صهاريج عدن الإسلامية (2)

صهاريج عدن الإسلامية

ومما يجدر ذكره أن هذه المجموعة من الصهاريج هي الماثلة أمامنا في قلب الوادي ضمن اثني عشر صهريجـًا عند بعض الدارسين([1])، وثمانية عشر عند بعضهم الآخر وهي - فيما يبدو - أكبر صهاريج الوادي([2])، وتتسع بمجملها لحوالي عشرين مليون جالون من مياه الأمطار([3])، وثمة صهاريج إسلامية في المدينة وضواحيها، منها صهريج نسب لآل زريع حكام عدن في القرن الخامس الهجري، شيد في الزعفران على مقربة من لحف جبل الأحمر([4])، وشاد الطاهريون عدة صهاريج، أبرزها: صهريج عظيم بالمبأة([5])، وآبار وسدود في أماكن مختلفة وصحارى وفلوات([6])، وصهريج ضخم آخر مقابل مجمع البنوك في عدن القديمة (كريتر)، وفي أحد وديانها المتعددة، وعرف بصهريج القديسة ماريا؛ لأنه قبالة كنيسة القديسة ماريا أو مريم البروتستانية التي شادها الإنجليز سنة 1288هـ/ 1871م([7])، وهو جزء من الطمس الذي مارسته الإدارة البريطانية وقتئذ للمعالم الإسلامية في المدينة، وبنى المنصور عددًا آخر من الصهاريج والآبار والسدود في أماكن مختلفة([8])، وشاهد المقدسي (ت: 381هـ /991م) عددًا من هذه الصهاريج الإسلامية في عدن، أطلق عليها أحواضًا، مما يؤكد وجودها في القرن الرابع الهجري([9])، مثله مثل الهمداني الذي أسماها بؤرًا (حفرًا)([10])، في حين أطلق عليها ابن بطوطة صهاريج([11])، وشيدت عدد من الصهاريج الإسلامية في عصر الدولة الرسولية في مرحلة الصراعات التي احتدمت بين آل رسول أنفسهم، لاسيما فيما بين عهدي المجاهد الرسولي 764هـ/1363م والطاهر الرسولي 842هـ/ 1438م، حيث كانت الحاجة ملحة لخزن مزيد من المياه، وهذا ما حدا بأهل عدن نسبتها إلى بني غسان([12]).

وقد شيدها الأقدمون في هذا المضيق لخزن المياه المنحدرة من قمم الجبال([13])، واستخدامها للشرب، وقضاء الحاجات أيام القيظ([14])، ومن الطبيعي أنها كانت تستخدم أيضًا في ري الوادي، وإن لم تسعفّنا المصادر التي بين أيدينا بشيء له علاقة بهذا الأمر، إلا أنها تجمع على أن مدينة عدن كانت شحيحة المياه، وأن تموينات المياه كانت تأتي من مسيرة يوم واحد([15])، ولكن الاعتقاد السائد لدى بعض المؤرخين اليمنيين أنها تأتي من الحسوة الواقعة شمال غربي مدينة عدن([16])، وقد يصعب حصول الأهالي عليها إذا منعها الأعراب والبدو عليهم، وربما اضطروا إلى مصانعتهم([17])، ولهذا يبدو أن شحة المياه في المدينة هي التي حفزت الأسلاف على تشييد هذه الصهاريج التي كانت تزود مدينة عدن بالمياه حتى عام 1284هـ/1867م ([18]).

وقد استخدم الأتراك مياهها للشرب عند احتلالهم اليمن([19])، واضطر أهالي عدن في عهد الاستعمار البريطاني إلى استخدام هذه المياه أيضًا للشرب والاستحمام على أثر الحصار الذي ضربه المستعمرون البريطانيون على مدينة عدن.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الصهاريج ساعدت إلى حد ما على حماية مدينة عدن من الفيضانات والسيول، ولكن قد يحدث العكس أحيانًا فتفيض وتنحدر مياهها إلى المدينة وتحدث أضرارًا مختلفة.

