى لا ترتطم باليابسة، ويتم تفرغ بضاعتها في قوارب صغيرة يتم تحميلها إلى الفرضة.

مما سبق يتضح الآتي:

  • وجود قوانين تتحكم بالسفن قبل دخولها الفرضة.
  • وجود إجراءات السلامة التي تضمن رسو السفن بأمان.
  • وجود دراسات دقيقة لوضعية الميناء، ومنها دراسة البنية التضاريسية للميناء، ولعل ما يدل على ذلك المعرفة التامة بعمق مياه الفرضة.
  • نظام إثبات الهوية:

قبل أن تصل السفينة إلى الميناء يتجه إليها موظفو التفتيش والذين يعرفون بـ"المبشرين"، حيث يركبون السنابيق ([32])، وعندما يصلون يصعدون إليها للتحري وجمع معلومات أولية عن السفينة وما على متنها من بضائع وركاب ومتاع خاص بالسفينة، ومن أهم المعلومات التي كان يهتم بها المبشرين الآتي ([33]) :

  • تدوين اسم قائد السفينة.
  • البلد التي انطلقت منه السفينة.
  • تدوين أسماء التجار وجميع الأشخاص.
  • تدوين أنواع البضائع.
  • تدوين أي متاع يوجد على السفينة غير البضائع.

وهذه المعلومات أولية تهدف إلى التعرف على البلد الذي انطلقت السفينة منه وكذلك هوية الركاب وما يحملونه من بضائع ومتاع.

بعد الرصد تؤخذ هذه البيانات لتعرض على والي المدينة حتى يأذن بدخول السفينة إلى الميناء، فترفع عنها أشرعتها ودفتها وتحفظ لدى المسؤولين في المدينة حتى يتحققوا من صحة البيانات المدونة ([34])، وترسي السفينة بمرسى للانتظار.

  • نظام الانتظار:

 يذكر ابن المجاور([35]) أن البضائع لا تنزل الفرضة إلا بعد ثلاثة أيام، ولم يذكر سبب ذلك، وعلل أحد الباحثين ([36]) ذلك إلى استيفاء عملية العدّ والوزن.

ويبدو أن سبب الانتظار ثلاثة أيام حتى يتم استيفاء عملية العد والوزن تبرير غير مقبول، فمن غير المعقول أن تحدد مدة زمنية بثلاثة أيام لهذا العمل؛ لأنه يوجد اختلاف بحجم السفينة وكمية البضاعة التي تحملها، ومن هنا يصعب قبول أن تكون تلك المدة للسفينة كبرت أم صغرت، وكثرت البضاعة التي على متنها أم قلت.

وعلى هذا الأساس فإن عملية الانتظار ما هي إلا عملية تنظيمية، تهدف تنظيم الدخول إلى الجمرك، وتخفيف الازدحام عليه في حالة دخول السفن دفعة وأحدة، خاصة أذا ما عرفنا أن هناك أعدادًا كبيرة تدخل ميناء عدن في الأسبوع الواحد، ولعل ما يؤكد ذلك ما ذُكر في أحد المصادر([37])، حيث ذكر أنه لا يمر أسبوع على ميناء عدن وهو خالٍ من المراكب المزدحمة التي لا يمكن لها أن تفرغ شحنتها دون الانتظار على مرافئه لكثرتها. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تنظيم الدخول، حيث تدخل مجموعة من السفن لتفريغ حمولتها، وتبقى السفن الأخرى في الانتظار حتى تنتهي السفن الراسية في الميناء فتخرج، وتدخل السفن التي في الانتظار، وهكذا.

 وعلى هذا الأساس نستطيع القول إن السفن القادمة إلى ميناء عدن تمر بمرحلة الانتظار، والهدف من ذلك هو تفريغ السفن بحسب الأولوية تجنبًا للازدحام في الإجراءات الجمركية.

  • نظام الدخول إلى المرفأ:

 بعد أن تفرغ السفن الراسية في المرفأ حمولتها تدخل سفن من الانتظار لتفرغ حمولتها، لكن السؤال المطروح هو هل تدخل سفينة واحدة للرسو؟.

