صهاريج عدن الإسلامية (1)

صهاريج عدن الإسلامية

د. أحمد صالح رابضة([1])

الملخص:

حدود هذا البحث غير محددة الفترة الزمنية، فهي إشارات وإضاءات وإيماءات وردت في المصادر والمراجع العربية والإنجليزية عن مأثرة من أبرز المآثر التاريخية والأثرية في مدينة عدن، أختلف العلماء والاختصاصيون في نشأتها، فمنهم من أعادها إلى جذورها القديمة في الحضارة اليمنية القديمة، ومنهم من أعتبرها مآثر إسلامية شيدتها الدول الإسلامية المتعاقبة على اليمن، مثل آل رسول وآل طاهر وآل زريع، وذهب آخرون مذاهب شتى في ذلك، وأكد آخرون أن المهندسين البريطانيين، منذ أيام بليفير، قد أعوزتهم الحقائق، فغيروا مساراتها القديمة، وطمسوا تاريخها الإسلامي.

وقد تناولنا بالبحث جملة من النقاط اللصيقة بالموضوع، أبرزها: الهضبة التاريخية ومآثرها، وموقع الصهاريج وتاريخ بنائها، والسبعة الدروب، والصهاريج الإسلامية الواقعة ضمن منظومة الصهاريج وخارجها، والمتغيرات التي طرأت عليها منذ 1856م، والبعثات العلمية الأثرية التي قدمت لمعاينتها ودراستها، والأضرار التي لحقت بها جراء السيول، والوسائل المتبعة في صيانتها، والتي لم تثمر حتى يومنا هذا.

Abstract:

The period of this research, is not definite " the time period ", it was only signals found in the Arabic and English references, which mentioned about the important historical landmark found in Aden city, there is some differences about the construction of this tank, some of the scientist defined it to the old Yemenis civilizations , and the others thought that it is a Islamic land mark, builded by the Islamic countries which ruled Aden as: Al – rsoolyeen – Al – tahreyeen – Al-Zureyeen, the British engineers thought that from the days of " belifer ", they lost the truths and canceled its Islamic history .In this research, studied in details: the historical hill and its land mark. the position of the tanks. the history of its building. the seventh fences.

And the other tanks which located in same position and form a group, and every the events which happened since 1856, also the monuments scientific expeditions which visited the tanks, to see what is happening actually, and studied the harms that had happened to them because of the floods, and the methods of maintenance.

تمهيد:

هي قراءة جديدة في موضوع قديم حديث، تناوله المؤرخون الأقدمون ودونوه في تصانيفهم، من أمثال: بامخرمة (ت: 947هـ/1540م)، وابن المجاور (ت: 690هـ/ 1291م) وسواهما، وأجهد الباحثون المحدثون أقلامهم في عرضه ودرسه وتحليله من أمثال: لقمان، ومحيرز، وشهاب وسواهم، وسبقهم إلى تحرير ما استجد منها في عهود الإدارة البريطانية ضباط بريطانيون، من أمثال: بلييفر، وهنتر، وهارولدوف يعقوب، وأنجرامس وسواهم، وهؤلاء بمجملهم ضباط سياسيون، يقومون بمهام لخدمة سياسة بلادهم بريطانيا العظمى، فقد قاموا بقصد أو بدون قصد بطمس التاريخ التليد لهذه المعالم، وأخص بالذكر مدة بليفير ومهندسيه البريطانيين الذين عطلوا منظومة الصهاريج القديمة وشبكتها، وطمسوا تاريخ الكثير من الدروب والسدود والصهاريج، وأضفوا عليها مسميات لا تمت لها بصلة بهدف محو تاريخها القديم والإسلامي، وأدلى الآثاريون بعد ذك بدلوهم فيه، فظهرت تقاريرهم مثل تقرير: سيرجي شيرنسكي، وتقرير: نورس – بنهي، وتقرير: ليكوك وجورج صيدح، وتقرير: ميان عبد المجيد وسواهم.