وغدت هذه المشكلة – مشكلة شحة المياه – عائقًا في سبيل تطور الحياة المعيشية في مدينة عدن بصفة خاصة، ولهذا اضطر الأهالي ولاسيما الميسورين منهم إلى حفر الآبار التي نسبت إلى أصحابها، أمثال: بئر أحمد بن المسيب، وبئر العقلاني، وبئر السلامي([20])، وبئر علي بن أبي البركات، وبئر زعفران التي ينقل ماؤها إلى سائر بلاد اليمن لعذوبته([21]) وغيرها، وثمة أبار غلبت عليها الملوحة لعلها كانت تستخدم للاستحمام وقضاء الحاجات الأخرى، بعضها كان في قلب المدينة، والبعض الآخر كان على مقربة من البحر كبئر باب مكسور([22])، وبئر مسجد أبان([23]).

وصفوة القول، إن بناة الصهاريج تنبهوا إلى هذه المشكلة قبل مئات السنين، وشيدوا هذه الخزانات لحفظ مياه الأمطار التي تهطل على مدينة عدن، ولا يستبعد أن تكون هي المورد الوحيد لشربهم في موضع تندر فيه المياه في تلك العهود السحيقة.

وتتدفق هذه المياه على "السبعة الدروب" أو الصهاريج المعلقة، فبركة عنبر ومنها تنحدر إلى الصهريج الأول المعروف بـ "أبو سلسلة"([24]) الذي لا تنضب مياهه كما هو الحال في الصهاريج الأخرى، ثم ينساب الماء إلى الصهريج الثاني، فيمر عبر قنوات ليصب في عدد من الصهاريج يأخذ بعضها برقاب بعض حتى يصل إلى الصهريج الكبير المسمى: "أبو عجلة" الواقع في قلب الوادي.

صورة رقم (3)

(صهريج أبو سلسلة)

 المبحث الثاني

صهاريج الطويلة

المطلب الأول- الصهاريج القائمة في وادي الطويلة:

ثم ينطلق الماء عبر منفذ واسع بنى بشكل محكم وأخاذ ليصب في الصهاريج الثلاثة الباقية، وأحدها يقع خارج دائرة صهاريج الوادي وهو المعروف بـ (صهريج الفارسي)([25])، وهو كما أشرنا فيما تقدم أنه من مخلفات الدولة الرسولية أو الطاهرية على غالب الظن، وثمة صهريجان اثنان يقعان في الجانب الأيمن من الجبل، يتلقفان المياه من الشقوق والمنحدرات المختلفة أحدهما يعرف بصهريج كوجلان، وهو حديث عهد، ويحتمل أيضًا أنه من مخلفات إحدى الدول الإسلامية المتعاقبة على اليمن، والآخر يعرف بـ(أبو قبة) الأرجح أنه ينسب إلى الدولة الطاهرية([26]).

صورة رقم 4 (صهريج (أبو قبة)

 المطلب الثاني- المتغيرات التي طرأت عليها:

ويذكر بعض الدارسين الآثاريين أن توزيع صهاريج الطويلة بالشكل سالف الذكر، يجانب الصواب بعض الشيء، فالتسميات التي أُطلقت على الصهاريج الحديثة العهد، ربما أُطلقت فترة بلييفر، مثل صهريج أبو عجلة، وأبو سلسلة وغيرهما، وقد ذهب هؤلاء الدارسون إلى الاعتقاد أن معظم الصهاريج القائمة في وسط الوادي مثل: (أبو عجلة) مستحدثة، استحدثها بلييفر لحفظ أكبر كمية من المياه، وأورد تعليلًا قائلًا: إن تدفق المياه من السبعة الدروب([27]) يحمل معه الحجارة والطمي اللذين يعيقان تدفق المياه، ومن ثم يؤديان إلى تراكم الأنقاض والأتربة في قيعان الصهاريج، بحيث تغدو هذه الصهاريج غير صالحة للاستعمال.

