القيـم الجمالية للزخارف المنفذة على مصندقات سقف مسجد قيدان بالمحويت – اليمن (1)

القيـم الجمالية للزخـارف المنفَّذَة

على مـصندقات سقف مسجـد قـيدان بالمحويت - اليمن

(الجزء الأول)

د. غيلان حمود غيلان([1])   

الملخص:

يتناول هذا البحث دراسة القيم الجمالية للزخـارف المنفذة على مـصندقات سقف مسجـد قـيدان، وقد تركز على ما تحتويه هذه المصندقات من زخارف، وكذلك عملية توزيعها بشكل متناظر، إذ تم تزيين هذه المصندقات بمزيج رائع من العناصر الزخرفية المتنوعة التي يمكن تقسيمها من حيث طبيعتها إلى أقسام رئيسة هي: الزخرفة الهندسية، والزخرفة النباتية، والزخرفة الكتابية.

ولغرض التعرف على القيم الجمالية على هذه المصندقات استخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي للوصول إلى تحديد مواطن الجمال الكامنة في هذه الزخارف.

لقد توصل هذا البحث إلى نتائج ترفد الباحثين في الآثار والفنون الإسلامية عن القيم الجمالية المنفذة على مصندقات سقف مسجد قيدان، فضلًا عن التوصل من خلال تحليل نوعية الزخارف والخطوط إلى تحديد تاريخ هذه المصندقات, والذي يقع فيما بين القرنين (6 -7 هـ/ 12-13م).

Abstract

  Deals with this research study values aesthetic of decoration  carried out on the  roof boxes Qidan Mosque. Has focused on the contain this boxes of decorations, as well as the process of distributed symmetrical, as it was decorating this boxes mixture gorgeous of decorative items diverse that can be divided in terms of nature to sections main: Tracery Engineering, Tracery Plant, Tracery Written. Purpose to identify the values of aesthetic on this boxes use the researcher curriculum descriptive analytical access to determine the citizen beauty inherent in this motifs.

   I have reached this search to the results of supply the researchers at the Effects of the Arts Islamic values aesthetic carried out on the  roof boxes of Qidan Mosque chopsticks, as well as a through the analysis of the quality of motifs and fonts to determine the date of this boxes, which is located in between centuries (6 - 7 A.H / 12-13 AD).

المقدمة:

يقع مسجد قيدان في منطقة بني الطيار بمحافظة المحويت / اليمن، ويتم الوصول إليه عبر طريق متفرع من الطريق الرئيس الممتد من مدينة صنعاء إلى مدينة المحويت.(لوحة1)

لوحة  (1)      ( الباحث بالاعتماد على الخريطة السياحية)

يشير النص التأسيسي المدوَّن على الجدار الشرقي لبيت الصلاة من الداخل, إلى أن (بازل ابن الليث ابن بازل) قد أمر ببناء هذا المسجد، غير أن النص لم يشر إلى سنة التأسيس، فضلًا عن أن المصادر التاريخية وكتب التراجم والسير لم تتطرق إلى شخصية هذا الباني([2]).

والمسجد عبارة عن صحن يتقدمه بيت للصلاة مكعب الشكل، تبلغ مقاساته (9×10متر) (شكل1، لوحة2)، وجاء بيت الصلاة صغير بسيط المظهر من الخارج، أما من الداخل فإنه يتألف من ثلاثة أساكيب تقطعها ثلاث بلاطات، ويغطيه سقف خشبي مؤلف من أربع عشرة مصندقة تحملها أربعة أعمدة بشكل مباشر.([3])

شكل (1)                                                لوحة (2)

مشكلة البحث:

تحددت مشكلة البحث في الكشف عن زخارف المصندقات الخشبية التي تغطي سقف مسجد قيدان، وتسليط الضوء على القيم الجمالية الموجودة فيها، وتبرز من هذه المشكلات التساؤلات التالية:

  • ما الزخارف المنفذة على مصندقات سقف مسجد قيدان؟
  • ما الجوانب الجمالية والإبداعية الكامنة في هذه الزخارف؟
  • ماهي أسس التكوين الذي تستند إليه زخارف مصندقات سقف مسجد قيدان؟

 أهمية البحث والحاجة إليه:

- الإسهام في التعرف على القيم الجمالية وما لها من أهمية بالغة في كل عمل فني بشكل عام، والفنون الزخرفية الإسلامية بشكل خاص.