فمنهم من ناقش واجتر ما عرضه الضباط البريطانيون، ومنهم من أخذ بإقناع الدليل الذي بين يديه، وذهب آخرون مذاهب شتى، وأثاروا موجة من التشكيك والتوهين، وعلى الأخص أولئك الذين نسبوا الصهاريج للاحتلال الفارسي، استنادًا إلى رواية ابن المجاور، الذي أشار إلى صهريج واحد بعينه نسبه إلى الفرس، والشك الكثير يسود هذا المذهب، وليس ثمة ما يدعو إلى الشك أنهم طمسوا تاريخ الصهاريج، ومنها الصهاريج الإسلامية، ولكن الأنكى من ذلك أن هذه المنظومة لم تعرض على مجهر الفحص العلمي والدراسات الآثارية بحيث تحظى هذه الدراسات بقدر كبير من الدقة والضبط بغثِّها ورثِّها وحظها من الصواب والخطأ، ومن ثم ظلت هذه الدراسات وأمثالها تجتر ما ردده الضباط البريطانيون السياسيون، ولسنا بذلك نحط من قيمة أعمالهم، فلهم لاشك قصب السبق في تدوين تاريخ المعالم والمآثر في عهود الإدارة البريطانية، ولعل أدق نقد جدير بالأهمية ما عرضه البحاثة مؤرخ عدن الأستاذ عبد الله أحمد محيرز في كتابيه: "العقبة" وَ "وصهاريج عدن" للأعمال الإنشائية التي قامت بها الإدارة البريطانية في عدن، وأكد بما لا يدع مجالًا للشك أن القوم شوهوا تاريخ المدينة وطمسوا معالمها الإسلامية، وهذا حتّم علينا مجددًا أن نعرض لدراسة الصهاريج، فأخذنا نجيل الطرف في كتب التراث القديمة والحديثة؛ لنبرز ونعرض صورًا شتى من هذه المعالم الإسلامية، وعلى الأخص الصهاريج التي شيدتها الدول الإسلامية المتعاقبة على اليمن، وطرق ووسائل الري على ضآلتها التي عرفتها عدن خلال الحقب الماضية، والتي تعرضت للتغيير والتبديل، واتخذت لها مسميات إنجليزية تارة كما ألمحنا فيما تقدم، وعامية تارة أخرى أطلقها -على أغلب الظن- الضباط السياسيون والعوام وبعض الدارسين والمهتمين بالمآثر والمعالم، مثل: صهريج أبو عجلة وأبو سلسلة وغيرهما لوجود عجلة أو سلسلة في بعضها، وانمحت الأصول، مثل صهريج آل زريع، وصهريج آل رسول، أو صهاريج الغساسنة، وصهريج آل طاهر، والصهاريج التركية وسواها.

ومن نافلة القول: إن المدينة التي عانت شحة في المياه خلال القرون الماضية، والتي حيل بينها وبين التزود بالمياه، بسبب الصراعات والحروب وهجمات البدو الأعراب، ومنعهم وصول إمدادات المياه إلى عدن؛ سوف تلتمس شتى الوسائل والطرق للحصول على المياه، ومن هذه الوسائل حفر الأحواض والآبار والصهاريج فيها، وقد أسهمت أجناس مختلفة في هذه العملية – عملية الإصلاحات والاستثمار في الصهاريج - من إنجليز وفرس وهنود ويمنيين جلهم لا يدرك طبيعة هذه المآثر ولا تاريخها التليد.

وعلى الجملة، كانت خلاصة بحثنا محاولة الوقوف على جملة من الصهاريج الإسلامية التي مازالت ماثلة أمامنا ضمن صهاريج الطويلة مثل: صهريج أبي قبة، وصهريج الفارسي، أو خارج نطاق الوادي، ومنها صهريج آل زريع في طرف شارع الزعفران في عدن، أو على مقربة من جبل الأحمر المقابل لكود الحشيش "مجمع الخضار والأسماك حاليًا" في عدن القديمة، وبعضها الآخر قد اكتسحته الإنشاءات الإنجليزية، وبات في خبر كان، مثل الصهريج الضخم الذي كان على مقربة من باب عدن العقبة، والصهريج الضخم الآخر الذي يقف قبالة مجمع البنوك الأهلي.

هذا ما يمكن الاطمئنان إليه، وقد أشرنا إليه في بحثنا بضرب من الإشارات، وهنا قد تعوزنا أدلة الجزم القاطع في ذلك، لما سبق أن ألمحنا إليه من اضطراب الروايات، وما أحدثته الترميمات البريطانية من طمس لهذه المعالم، وإضفاء مسميات أخرى لا صلة لها بها البتة، لكن والحال هذه، لم تعوزنا أدلة الترجيح وإشارات وملاحظات وإيماءات المؤرخين، فمؤرخو القرن الرابع الهجري كالهمداني، والمقدسي البشاري الذي شاهد هذه الصهاريج في عدن، ومثلهم مؤرخو القرن السابع كابن المجاور، والثامن، كابن بطوطة، والعاشر كابن الديبع وسواهم، وهؤلاء جميعهم أشاروا إلى صهاريج إسلامية شيدت في هذه القرون، لكن غالبيتها قد طمست واختفت.