وأن الطريقة الصحيحة لتوزيع المياه في الصهاريج، تتم عبر تدفق المياه من الجبال والشقوق المختلفة، فتتلقفها الصهاريج الجانبية الواقعة على امتداد جهتي الجبل([28])، وهي الصهاريج الأصلية التي تعود بأصولها إلى العهود الحميرية كما يعتقد بعض الدارسين الآثاريين.

ولا شك أن هذا الاستنتاج ينقض الآراء السابقة في هذا الصدد، وينفي التوزيع القديم للصهاريج، على أن صهريج (أبو عجلة) الواقع في وسط الوادي، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك – من حيث بناؤه – أنه خزان قديم وليس مستحدثًا، فالحجارة، والتجصيص، ونوعية البناء، ووضعه اللائق كل ذلك يؤكد صحة ما ذهبنا إليه.

وكيفما كان الحال، فقد تعرضت كل هذه الصهاريج، بما في ذلك الصهاريج الواقعة خارج دائرة صهاريج الطويلة – والتي سوف نأتي على ذكر بعضها – تعرضت لتغييرات واستحداثات مختلفة، وأشرنا إلى بعضها في سياق حديثنا عن إصلاحات بلييفر للصهاريج.

كما أفادت تقارير الخبراء أنه تم أنشاء سد في الصهريج المطل على صهريج (أبو سلسلة) حال دون تسرب الحجارة والقمامات إلى الصهاريج الأخرى([29])، كما قامت الجهات المختصة في عدن وقتذاك بتجصيص قنوات المياه، وأدخلت إصلاحات دخيلة لا تمت بصلة إلى الأثر، هذا إلى جانب تشييد عدد آخر من الصهاريج المستحدثة، شيدتها الإدارة العسكرية البريطانية، وذلك نتيجة شحة المياه في مدينة عدن، منها صهريج (وادي الخساف) الذي أُنشيء سنة 1287هـ/1870م، وصهريج (القديسة ماريا) الواقع على مقربة من كنيسة ماريا في عدن([30]).

الجدير بالذكر أن هذه الكنيسة هي التي تقف الآن على تلة في طرف من أطراف الجبل الأخضر بمدينة عدن([31])، في الطريق المؤدية إلي مجمّع المحاكم، وحلّ محلها في ما تقدم من العقود الماضيات المجلس التشريعي، والأرجح أن صهريج الكنيسة يقف أيضًا على مقربة منها، وثمة صهريج آخر يقع خلف الكنيسة القائمة في صحن ثانوية أبان([32])، ومعبد هندوسي قديم وكلا الأثرين اختفيا تمامًا([33]).

ويبدو واضحًا أن كلا العملين قام بهما المبشرون البريطانيون بعدن، بيد أن شهاب يذكر أن مؤسسي كنيسة ماري الكاثوليكية مبشرون غير بريطانيين([34]).

كما شُيد صهريج ثالث على التل المشرف على مقبرة اليهود بالمعلا، ورابع في منطقة حجيف، في مفترق الطرق بين المعلا والتواهي([35]).

ويشير بلييفر في تقريره إلى وجود صهريجين آخرين، أحدهما في وادي العيدروس والآخر خلف مركز شرطة عدن القديم([36])، لعلهما اللذان أشار إليهما ابن المجاور بقوله: "والصهريج عمارة الفرس عند بئر زعفران، والثاني عمارة بني زريع على طريق الزعفران أيمن الدرب في لحف جبل الأحمر"([37]). والأخير يُعد من المآثر الإسلامية في عدن، وكلا الأثرين قد اندثرا.

وبديهي أنه ليس صحيحًا الأخذ بكل هذه الآراء لاسيما تلك التي تنسب بناء الصهاريج إلى الملك سليمان، أو الكلدانيين، أو الإسكندر المقدوني، أو شداد بن عاد لخلوها من الدقة وربما الصحة أيضًا، فهي ضرب من الروايات الإخبارية لا تؤكدها الدلائل العلمية، وقد فنّد بعضَها بعضُ الدارسين، ولسنا في حاجة إلى أن نعرض لهذا التفصيل، غير أننا نود أن نخلص من هذا كله إلى أن الدراسات الميدانية الحديثة([12]) المستندة إلى الموازنات العلمية الدقيقة بين التشييدات والمآثر المماثلة، والظواهر الطبيعية، ووسائل البناء تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الحميريين هم بناة الصهاريج الأصلية، التي طرأت عليها تغييرات مختلفة على مر الغداة وكر العشي، بحيث انطمست معالمها الحقيقية، وانمحت أصولها الطبيعية، وعلى الأخص في عهد الإدارة البريطانية.