إن الإجابة على هذا السؤال تكون بالنفي، فمن غير المعقول أن تدخل سفينة واحدة لتفريغ حمولتها، وعلاوة على ذلك لابد الأخذ بعين الاعتبار أن هناك سفنًا تقوم بعملية شحن البضائع، لهذ فهناك أكثر من مرسى للوقوف، سواءً للسفن التي تفرغ البضائع أو التي تشحن، وكذلك السفن التي أكملت تفريغ بضاعتها ومنتظرة وقت الإقلاع، ولعل ما يؤكد تعدد مراسي الوقوف ما ذكره ابن فضل الله العمري([38]) من وجود مرافئ كثيرة.

نُظم الدخول والمغادرة للسفن في ميناء عدن .. عصر دولتي بني أيوب وبني رسول (2)


([1]) أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية المشارك بكلية الآداب- جامعة عدن.

([2]) باب المندب: هو مضيق وخليج يقع بين الشيخ سعيد وجزيرة ميون في ساحل البحر الأحمر من جنوبه ما بين المخا وعدن. الحجري، محمد بن أحمد، مجموع بلدان اليمن وقبائلها، تحقيق: إسماعيل علي الأكوع، وزارة الإعلام والثقافة، صنعاء، 1404هـ/1984م، ص720؛ الأكوع، إسماعيل بن علي، اليمن الخضراء مهد الحضارة، ط1، مكتبة الإرشاد، صنعاء، 1429هـ/ 2008م، ص79.

([3]) مكاوي، هيفاء عبد القادر، التحصينات العسكرية لمدينة عدن في الفترة الإسلامية، دراسة تاريخيةـ أثرية، معمارية، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة عدن، عدن، 2007م، ص6.

([4]) الهمداني، أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب (ت:360هـ)، صفة جزيرة العرب، تحقيق: محمد بن علي الأكوع، دار اليمامة، الرياض، ص70.

([5]) العبدلي، أحمد بن فضل بن علي، هدية الزمن في أخبار ملوك لحج وعدن، دار العودة، ط2، بيروت، 1400 هـ/ 1980م، ص17.

([6]) الإدريسي، محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الحسني الطالبي (ت: 560هـ)، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، عالم الكتب، ط1، بيروت، 1409هـ، ص54؛ أبو الفداء، إسماعيل بن علي ( ت: 732هـ)،، تقويم البلدان، تحقيق: رينود والبارون ماك كوكوين ديسلان، مكتبة ببلهون، بيروت، (د. ت)، ص93.

([7]) الفرضة: هي محط إرساء السفن على البحر والمكان الذي يتم فيه فحص البضائع الواردة وتقدير العشور عليها. بامخرمة، أبو محمد الطيب بن عبد الله (ت:947هـ)، تاريخ ثغر عدن، تحقيق: أوسكر لوفجرين، دار التنوير، ط2، بيروت، 1407هـ/1986م، ص14. ويقال إنها الثلمة في البحر, ترسوا بها المراكب والبواخر كالخليج. ينظر: دهمان، محمد أحمد، معجم الألفاظ التاريخية في العصر المملوكي، دار الفكر المعاصر، بيروت/ دار الفكر، دمشق، 1410هـ/1990م، ص118.

([8]) المقدسي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر (ت: 390هـ)، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مطبعة بريل، ط2، ليدن، 1906م، ص85.

([9]) الزَّنج: هي بلاد الزنج، تقع بالقرب من بحر الهند جهة الجنوب. ياقوت الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (ت:626هـ)، معجم البلدان، دار إحياء التراث العربي، ط2، بيروت، 1995م، ج1، ص343.

([10]) ابن خرداذبة، أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله (ت في حدود: 300هـ)، المسالك والممالك، مطبعة بريل، ليدن، 1889م، ص70 - 71؛ ابن فضل الله العمري (ت:749هـ)، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار " القسم الخاص بمملكة اليمن"، تحقيق وتقديم : أيمن فؤاد سيد، دار الاعتصام، ص53؛ الحميري، محمد عبدالمنعم (من مؤرخي القرن الثامن)، الروض المعطار في خبر الأقطار: معجم جغرافي، تحقيق: إحسان عباس، مكتبة لبنان، بيروت، 1984م، ص408؛ القلقشندي، أحمد بن علي بن أحمد (ت:821هـ)، صبح الأعشى في صناعة الإنشا، نسخة مصورة عن المطبعة الأميرية، مطابع كونستاتوماس، القاهرة، 1383هـ/1963م، ج5، ص9.