أولًا- حدود البحث وموضوعه:

حدود هذا البحث غير محددة المدة الزمنية، فهي إشارات وإضاءات وإيماءات وردت في المصادر والمراجع العربية والإنجليزية عن مأثرة من أبرز المآثر التاريخية والأثرية في مدينة عدن، اختلف العلماء في نشأتها، فمنهم من أعادها إلى جذورها القديمة في الحضارة اليمنية القديمة، ومنهم من عدّها مآثر إسلامية شيدتها الدول الإسلامية المتعاقبة على اليمن مثل: آل زريع، وآل رسول، وآل طاهر، وذهب آخرون مذاهب شتى في ذلك، وذهب فريق من الباحثين إلى أنها إسلامية المنشأ، وأن المهندسين البريطانيين منذ أيام بلييفير قد أعوزتهم الحقائق فغيروا مساراتها القديمة، وطمسوا تاريخها الإسلامي، وألقوا أمام الباحثين المحدثين ظلالًا كثيفة من التشكيك حول الروايات القديمة، وقد عرضنا في هذا البحث لعدد من الصهاريج الإسلامية التي لا تزال مثار شك بين الباحثين، بسبب الاضطراب الذي أحدثته إصلاحات المهندسين البريطانيين للصهاريج، وأبرزهم بلييفير.

ثانيًا- أهمية البحث:

وتكمن أهمية البحث في كونه يبرز صورًا ونماذج من الصهاريج الإسلامية، التي وقفنا عليها وأشرنا إليها بضرب من الإشارات الواردة في مصادرها كما سنرى، وتطرقنا في المقدمة إلى النشأة الأولى للصهاريج العامة في عدن، وعلى الأخص، تلك التي يتسع فيها القول، وأعني صهاريج الطويلة التي مازالت ماثلة أمامنا، مسلطين الضوء على الإشارات التي ألمح إليها ابن بطوطة والقلقشــندي وسواهما، وهي إشارات لا تتجاوز القرن الرابع الهجري، وضربنا صفحًا عن بعض الروايــات لعدم إمكان تحقيقها، بيد أننا نشير إلى أن ما وقفنا عليه من روايات، على ضآلتها، ليست مبرأة هي الأخرى من مآخذ الباحثين والدارسين، لكنها تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن الدول الإسلامية التي تعاقبت على اليمن، قد شيدت عددًا من هذه الصهاريج في عدن وقد دعونا فيما تقـدم من السنين، إلى شحــذ همم الدارسين وبخاصة طلاب الدراسات العليا لخوض هذه الدراسات، وإجراء المزيد من التنقيبات الأثرية لمعرفة الجذور الأصلية التي قطع العلماء والمؤرخون في أصولها.

وكيفما كان الحال، فهذا جهد المقل، وخلاصة ما سنقف عليه في البحث.

ثالثًا- أهداف البحث:

(1) تجذير هذه الجهود وتوثيقها.

(2) تأصيل وتجذير مخلفات الحضارة الإسلامية في اليمن، وما يتعلق منها بوسائل الري القديمة وطرائق تشييد الصهاريج والبؤر المختلفة.

(3) التأكيد على أهمية هذه المآثر ذات النشأة العربية الإسلامية في اليمن، ونسبة الكثير منها إلى مخلفات الحضارة الإسلامية، وما قدمته الدول الإسلامية المتعاقبة على حكم اليمن وعدن بخاصة، وهي نظرة جديرة بالاعتبار، وتدحض الأفكار التي تصم تاريخ حضارتنا بكثرة الفتن، وقلة الجهود المتميزة.

رابعًا- منهجية البحث:

اتّباع المنهج التاريخي التحليلي في دراسة هذه المفردة, وتتبع الصور والوثائق والمقالات والإشارات والإيماءات المختلفة، وغربلتها والتركيز على الجوانب الرئيسة في البحث وهي الصهاريج الإسلامية، وتعقّب الإشارات والصور التي ألمحت إليها، والبناء عليها بما يتوافق مع المخلفات القائمة في وادي الطويلة مثل: "صهريج (أبو قبة)" ذي النمط الإسلامي، وصهريج الفارسي إسلامي النشأة، الذي غلبت عليه التسمية، فعده العوام وبعض الدارسين مأثرة فارسية، أضف إلى ذلك المسميات الإفرنجية التي تسمت بها بعض الصهاريج مثل صهريج: كوجلان، وصهريج: بلييفير وسواهما، وغني عن البيان، أن هذه المسميات قد غطت على الحقائق، والبست الصهاريج لبوسًا غير لبوسها مما جعل بعض الباحثين المحدثين يجنح إلى الشطط والتعسف في الرأي.

خامسًا- مخطط البحث: تم تقسيم البحث إلى ثلاثة مباحث:

 المبحث الأول:

صهاريج عدن - وينقسم إلى ثلاثة مطالب:

المطلب الأول - هضبة عدن ومآثرها.

المطلب الثاني - موقع الصهاريج.

المطلب الثالث - السبعة الدروب.

المطلب الرابع - الصهاريج الإسلامية في منظومة صهاريج الطويلة وخارجها.