وقد تم ذلك بموازنة هذه المآثر بمآثر أخرى مماثلة من النمط نفسه في جنوب الجزيرة، والتي تفيدنا بتشييد عمران مماثل في

وفي منتصف القرن العاشر الهجري، وبالتحديد في سنة 945هـ/1538م، وصف أحد أفراد حملة سليمان باشا الأرناؤوطي على عدن، هذه الصهاريج بأن ماءها كله من الأمطار، يحفظ في حفر، وصهاريج يبلغ عمقها مائة قامة([1])، وقد بدأ تدهور هذه الصهاريج من القرن العاشر الهجري، ثم تركت لتتدهور وتختفي([2])، وفي هذه المدة شيد الأتراك صهاريج كانت مطلية بالجص والرخام، وعليها قباب رائعة([3])، وعلى الجملة، فقد اختفت وتلاشت ولم يعتن بمثيلات لها مازالت قائمة في وادي الطويلة في وقتنا الحاضر([4])، وحلت محلهـا تشـييدات ومنشآت أخرى، ويغلب على الظن أن بعض آبار عدن، لاسيما المحفورة في الجبال مثل: البئر المعروفة ببئر (الهرامسة)، أو (في بر) والتي دارت حولها أساطير مختلفة أتى على ذكرها ابن المجاور([5])، وبامخرمة([6]) هي عبارة عن صهريج استخدمه القاطنون في القلعة من الحامية وغيرهم للشرب، وقضاء الحاجات الأخرى، فقد ذكر شيرنسكي أن هذا الموضع يعد مأوى للإقامة([7])، وبالجملة فهنالك عدد كبير من الصهاريج لم نقف عليه، بل لم تقف عليه البعثات الاستكشافية الآثارية، فلعلها مآثر إسلامية شيدت في عهود الدول الإسلامية المتعاقبة على عدن، وقد أسهمت الترميمات البريطانية لبعض منها في اختفاء معالمها الإسلامية الأصلية، وقد دعونا في الثمانينات من القرن الفائت إلى إجراء تنقيب شامل في بعض المناطق الأثرية في عدن مثل: جزيرة صيرة، ومنطقة الصهاريج، ومواضع البغد والأنفاق، ومنطقة المنارة في شارع أروى، كما دعا الخبير الروسي شيرنسكي إلى إجراء تنقيبات في منطقة صيرة والقلعة، وكل تلك الدعوات ذهبت أدراج الرياح، ولم تلق صدى لدى المسؤولين والمختصين.

المطلب الثالث- تاريخ بناء الصهاريج:

ولم يعثر الدارسون الآثاريون على دليل كتابي أو مدونة مسندية تثبت تاريخ بناء هذه الصهاريج، ولهذا تفاوتت أراء الدارسين بهذا الصدد تفاوتًا بينًا، ولم تستند إلى قرائن علمية، فمنهم من قال: إنها من صنع سليمان أو من مآثر الكلدانيين في اليمن([8])، ومنهم من ذهب إلى القول: إنها من أعمال الإسكندر المقدوني، أو شداد بن عاد، أو إنها تعود إلى العصر الحميري، وقد اعتقد بعضهم الآخر أنها شيدت أو رُممت في أثناء الغزو الفارسي لليمن في حدود 575م([9]) أو 600م في رواية أخرى، أو ترجع إلى العصرين الرسولي([10])، أو الطاهري([11])، أو الدول الإسلامية الأخرى المتعاقبة على اليمن.