- رصد الزخارف المنفذة على مصندقات سقف مسجد قيدان.

- الكشف عن النواحي الإبداعية والجمالية لزخارف المصندقات الخشبية.

- لفت نظر القائمين على التراث الحضاري بأهمية صيانة مصندقات سقف مسجد قيدان وترميمها؛ لما تحمله من سمات فنية فريدة.

هدف البحث:

يهدف هذا البحث إلى:

- التعرف على الزخارف المنفذة على مصندقات سقف مسجد قيدان.

- رصد الجوانب الجمالية والإبداعية الكامنة في هذه الزخارف.

- الكشف عن أسس التكوين الذي تستند إليه زخارف مصندقات سقف مسجد قيدان.

حدود البحث المكانية:

 يقتصر البحث الحالي على دراسة المصندقات الخشبية التي تسقف مسجد قيدان بمحافظة المحويت اليمن.

منهج البحث:

 استخدم الباحث المنهج الوصفي التحليلي الذي يسعى إلى الكشف عن القيم الجمالية لزخارف مصندقات سقف مسجد قيدان وتكويناتها، وصولًا إلى تحديد مواطن الجمال الكامنة في هذه الزخارف.

 تحديد المصطلحات:

القيمة: عرفها ابن منظور بانها: ثمن الشيء بالتقويم([4]).

أما اصطلاحيًا فقد تبنى الباحث تعريف (صليبا): تطلق على كل ما هو جدير باهتمام المرء وعنايته.([5])

القيمة إجرائيًّا: في البحث الحالي هي مجموعة من القيم الفنية المشتركة التي تصب في أسس التكوين الزخرفي.

الجمال: عرفه ابن منظور جمل الشيء والتجميل: التزيين.([6])

ويرى هربرت: أن الجمال هو وحدة العلاقات التشكيلية بين الأشياء التي تدركها حواسنا([7])، بينما عرفه صليبا: الجمال مرادف للحسن، وهو التناسب بين الأعضاء([8]).

الجمالية: عرفها علُّوش بأنها نزعة مثالية تبحث في الخلفيات التشكيلية، وتختزل عناصر العمل في جماليته([9])، بينما جاء تعريفها في المعجم العربي الميسر: بأنها تُعنى بالقيم والعناصر التي تكسب العمل جمالًا فنيًّا([10]).

الزخرفة: هي تعبير وتزيين إسلامي له حضور جمالي، أما في المصطلح الأثري الفني فهي النقوش التي يجمل بها البناء([11]). 

المصندقات: هي تسقيف الفضاءات باستخدام السقوف الخشبية التي جاء توزيعها بما يشبه الصناديق المتجاورة، فهي تتألف من عوارض رأسية تتقاطع معها عوارض أفقية مشكلة مناطق مربعة أو مستطيلة نفذت عليها زخارف متنوعة([12]).

الدراسة الوصفية:

تزخر المباني الدينية في اليمن بنماذج طيبة من التحف الخشبية الثابتة والمنقولة، غير أن هذه التحف لم تحظ حتى الآن بدراسة وافية توضح لنا تطور الأساليب الفنية عليها، ومدى تأثرها بالأساليب الفنية التي سادت الأقاليم الإسلامية، ولاسيما المصندقات الخشبية التي تسقف العديد من المباني الدينية في اليمن([13])، ومنها مسجد قيدان المستهدف بهذا البحث.

إن كل مصندقة خشبية في مسجد قيدان تعد عملًا فنيًّا له شأنه بعد أن نالت جهدًا كبيرًا في عملية زخرفتها وتزويقها بالألوان، كما اعتُمِد في تنظيم المصندقات على مبدأ التناظر والتماثل، فعبرت عن تكوين فني متناسقة عناصره ببعضها من جهة، وبالفراغات المحيطة بها من جهة أخرى، إذ نجد أن بلاطة المحراب (الوسطى) قد غطتها أربع مصندقات مربعة الشكل، بينما غطت خمس مصندقات مستطيلة بشكل متناظر كل من البلاطتين الأولى والثالثة، غير أنه للأسف الشديد قد تعرضت مصندقات الأسكوب الأخير للتلف بسبب الرطوبة.