المبحث الثاني:

صهاريج الطويلة - وينقسم إلى أربعة مطالب:

المطلب الأول - الصهاريج القائمة في وادي الطويلة.

المطلب الثاني - المتغيرات التي طرأت عليها.

المطلب الثالث - تاريخ بناء الصهاريج.

المطلب الرابع - وضعية الصهاريج إلى ما قبل عام 1273هـ/ 1856م.

المبحث الثالث:

مشروع صيانة الصهاريج - وينقسم إلى ثلاثة مطالب:

المطلب الأول - السيول التي اجتاحت عدن وفيضان الصهاريج.

المطلب الثاني - ما خلصت إليه بعض الدراسات الأثرية.

المطلب الثالث - الترميم والصيانة.

المبحث الأول

(صهاريج عدن)

المطلب الأول - هضبة عدن ومآثرها:

يجدر بنا بادئ ذي بدء، أن نسلط الضوء على هضبة عدن، المصدر الرئيس لتدفق مياه الأمطار إلى السدود والدروب والقنوات والصهاريج المختلفة، وما تحويه هذه الهضبة من مآثر ومعالم مختلفة ذات قيمة أثرية وتاريخية متميزة، وهي فضاء واسع أغرى المستثمرين في وقتنا الحاضر فتاقوا إلى استغلاله واستثماره، غير عابئين بقيمته الأثرية والتاريخية بيد أنهم لم يفلحوا، فقد تصدت لهم الأقلام الحرة ومنظمات المجتمع المدني، ووأدت مشروعهم لحين من الوقت، وبدأت تشرئب أعناقهم اليوم في ظل الضعف السائد.

وكائنًا ما كان الحال، فمساحة الهضبة تقترب من نصف مساحة عدن القديمة، إن لم تكن أكثر من ذلك، وترتفع حدود 500 أو 800 متر عن سطح البحر([2])، مطلة على صهاريج الطويلة وواديها العتيق، وتتدفق مياه أمطارها من طريق منظومة أو شبكة من الصهاريج المعلقة التي شادها الأقدمون في أعالي وبطون الجبال بدقة وإحكام، تنطلق من علٍ عبر هذه السلسلة من السدود والقنوات المائية، حتى تصل إلى صهاريج الطويلة، ومن ثم تتجه إلى شبكة مترابطة بدقة متناهية من السائلات لتغذي بقية الصهاريج بالمياه، وقد تعطلت المنظومة برمتها منذ ترميم 1273هـ/ 1856م وما قبلها، وزاد الطين بلة، ما لحق بها من عبث، وما طرأ على البلد من تغييرات شاملة في البنى التحتية.

وتضم الهضبة الدروب السبعة المنسوب بعضها إلى أبي عثمان الزنجيلي على حد قول لقمان([3]) والقلاع التاريخية، وأبرزها القلعة التاريخية، وعلى تلة من تلال الهضبة، تقف كهوف البوميس المشهورة التي تنتج خلطة تتكون من حجر الخفاف، وهو زبد بركاني استخدمه أهالي عدن في البناء المعماري القديم فيها، وفي بناء الصهاريج وتجصيصها، ويشاهده الزائر ماثلًا على جدران الصهاريج، ومنها صهريج (أبو سلسلة) والصهريج الدائري([4])، ويطلق عقبة على هذا النظام المنجمي "الغرفة والعمود"، ويقول إنه استخدم كمادة إسمنتية رابطة، إلى جانب استخداماته كتجصيص لجدران الصهاريج الذي مازال عالقًا بها منذ أزمنة سحيقة.

وتتعرض هذه الكهوف اليوم لموجة من العبث والقشط المفرط، مما أدى إلى سقوط بعض أسقفها([5])، ويقف على مقربة منها برج الصمت، وهو معبد لأتباع الديانة الزرادشتية، كما تضم الهضبة مآثر مختلفة ونباتات غريبة، منها ما يستخدم في التطبيب والأدوية، وأنواعًا من الطيور والزواحف.

من جانب آخر تعرضت الدروب السبعة التي يرجح أنها شيدت في العصر الأيوبي في عدن([6]) إلى موجة من التغييرات حيث قام المهندسون البريطانيون بتغيير نظامها المحكم، وبنوا حواجز فوق الهضبة حالت دون تدفق المياه إلى المصارف الطبيعية، مما أدى إلى تعطيل النظام، وبذلك طمسوا الغرض الرئيس من بناء الصهاريج([7]). وذهب مدير الآثار في عدن أينج في 1373هـ/ 1953م إلى أن المهندسين البريطانيين أهملوا هذه المصارف وخربوها، وذلك ببناء حواجز للطمي والحجارة فغاض الماء في الهضبة([8])، كما أهملت السائلات، وشيدت عليها مصالح مختلفة وأدى ذلك كله إلى تعطيل الشبكة، ثم طمست الإصلاحات والترميمات التي شرعت فيها الإدارة البريطانية مطالع الخمسينيات عددًا من الصهاريج الضخمة، وقنوات المياه الأثرية القديمة التي ترجع بأصولها إلى مخلفات الحضارة الإسلامية في عدن.