البلاد في القرون الأخيرة قبل الميلاد([13])، وأكدت الشواهد والمعاينات أن هناك صهاريج مماثلة في مدينة ذمار([14])، وحضرموت والضالع وبيحان، قد استخدمت فيها وسائل البناء نفسها المستخدمة في بناء صهاريج الطويلة كالأحجار المصقولة المشذبة ومعجون المرمر الناعم "التجصيص".

واستنادًا إلى هذه الشواهد يرجّح عالم الآثار المهندس باوين أن صهاريج الطويلة الأصلية بنيت قبل الميلاد([15])، ويرى بعض الدارسين أنها شيدت في نهاية الألف الأول قبل الميلاد باستثناء بعض الصهاريج مثل السبعة الدروب التي شيد بعضها في العصر الأيوبي، وصهريج الفارسي([16])، وصهريج (أبو قبة)، وصهاريج أخرى أتينا على ذكرها فيما تقدم.

ونلاحظ أن كل هذه الصهاريج تعرضت – كما أسلفنا – لتغييرات كثيرة بفعل القدم والمناخ والتعرية والإهمال، والعوامل الفيزيائية والكيمياوية والالكتروكيماوية للماء كما يقول الخبير ميان([17])، بحيث انمحت معالمها المهمة، فما بالك بتلك التي ابتناها الحميريون.

المطلب الرابع- وضعية الصهاريج إلى ما قبل عام 1273هـ/1856م:

بيد أن بعض الدارسين يذكر أن الصهاريج كانت في حالة جيدة حينما زارها المستر سولت سنة 1224هـ /1809م، وظلت على هذه الحال إلى سنة 1251هـ/1835م([18])، حيث وصفها الكابتن هينس الذي قدم إلى عدن في العام نفسه ضمن البعثة الاستكشافية التجسسية التي طافت حول الساحل العربي، وصفها بأنها: "تبدو في حالة جيدة"([19])، أما تلك الصهاريج المعلقة المعروفة بالسبعة الدروب، فمن الطبيعي أنها حظيت بعناية ورعاية الجهات المعنية في تلك العهود التي عملت على تنظيفها وترميمها، ثم أهملت بعد ذلك فتراكمت الحجارة والأتربة فيها بفعل الرياح وعوامل التعرية المختلفة، ولم تحظ بأية عناية، فقد استخدم الأهالي أحجار الصهاريج المعلقة في بناء منازلهم بإذن من الإدارة العسكرية البريطانية.

وفي سنة 1273هـ/ 1856م تنبه الكابتن بلييفر إلى حالتها السيئة فعمل على تنظيفها وترميمها وتسويرها بحيث اختفت معالمها الأساسية، وغدت على النحو الذي نراه اليوم، وقد بدأت عملية التنظيف والترميم منذ سنة 1273هـ/ 1856م، واستمرت إلى سنة 1277هـ/1860م، كما يقول لقمان([20])، غير أن مشروعه اقتصر على صهاريج الوادي وحدها، فلم يمس المشروع الصهاريج المعلقة، ولا تلك المطمورة التي تربو على أربعين صهريجًا.

والاعتقاد السائد لدى بعض الدراسين، أن صهاريج الطويلة كانت مطمورة تمامًا، وأن الفضل في اكتشافها يعود إلى الكابتن بلييفر، وقد استنتجوا هذا لاشك من مؤلفه تاريخ العربية السعيدة أو اليمن سالف الذكر، الذي بسط فيه الحديث عن حال الصهاريج ما قبل سنة 1273هـ/ 1856م وما طرأ عليها من تغيرات بفعل عوامل التعرية والإهمال، وكذا من خلال اللوحة الحجرية المثبتة في صخرة عند مدخل صهريج أبو عجلة، التي دوّن عليها هي الأخرى اكتشافه الصهاريج، وقد سبق أن أشار الكابتن هنس إلى أن هذه الصهاريج كانت في حالة جيدة سنة 1224هـ/ 1809م وحتى سنة 1251هـ/ 1835م، ويستبعد أن تطمر تمامًا خلال عقدين من الزمان.