([11]) ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار، ص50.

([12]) لمزيد من المعلومات عما تتعرض له الطرق الملاحية لميناء عدن وإجراءات الدولة لحمايتها. ينظر: هُديل، طه حسين عوض،" القرصنة البحرية في اليمن في العصر الإسلامي من القرن السادس إلى القرن العاشر الهجري/ القرن الثاني عشر إلى القرن السادس عشر الميلادي"، بحث منشور في مجلة جامعة ذمار للدراسات والبحوث الإنسانية، جامعة ذمار، ذمار، العدد (14)، يناير 2012م، ص231 - 252؛ العراشي، عبد الحكيم محمد ثابت، " تأمين الطرق الملاحية لميناء عدن منذ منتصف القرن السادس إلى منتصف القرن التاسع الهجري"، بحث منشور ضمن كتاب دور عدن البحري عبر التاريخ (بحوث الندوة العلمية الأولى لمركز عدن للدراسات والبحوث التاريخية والنشر، 25 مايو 2017م)، مركز عدن للدراسات والبحوث التاريخية والنشر، عدن، 2018م، ص149 - 177.

([13]) ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار، ص50.

([14]) عمارة, نجم الدين عمارة بن علي (ت: 579ه), تاريخ اليمن المسمى المفيد في أخبار صنعاء وزبيد وشعراء ملوكها وأعيانها وأدبائها، تحقيق: محمد بن علي الأكوع، مطبعة السعادة، ط2، (د. ب)، 1396هـ/ 1976م، ص124، 172.

([15]) ابن المجاور، جمال الدين أبي الفتح يوسف بن يعقوب بن محمد (ت بعد: 626هـ), صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز المسماة تاريخ المستبصر، اعتنى بتصحيحها: اوسكرلوفجرين، دار التنوير، ط2، بيروت، 1407هـ/1986م، ص140.

([16])  توران شاه : شمس الدولة توران شاه بن أيوب بن شاذي بن مروان الملقب فخر الدين, وهو أخو صلاح الدين وكان أكبر منه، توفى بالإسكندرية سنة 576هـ؛ ابن خلكان, أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد (ت: 681هـ), وفيات الأعيان وأنباء الزمان، حققه وعلق عليه ووضع فهارسه: محمد محي الدين عبد الحميد، ط1, ( د. ب)، 1367هـ/ 1946م،ج1، ص 273 - 276.

([17]) ابن الأثير, علي بن محمد بن محمد(ت: 630هـ), الكامل في التاريخ، دار الكتاب العربي، ط3، بيروت، 1400هـ/ 1980م، ج9, ص152.

([18]) هو الأمير عثمان بن علي الزنجيلي المعروف بأبي عمرو، تولى نيابة عدن من قبل السلطان الملك شمس الدولة توران شاه الأيوبي سنة 570هـ، وبقي أميرًا على عدن إلى أن هرب منها سنة 579هـ، توفي ببلاد الشام سنة 583هـ. ينظر: ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص127؛ ابن عبد المجيد, تاج الدين عبد الباقي (ت: 744هـ)، بهجة الزمن في تاريخ اليمن، تحقيق: عبدالله محمد الحبشي ومحمد أحمد السنباني، دار الحكمة اليمانية- صنعاء، ط1، سنة 1408هـ/ 1988م، ص131-133؛ الفاسي, محمد بن أحمد الحسني (ت: 832هـ)، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام، تحقيق: سعيد عبدالفتاح عاشور، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط1، مكة المكرمة، 1417هـ/ 1996م، ج5, ص173- 174.

([19]) حماد، أسامة أحمد، مظاهر الحضارة الإسلامية في اليمن في العصر الإسلامي "عصر دولتي بني أيوب وبني رسول"، مركز الإسكندرية للكتاب، ط1، الإسكندرية، سنة 1425هـ/ 2004م، ص155.

([20]) ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص128؛ عسيري, محمد بن علي مسفر, الحياة السياسية ومظاهر الحضارة في اليمن في العصر الأيوبي ( 569 - 626هـ/ 1174 - 1229م)، دار المدني، ط1، جدة، 1405هـ/ 1985م, ص245.