ومنذ عملية الترميمات والإصلاحات التي بدأها الكابتن بليفير 1273- 1274هـ/ 1856- 1857م في صهاريج الطويلة، وفرغ منها في 1278هـ/ 1861م، وما أحدثه المهندسون البريطانيون فيها، وانتهاء بمشروع آخر قام به ثلاثة من التجار والمقاولين من جنسيات مختلفة، تمكنت هذه الأعمال وما سبقها من طمس تاريخ الصهاريج وتعطيل نظمه القديمة مما حدا بالأستاذ عبدالله أحمد محيرز إلى القول: إن عمل المهندسين البريطانيين على وجه التحديد كان كارثة ألمت بالهضبة والصهاريج والسائلات بعامة، وكان التنقيب فيها عشوائيًا، ولم يتخذ طابعًا علميًا موثقًا، فقد وجه البريطانيون جل عنايتهم لصهاريج الطويلة وحدها، ولم تتخذ أية إجراءات لترميم الصهاريج الواقعة خارج نطاق الوادي([9])، وبذلك أجهز هؤلاء على معالم المدينة، ونشطت قواتهم لتصفية ما بقي من آثار على أرضها وجبالها لبناء المعسكرات والثكنات والقلاع، واختفت في غضون بضع سنوات، الصهاريج التي شيدها الطاهريون([10])، في عهدي الملك المنصور وابنه عامر بن عبد الوهاب، واختفت معها قنوات الثلاج التي أجراها عامر إلى ظاهر مدينة عدن من أماكن بعيدة([11])، ناهيك عن صهاريج إسلامية أخرى كانت قائمة في العهود الزريعية والرسولية والتركية، كما أن إجماع الضباط السياسيين، ومن جاء بعدهم على نسبة هذه الصهاريج إلى حقبة الغزو الفارسي الثاني حوالى 600م([12])، كان سببًا من الأسباب التي أسهمت في عدم تعقب تاريخها وضياع معالمها.

المطلب الثاني- موقع الصهاريج:

يعد وادي الطويلة من أهم المواقع التاريخية والأثرية في مدينة عدن، حيث تقوم فيه سلسلة من الصهاريج، هي المعروفة بـ: "صهاريج الطويلة "، نسبة لوادي الطويلة، وهي الصهاريج الوحيدة التي مازالت قائمة في هذا الوادي، يأخذ بعضها برقاب بعض، وقد شُيدت في مضيق قُدّر طوله بحوالي سبعمائة وخمسين قدمًا، يكاد جبل العر (شمسان)([13]) يحيط بها إحاطة السوار بالمعصم لولا منفذ واسع يفضي بها إلى المدينة، وتبدو في هذا الوضع وكأنها جاثمة تحت قدمي الجبل، تتلقى المياه المنحدرة من قممه، ولكنها حينما تمتلئ تفيض فتنحدر إلى قلب المدينة وتجرف كلما يقف أمامها، بيد أن تخطيط المدينة الحديث، هيأ لهذه المياه الفائضة سبلًا تنطلق عبرها إلى البحر، هي اليوم بحاجة إلى التنظيف والصيانة، فقد كادت تمتلئ بالحجارة والمخلفات الأخرى، كما أنُشئ ملعب حديث للأطفال بحذاء فم صهريج الفارسي الواقع خارج دائرة صهاريج الوادي، سيعوق لاشك تدفق وانحدار السيول، إن لم تجرفه السيول نفسها، فقد فاضت الصهاريج في أوائل عقد الثمانينات.

صورة رقم (1)

(صهريج الفارسي أو بلييفر)

 

وقد انفجر جدار هذا الصهريج المحاذي للملعب - حديث العهد -، وتدفقت المياه وأحدثت أضرارًا مادية وبشرية بمدينة عدن، ويبدو جليًّا أن هذا الموضع الذي أقيم عليه الملعب كان بمثابة فم للمسيال الممتد إلى البحر وقد اختط، كما يظهر، منذ إزالة القمامات والمخلفات من الصهاريج في عهد المقيم السياسي البريطاني الملازم بلييفر([14])، ولم يكن هذا الاختطاط اعتباطيًا أو مفتعلًا، فهو امتداد طبيعي – فيما نظن – للوادي نفسه يدفع بالمياه الفائضة إلى البحر عبر أنفاق وسراديب ومنافذ أعيد ترميمها وإنشاؤها، على الأرجح في عهد الإدارة البريطانية، ولا يخامرني أدنى شك في أنها قديمة، إذ كان لقدامى اليمنيين، ومن جاء بعدهم من الدول الإسلامية في عدن قصب السبق في إنشائها ضمن الشبكة القديمة.