صورة رقم (5)

الصهريج المدور

ومن الطبيعي أنها تعرضت لحملات متتالية من التنظيف والصيانة وإزالة ما تراكم فيها من مخلفات السيول، والعوامل الطبيعية المختلفة، إلا أن أحدًا لم يسجل نتائج هذه الحملات باستثناء حملة التطهير التي قام بها التاجر الفارسي (كاوسجي انشون) للصهريج المعروف (بالفارسي) الذي يقف بمحاذاة ملعب الأطفال الحديث، فقد أشار إليها لقمان([21])، ولا شك أن هناك حملات أخرى مماثلة قامت بها الإدارات المعنية بصيانة المآثر؛ إلا إننا لم نقف عليها لأن أحدًا لم يدونها، والحقيقة، فإن معظم المخلفات من طمي وأتربة وحجارة تتراكم بسبب تدفق السيول من القمم، لأنها تجرف معها المخلفات المتراكمة في الصهاريج المعلقة المعروفة بالسبعة الدروب، هذا إلى جانب عوامل التعرية المختلفة والإهمال وعبث الإنسان.

صورة رقم (6)

( قنوات بين الصهاريج )

المبحث الثالث

مشروع صيانة الصهاريج

المطلب الأول- السيول التي اجتاحت مدينة عدن وفيضان الصهاريج:

كما فعلت عوامل التعرية والإهمال فعلهما بالصهاريج، فقد كان للسيول كما أشرت دورها الفعال أيضًا بما تخلفه من أتربة وطمي وحجارة في أرضيات الصهاريج، حيث يُحدث هذا إضرارًا في أرضياتها وجدرانها، ويؤدي من ناحية أخرى إلى غرق بعض الأطفال والشباب في مواسم الإمطار، وقد يؤدي فيضانها إلى هدم البيوت وهلاك الناس، وذكر ابن الديبع: "أنه حصل مطر غزير بمدينة عدن ولحج وأبين وغيرها في سنة ست عشرة وتسعمائة امتلأت منه الصهاريج حتى تفجرت وانهارت بعض بيوت الحجر وهلك بعض الناس"([22]).

وامتلأت الصهاريج وفاضت بالمياه في أوائل عقد الأربعينيات من هذا القرن، وتدفقت مياهها إلى المدينة، وجرفت عددًا من البيوت والجمال، وحدث هذا في عقد السبعينيات والثمانينيات حيث تفجرت، وأحدث تدفقها وانسيابها فجوة في صهريج الفارسي، واجتاحت سيولها المدينة وجرفت العربات، وأغرقت بعض الناس، وكادت بعض أحياء عدن أن تغرق جراء ذلك، لولا الأنفاق والسراديب التي ساعدت على تسرب المياه إلى البحر.

وفي مثل هذه الأحوال تتراكم الرواسب والنفايات في قيعان الصهاريج، ويتعرض الصبية والشباب للغرق في الوحل والطمي المتراكم([23])، ففي شهر مارس من سنة 1983م غرق طفل يبلغ من العمر اثني عشر عامًا كما أشارت بعض التقارير([24]).

كما لقي عدد آخر من الشباب والأطفال حتفهم غرقًا في صهريج أبو عجلة الذي يمتلئ في موسم الأمطار، بحيث يغدو بركة صالحة للسباحة في نظر الصبية، ولم يستطع أحد إنقاذهم نتيجة تراكم الطمي والأتربة في أرضيته.

صورة رقم (7)

( الصهريج المدور)

 

صهاريج عدن الإسلامية (3)


([1])  لقمان، تاريخ عدن، ص258.

([2])  ميان، تقرير عن الصهاريج مسودة.

([3])  وورد في بلييفر، تاريخ العربية السعيدة، تر: النوبان وباحشوان، ثلاثين مليون جالون، ص16؛ لقمان، تاريخ عدن، ص259؛ بريان دو، جنوب الجزيرة العربية، ص89.

([4])  ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص132. وجبل الأحمر: هو التل الصغير الذي يفصل وادي العيدروس عن وادي الطويلة، وتقع عليه الآن مباني شرطة عدن. محيرز، صهاريج عدن، ص15.