([21]) الشمري، محمد كـريم إبراهيم، " الإجـراءات الأمنية لحماية التجارة والتجار في ميناء عـدن خلال العصر الأيوبي, 569- 626هـ/ 1173 – 1228م، مجـلة المؤرخ العربي، بغداد، العـدد (45)، 1413هـ/ 1993م، ص35 - 36.

([22]) ابن المجاور، تاريخ المستبصر, ص142.

([23]) عن ذلك ينظر: نور المعارف في نظم وقوانين وأعراف اليمن في العهد المظفري الوارف، تحقق: محمد عبد الرحيم جازم، المعهد الفرنسي للآثار والعلوم الاجتماعية، ط1، صنعاء، 2003م، ج1، ص 508 وما بعدها.

([24]) ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص138؛ بامخرمة، تاريخ ثغر عدن، ص56.

([25]) ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص138؛ بامخرمة، تاريخ ثغر عدن، ص56.

([26]) الشمري، محمد كريم، زهور السوسن في تاريخ عدن، دار جامعة عدن، ط1، عدن، 2004م، ص149.

([27]) مسالك الأبصار، ص157.

([28]) عياض اليحصبي، أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون (ت: 544هـ)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار، المكتبة العتيقة، ودار التراث، (د. ت)، ج2، ص36.

([29]) ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن علي الأنصاري الرويفعي الإفريقي (ت: 711هـ)، لسان العرب، دار صادر، ط2، بيروت، 1414هـ، ج3، ص49، مرتضى الزبيدي، أبو الفيض محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني (ت: 1205هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الهداية، (د. ت)، ج7، ص331.

([30]) أحمد فارس، الجاسوس على القاموس، مطبعة الجوائب، قسطنطينية، 1299هـ، ص604.

([31]) الحسيني، الشريف الحسن بن علي ( ت بعد: 815هـ)، مخلص الفطن والألباب ومصباح الهدى للكتاب، مخطوطة مصورة، مكتبة الإمبروزايانا، ميلانو، رقم 130H، ق28أ – ق28 ب.

([32]) السنابيق: هي الزوارق أو السفن الصغيرة، تُستخدم في نقل الأشخاص وأغراضهم من سفن الشحن الكبيرة. ابن بطوطة، الرحلة، ص198؛ بامخرمة، تاريخ ثغر عدن، ج1، ص22، 57. كما كانت السنابيق تتقدم السفن الكبيرة لتوفير الحماية وتجنب مباغتة العدو. العراشي، عبد الحكيم محمد ثابت، الجيش في اليمن في عصر الدولة الرسولية (626 - 858هـ/ 1228 - 1454م) دراسة تاريخية، دار الوفاق للدراسات والنشر، ط1، عدن، 1435هـ/2014م، ص376.

([33]) ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص138؛ باوزير، خالد سالم، ميناء عدن دراسة تاريخية معاصرة، دار الثقافة العربية للنشر والترجمة والتوزيع، ط1، الشارقة، 1422هـ/ 2001م، ص31.

([34]) ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص138.

([35]) تاريخ المستبصر، ص138.

([36]) الشمري، محمد كريم إبراهيم، " الفعاليات الاقتصادية لميناء عدن خلال القرنين الخامس والسادس الهجري: دراسة تاريخية"، مجلة المؤرخ العربي، بغداد، العدد (35)، بغداد، 1988م، ص173.

([37]) ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار، ص157.

([38]) مسالك الأبصار، ص157.

([39]) أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم (ت: 182هـ)، الخراج، تحقيق: محمد إبراهيم البنا، دار الإصلاح للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، 1401هـ/1981م، ص279؛ ابن المجاور، تاريخ المستبصر، 95، 96.

([40]) ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص138، باوزير، ميناء عدن، ص31.

([41])- الشمري، محمد كريم إبراهيم، عدن: دراسة في أحوالها السياسية والاقتصادية 476 - 627هـ/ 1083-1229م، دار جامعة عدن، ط2، عدن، 2004م، ص257.

([42])- الشمري، " الإجراءات الأمنية لحماية التجارة والتجار في ميناء عدن "، ص100.

([43]) ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص138؛ باوزير، ميناء عدن، ص31.

([44]) تاريخ المستبصر، ص128.

التعليقات (0)