ويقدر الدارسون([15]) عدد الصهاريج في مدينة عدن وحدها بخمسين صهريجًا، طمرت الإدارة البريطانية معظمها، وبقيت مجموعة منها خربة تقع فوق بركة عنبر، وهي المعروفة بالسبعة الدروب.

 

 

  (أحد الدروب البديعة في الصهاريج)

المطلب الثالث - السبعة الدروب:

وهي سدود وقنوات ترجع أصول بعضها إلى الحقبة الإسلامية في عدن، وإن طغت عليها المؤثرات الحديثة، ومنها ما أحدثه المهندسون البريطانيون من تغييرات في بنيتها الأساسية، وكانت مهمتها الأساسية صد المياه المتدفقة من هضبة عدن، في أثناء هطول الأمطار، والحد من اندفاعها إلى شبكة الصهاريج، وعلى الأخص صهاريج الطويلة، مما حدا بالمؤرخ لقمان إلى القول: إن الذي بنى السبعة الدروب هو الأمير أبو عثمان عمر بن علي الزنجيلي([16])، وتوخيًا للأمانة العلمية يجدر بنا القول: إن المؤرخين ابن المجاور وبامخرمة، لم يشيرا إلى هذه المأثرة ضمن مآثر وإصلاحات أبي عثمان الزنجيلي([17]) الذي عرف بأعماله العمرانية والإدارية وإصلاحاته وترميماته لكثير من المعالم والمآثر القديمة([18])، وحري بنا القول - والحال هذه - إن ثمة سدودًا أخرى شادها عامر بن عبد الوهاب في أماكن كثيرة من اليمن، واعتنى كثيرًا بوسائل الري المختلفة في البلاد، فلعله قد أسهم هو الآخر في بناء هذه الدروب، وشاد صهاريج لم يسبق إلى مثلها([19])، وقد استفاد القدماء من شعاب جبال شمسان، وأقاموا هذه القنوات والسدود كي تنظم تدفق المياه، وتغذي الصهاريج القائمة في الطويلة والعيدروس والخساف([20])، وتحافظ على سلامتها وسلامة المدينة من الفيضانات المفاجئة.

وأفادت الروايات، أن فوق بركة عنبر، وهي تسمية حديثة بعض الشيء([21]) توجد ثلاث خزانات كانت مخربة، توجه المياه نحو البركة، ومنها إلى الصهاريج([22]) التي تتجمع مياه الأمطار فيها([23]).

واختلف المؤرخون في نشأة هذه السدود والأرجح أن المنظومة كلها في أصولها شيدت في حقبة محددة، فمنهم من قال إنها بنيت في القرن الخامس الميلادي، ومنهم من يعود بها إلى ألف وخمسمائة سنة قبل الميلاد([24])، وهذه هي الأصول القديمة للصهاريج، ومنهم من ينسب بعضها إلى مخلفات الدول الإسلامية المتعاقبة على اليمن، ومن ذلك صهريج آل زريع، وهو صهريج ضخم، فقد قال ابن المجاور: إن السيل يقلب إليه يومين([25])، فقد غدت عدن في عهودهم عامرة وفي عهدهم قدم أبو الحسن الضحاك، وكان أول من أظهر المقلاع فيها، وشيد الدور الحجر([26])، كما شيدت كهوف البوميس المشهورة، وهي جزء من المنظومة على غالب الظن، والتي أسهمت في ذلك، في المدة نفسها أيضًا، واستخدمت فيها طرائق ووسائل متقنة تدل على تمكن قدامى اليمنيين من طرق الري وعمارة السدود([27]).

وأطلق بليفير على هذه السدود الخزانات المعلقة المبنية في أعالي الجبال، وأفاد أنها لم تحط بأية صيانة، فامتلأت بالحجارة والأتربة، وُسمح للأهالي باستخدام حجارتها في بناء بيوتهم فاختفت معالم الكثير منها([28]).

والظاهر أن هذه السدود السبعة التي وردت في المصادر التاريخية في إشارة مقتضبة والقائمة في الهضبة، قد غدت في وقتنا الحاضر ثمانية سدود، إذا أضفنا إليها سدود الخساف، واتخذت لها مسميات في عهد الإدارة البريطانية أو ما بعدها، وباتت ثمانية سدود لا سبعة، ومن هذه التسميات سد الصخرة، وسد العقود الثلاثة، وسد البئر، وسد الحوض الكبير، وسد المساقط، والسد العميق، ويعدها بعض الخبراء من أندر أنظمة تصريف المياه في العالم وأعظمها([29]).