([5])  المبأة : بفتح الميم والموحدة، قرية صغيرة تحت عدن، بينها وبين عدن ربع فرسخ. بامخرمة، تاريخ ثغر عدن، ص18؛ ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص126؛ العبدلي، هدية الزمن، ص21؛ الشعيبي، اليمن، الظواهر الطبيعية والمعالم الأثرية، ص51- 53. ويرى محيرز أن فرضة المعلا ودكة الكباش تقف على أنقاضها. العقبة، ص39، 48، 63.

([6])  ابن الديبع، الفضل المزيد، ت: شلحذ، ص372.

([7])  محيرز، العقبة، ص39.

([8])  محيرز، العقبة، ص129.

([9])  أحسن التقاسيم، ص85.

([10])  صفة جزيرة العرب، ص94؛ السياغي، معالم الآثار اليمنية، ص116.

([11])  الرحلة، ص244.

([12])  محيرز، صهاريج عدن، ص16.

([13]) .Ingrams.Arabia And Isles P.11 -12. وبلييفر، تاريخ العربية السعيدة أو اليمن، تر: النوبان وباحشوان، ص17.

([14])  لقمان، تاريخ عدن، ص259.

([15])  العظم، رحلة في البلاد العربية السعيدة 1- 17؛ القرماني، أخبار الدول وآثار الأول، ص364.

([16])  العبدلي، هدية الزمن، ص17.

([17])  ابن بطوطه، الرحلة، ص251؛ العبدلي، هدية الزمن، ص22.

([18])  رونالد ليوكوك (التقرير) مسودة، ص8.

([19])  ingrams –Araia and Isles P.11.

([20])  لقمان، تاريخ عدن، ص133. ويذكر شهاب أن هذه الآبار حفرت في القرن السابع الهجري، وعلى النحو الآتي: بئر أحمد بن المسيب حفرت 614هـ/1217م، بئر العقلاني حفرت 615هـ/ 1218م، بئر السلامي حفرت 617هـ/ 1220م. عدن فرضة اليمن، ص152.

([21])  ابن المجاور، تاريخ المستبصر، ص131؛ بامخرمة، تاريخ ثغر عدن، 1 /49.

7- أحد الأبواب التي ركبت على سور عدن القديم.

([23])  لقمان، تاريخ عدن، ص132؛ العبدلي، هدية الزمن، ص16.

1- هي تسميةً حديثة نسبيًّا أطلقت على أول الصهاريج الذي يتخذ شكل سلسلة، وهو صهريج علوي لا ينضب، تفيض عليه المياه من بركة عنبر.

([25])  يعتقد أنه سمي بالفارسي لأنه يواجه معبد الفرس، أو لأن التاجر الفارسي كاوسجي دنشو قام بتنظيفه من الأتربة والقمامات التي كانت تملأه. لقمان، تاريخ عدن، ص263.

([26])  لقمان، تاريخ عدن ص262؛ ميان، (التقرير) مسودة، ص14. ولعل صهريج (أبو قبة) هو من مخلفات العصر الطاهري، فقد ذكر ابن الديبع أن الظافر عامر بن عبدالوهاب بنى صهريجًا عظيمًا في عدن لم يسبق مثله. الفضل المزيد، ص290 - 291. وحينما اكتشف هذا الصهريج وجدت كتابات تحت الخرابة باللغة العربية، ويعتقد أن باني الصهريج مقبور تحت القبة. لقمان، تاريخ عدن، ص262.

([27])  هي مجموعة من القنوات التي تحتجز الحجارة والطمي في أثناء تدفق مياه السيول إلى القنوات والصهاريج الأخرى. محيرز، صهاريج عدن، ص70. وللأيوبيين يد في بناء بعضها وترميمها ، إذ يقال إن أبا عثمان عمر بن علي الزنجيلي هو الذي ابتناها، وقد قامت الجمعية الجيولوجية في عدن برئاسة الباحث الجيولوجي المهندس معروف عقبة بجهود مثمرة في هذا الصدد في الآونة الأخيرة.

([28])  محيرز، صهاريج عدن، ص55- 57.