ومما لاشك فيه، أن جذورها الأساسية شيدت في عصور ما قبل الإسلام، أو العصور الإسلامية، وجددت في أزمنة مختلفة حتى وقتنا الحاضر، حيث قامت الجمعية الجيولوجية اليمنية برئاسة الباحث الجيولوجي معروف عقبة بعدة دراسات عنها، في حين ذهب محيرز إلى القول: إن المهندسين البريطانيين أقاموا السدود السبعة سالفة الذكر؛ لحصر الطمي والحجارة، بيد أن عملهم لم يكن متقنًا، فقد أدى إلى حجز الماء، وتسلله إلى باطن الجبل([30])، ولعل وصف ابن المجاور لها بالصرائف([31]) دليل على أنها تقوم بتصريف وتوجيه المياه إلى المزارع والكرفان والصهاريج، على حد قول محيرز، وقد نفى شهاب ذلك، وفسر لفظة الصرائف تفسيرًا ينقض رأي محيرز([32]).

المطلب الرابع - الصهاريج الإسلامية في منظومة صهاريج الطويلة وخارجها:

ليس لدى أهالي عدن دليل على أن ثمة صهاريج شيدها الرسوليون في عدن، وذلك بعد الترميمات التي قامت بها الإدارة البريطانية، وطمست معظم معالم هذه المآثر، وإطلاق مسميات أخرى عليها مثل صهريج كوجلان وبليفير والفارسي، وظهور مسميات أخرى مستحدثة كأبي سلسلة وأبي عجلة وسواها.

وتجدر الإشارة إلى أن أهالي عدن ينسبون هذه الصهاريج إلى الغساسنة([33])، فقد نُسب إليهم كل ما هو معجز وقديم كالصهاريج والآبار والقلاع والدروب([34])، لكن الخلط الذي أوقعنا فيه بليفير وهنتر ومن لف لفهما والمسميات الإنجليزية التي أطلقوها على الصهاريج جعلت غير واحد من الباحثين لم يتثبت من صحة نسبتها إلى الدول الإسلامية المتعاقبة على عدن، فهذا لقمان يعتقد أن صهريج الفارسي ربما بني في عهد الدولة الرسولية 620- 858هـ / 1223- 1454م أو في عهد الدولة الطاهرية 855- 923هـ/ 1451- 1517م([34]) وسمي بالفارسي؛ لأنه يقف قبالة معبد الفارسي، أو لأن كاوسجي دنشو كان يقوم بتنظيفه وتطهيره من القمامات والأتربة، وذكر المؤرخون أن الطاهريين شيدوا عددًا من الصهاريج والسدود([35])، ومنها صهريج (أبو قبة) ذو الطابع الإسلامي الذي يقف على يمين القادم إلى صهاريج الطويلة، فجزء منه مغطى بقبة تشبه قباب المساجد، ولعل بانيه يرقد تحت هذه القبة، وامتاز بجدرانه العالية التي تحيط به، وعلل لقمان ذلك بالقول: إنه يدل على أن سيدات الطبقة الحاكمة كن يزرن الصهريج للزيارة والاستحمام، ثم يذهب مذهبًا آخر فيقول إنها لعلها بنيت في عهد الدولة الرسولية.

لقد اعتنى الرسوليون والطاهريون بقنوات المياه وشبكاتها فشيد عامر بن عبدالوهاب قناة مبنية من الحجارة والجصّ في قرية المباءة، تمتد من نحو سبعة أميال تحت جبال عدن، لتزويد أهالي عدن بالمياه النقية في ظل شحة المياه في المدينة، وشيد خزانًا كبيرًا، وأجرى الثلاج إلى ظاهر المدينة([36])، وابتنى صهريجًا عظيمًا بعدن لم يسبق إلى مثله، وظلت هذه القناة قائمة حتى سنة 1839م([37])، ووصفها هينس محددًا مقاساتها على النحو الآتي: الطول: 16/320 ياردة، والعمق: 19 بوصة، والعرض 16 بوصة، وهي مبنية بالطوب والحجارة، ويجرى الماء في القناة من آبار بستان أمحيط الواقعة إلى الشمال من مدينة دار سعد([38]).

 صهاريج عدن الإسلامية (2)


([1])  الباحث في تاريخ العلوم وأستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية وتحقيق التراث الخطي المشارك في كليتي التربية والآداب جامعة عدن، مدير عام مركز الدراسات والبحوث اليمني عدن سابقًا.

([2]) وعند الويسي، اليمن الكبرى، ص16 (700 متر).

([3]) تاريخ عدن، ص263.

([4]) حنشور، عقبة، البوميس، إحدى المواد الرئيسية للبناء العمراني القديم في عدن، ص3.

([5]) عقبة، عدن البعد التاريخي والحضاري، ص161.

([6]) لقمان، تاريخ عدن، ص263.

([7]) محيرز، صهاريج عدن، ص7.

([8]) محيرز، صهاريج عدن، ص6- 7.

([9]) صهاريج الطويلة، ص20؛ لقمان، تاريخ عدن، ص260.

([10]) محيرز، العقبة، ص16- 39؛ عقبة، عدن البعد التاريخي والحضاري، ص165.

([11]) ابن الديبع، الفضل المزيد، تح: شلحد، ص372؛ وقرة العيون، تح: الأكوع، ص471.

([12]) بليفيير، تاريخ العربية السعيدة أو اليمن، ص16-17؛ نورس وبنهي، صهاريج عدن مسح آثاري تاريخي، ص27؛ يعقوب، ملوك شبه الجزيرة، ص350. وأضاف يعقوب أن سلطان إيران شاه ابن جانشيد هو مشيد الصهاريج.

([13]) جبل العر المعروف حاليًا باسم شمسان، هو الجبل الدائري الممتد من جبل حقات حتى الخساف، وقد جانب الأكوع الصواب حينما قال إن شمسان هو تعكر عدن، وهو المسيطر على ميناء عدن اليوم من الشمال، وعلى سفحه رصيف عدن ومدينة التواهي والمعلى الحديثتان. لقمان، تاريخ عدن وجنوب الجزيرة العربية، ص254- 261. وانظر: ابن الديبع، قرة العيون، تعليقات الأكوع، ص217.

  • كان مساعدًا للمقيم البريطاني، وهو مكتشف الصهاريج على حد قول لقمان، تاريخ عدن، ص259.

(14) ا , Plyfair. A History –Arabia Felix or Yemen P.7

وقام كل من النوبان وباحشوان بترجمة الكتاب بعنوان: "تاريخ العربية السعيدة أو اليمن"، عن دار جامعة عدن للطباعة والنشر، 1999م، ص16.

 Hunter.An Account of the British Settlement of Aden Arabia P, 11.

 ولقمان، تاريخ عدن، ص89.

([15])  تاريخ عدن، ص362.

([16])  انظر: تاريخ المستنصر، ص122-123؛ تاريخ ثغر عدن، ص14؛ الشجاع، الأمير الزنجيلي وأعماله العمرانية في ثغر عدن، ص20- 23.

 ([17]) بامخرمة، تاريخ ثغر عدن، ص14؛ لقمان، معارك حاسمة، ص83؛ محيرز، العقبة، ص38- 56؛ العبدلي، هدية الزمن، ص74؛ مجهول، قلائد الجمن، 68- 72.

([18]) ابن الديبع، قرة العيون، تح : الأكوع ص471؛ الفضل المزيد، تح : شلحد، ص371.

([19])  لا أثر اليوم لصهاريج العيدروس والخساف.

([20])  بركة عنبر هي سد بني في أعلى المضيق الجبلي، وهو حديث عهد شيد في سنة 1854م لمنع الحصى والطين من الانجراف إلى صهريج أبو سلسلة. لقمان، تاريخ عدن، 257- 263؛ محيرز، العقبة، ص57.

([21])  لقمان، تاريخ عدن، ص263.

([22])  العبدلي، هدية الزمن، ص22.

([23])  باوزير، معالم، ص274. وراجع التقارير العلمية.

([24])  تاريخ المستبصر، ص132؛ شهاب، عدن فرض اليمن، ص120. وعبارة : (يقلب إليه يومين): أي يتدفق عليه يومين اثنين حتى يمتلئ لضخامته وسعته.

([25])  العبدلي، هدية الزمن، ص23؛ مجهول، قلائد الجمن، ص65.

([26])  الجرافي، المقتطف، ص44.

([27])  تاريخ العربية السعيدة أو اليمن، تر: النوبان وباحشوان، ص17- 18.

([28])  الفراص سالم، عدن بوابة القرن الحادي والعشرون، 22- 27.

([29])  صهاريج عدن، ص61.

([30])  تاريخ المستبصر، ص117؛ محيرز، صهاريج عدن، ص61؛ الشعيبي، اليمن الظواهر الطبيعية والمعالم الأثرية، ص53.

([31])  عدن فرضة اليمن، ص52.

([32])  والمراد بهم آل رسول حكام اليمن في القرن السابع الهجري، ولا يزال اسم بني غسان حيًّا إلى يومنا هذا على ألسنة العامة في اليمن. شهاب، عدن فرضة اليمن، ص164.

([33])  محيرز، العقبة، ص156.

([34])  تاريخ عدن، ص110، 262- 263.

([35])  راجع كتب ابن الديبع: القرة والفضل، والبغية، وسواها.

([36])  ابن الديبع، قرة العيون، تح : الأكوع، ص471؛ الفضل المزيد، تح: شلحد، ص372.

([37])  شهاب، عدن فرضة اليمن، ص196.

([38])  شهاب، عدن فرضة اليمن، ص196.

التعليقات (0)