([29])  محيرز، صهاريج عدن ص70.

([30])  لاشك أن هذا الصهريج قد اندثر اليوم ولا وجود له، أما الكنيسة فهي مازالت قائمة على تلة في جبل المنصوري قبالة البنك الأهلي اليمني في شارع أروى بعدن.

([31])  ويطلق عليه جبل المنصوري.

([32])  كنيسة القديس يوسف الكاثوليكية التي شيدت في القرن التاسع عشر في عدن القديمة (كريتر)، وتقف في شارع أروى على مقربة من جامع أبان التاريخي.

([33])  هذه الرواية تعوزها الأدلة والقرائن.

([34])  مقابلة مع حسن صالح شهاب، الباحث بمركز الأبحاث الثقافية والآثار والمتاحف، اليمن، عدن.

([35])  " مسودة تقرير " Reportor on Aden Tanks Historeal and orcheological، Norri

([36])  Playfair A history Arabia Felix or yemen

([37])  تاريخ المستبصر، ص122.

([1])  محيرز، صهاريج عدن، ص17. وذكر بلييفر في تاريخ العربية السعيدة أو اليمن، تر: النوبان وباحشوان، ص16، أن أحد الفنيين الأتراك عزى الصهاريج للأتراك، لكن بلييفر ينفي صحة ذلك، أما محيرز في صهاريج عدن، ص17 فيصف هذا الفن بالبندقي.

([2])  محيرز، صهاريج عدن، ص19

([3])  محيرز، صهاريج عدن، ص40

([4])  انظر: لقمان، تاريخ عدن، ص260؛ محيرز، صهاريج عدن، ص68؛ عقبة، عدن البعد التاريخي والحضاري، ص165.

([5])  تاريخ المستبصر، ص111.

([6])  تاريخ ثغر عدن، ص17، 29 – 30.

([7])  شيرنسكي، أضواء على الآثار اليمنية، ص17.

([8])  فتاة الجزيرة، العدد (502)، سنة 1950م، ص29.

 ([9]) بريان دو، جنوب الجزيرة العربية، ص89؛ ورونالد ليوكوك وروجر صيدح، التقرير 8.

Hunter – An A ccount of British Settlement of Aden in Arabia p. 11- 12. In grams Arabia and Isles p. 89.

([10])  لقمان، تاريخ عدن، ص262.

Arabia and Isles p. 89 -3. In grams الأكوع، محمد علي، اليمن الخضراء، ص86. وصوت الجنوب، العدد (15)، 1966م؛ فتاة الجزيرة، سنة 1950م، العدد (502)، ص9؛ وسنة 1943، العدد (195)، ص6؛ وميان (التقرير).

([12])  شيرنسكي، أضواء على الآثار اليمنية، ص16؛ وميان (التقرير) مسودة غير مرقمة.

([13])  شيرنسكي، أضواء على الآثار اليمنية، ص16.

([14])  ميان (التقرير).

([15])  قصاصات متناثرة عن تاريخ الصهاريج، ويرى المهندس باوين أن صهاريج الطويلة، وحصن الغراب بنيا قبل الميلاد، في حين يرى الخبير ميان أنها بنيت في القرن الأول الميلادي، بناها الحميريون (التقرير).

([16])  لعله سمي بذلك لأنه يواجه معبد الفارسي.

([17])  ميان (التقرير).

([18])  بلييفر، تاريخ العربية السعيدة أو اليمن، تر: النوبان وباحشوان، ص16 - 17.

([19]) Hunter.An Account of the British Settlement of Aden Arabia P, 11.

([20])- تاريخ عدن وجنوب الجزيرة العربية، ص260 - 261.

([21])تاريخ عدن وجنوب الجزيرة العربية ص259-263.

([22])  الفضل المزيد، ص323.

([23])  أشار ليكوك في تقريره أن الطمي في الصهريج الكبير بلغ ثمانية أقدام.

([24])  يلقى معظم الغرقى حتفهم في صهريجي أبو سلسلة وأبو عجلة.

التعليقات (0)