لقد زخرفت المصندقة الأولى التي تعلو المحراب مباشرة بزخارف هندسية ونباتية قوامها طبق نجمي ذو ثمانية أضلاع، زين مركزه بزهرة ذات ستة وريقات، واعتمد هذا النموذج الهندسي في أساسه الفني ونظام تكراره على المسدس المنتظم على هيئة خلايا النحل، ويتم بعد ذلك التوصل إلى رسم التفاصيل الداخلية لوحدة التكرار الأساسية بعد إجراء العديد من التوصيلات، حيث يتهيأ المجال لرسم تفاصيل الوحدة الأساسية التي تتوسطها نجمة ثمانية ينتج من امتداد خطوطها مضلعات هندسية خماسية موزعه بشكل متناظر.(شكل2، لوحة3)

شكل 2                                           لوحة 3

أما المصندقة الثانية فقد شغلتها أربعة مضلعات مثمنة الشكل حصرت بداخلها زخرفة نباتية من التوريق العربي (الارابيسك)، قوامها عبارة عن عنصر كأسي وبرعم وضعا بالتبادل، ويرتبط كل منهما بأغصان رشيقة تنتهي بأنصاف مراوح نخيلية، ويحيط بالزخرفة النباتية دائرة زيِّن سطحها بدوائر مطموسة لوِّنت باللون الأبيض بما يشبه عقد اللؤلؤ، ويحيط به دائرة أخرى لونت باللون البني، يحيط بها إطار مثمن الشكل نفذ باللون الأزرق الفاتح، ويشترك معه في التثمين شريط من الدوائر المطموسة المنفذة باللون الأبيض، وربما قصد الفنان بهذا التدرج اللوني إضفاء مسحة من التجسيم على هذه الزخرفة، إذ يلاحظ على الزخارف النباتية بأنها قد لونت بشكل متدرج وذلك بوضع ألوان أكثر غمقًا في وسطها بحيث تبدو بشكل محدب.   

لقد تكررت هذه الزخرفة داخل المثمنات الأربعة، التي حصرت فيما بينها نجمة رباعية يزين وسطها ما يشبه نصف كرة تحيط بها دوائر مطموسة، ويزين رؤوس النجمة أربعة عناصر كأسيه ذات الثلاثة فصوص، كما شغلت الفراغات المحصورة بين المثمنات زخارف نباتية من التوريق العربي (الارابيسك)، ويحيط بالمصندقة شريط عريض تزين سطحه أغصان نباتية أفعوانية الشكل تخرج منها أنصاف مراوح نخيلية، كما نصفت الشريط في كل جهة زهرة ذات خمس وريقات تشبه (الرنك) الرسولي، كما يحف بهذه المصندقة ما يشبه الكوابيل الخشبية، وضعت بالتبادل مع كيزان الصنوبر. (شكل3، لوحة4).

شكل (3)                                     لوحة (4)

أما المصندقة الثالثة فقد جاءت مغايرة لسابقتها، إذ قسمت بشريط عريض إلى أربعة مربعات متساوية، واحتوى كل مربع على مضلع زخرفي مثمن الشكل نتج من تقاطع مربعين شطف حواف إحداها على هيئة نصف دائرة وترك الآخر كما هو، فظهرت زوايا المثمن بهذا الشكل الزخرفي، وقد قام الفنان بتزيين سطحه بدوائر مطموسة نفذت باللون الأبيض، فصارت تشبه عقد اللؤلؤ، كما زين وسط المضلع زخرفة تشبه نصف كرة تحيط بها زخارف من التوريق العربي، وشغل الفراغ المتكون من هذا المضلع بأغصان نباتية متشابكة تخرج منها أوراق كأسية ثلاثية الفصوص ترتبط ببراعم بيضية الشكل، كما يحيط بالمصندقة من جميع الجهات شريط عريض تزينه أغصان نباتية أفعوانية الشكل تخرج منها أوراق بيضية، ونصفت كل جهة زهرة ذات خمس وريقات لونت باللون الأبيض المشابه (للرنك) الرسولي(شكل4، لوحة5).

شكل (4)                                      لوحة (5)

أما البلاطة الأولى والثالثة فقد غايرت المصندقات فيهما مصندقات البلاطة الوسطى، وربما كان القصد من ذلك هو تميز بلاطة المحراب من جهة، ومن جهة أخرى التزام الفنان بتوزيع المصندقات على هذا السقف بشكل متناظر، إذ نجد أن كل بلاطة قد احتوت على ثلاثة نماذج من المصندقات.

النموذج الأول: وتم فيه رسم شريط عريض قسم المصندقة إلى اثني عشر مربعًا، وزين أضلاع المربعات المتجاورة بدائرة تشبه نصف الكرة، تكتنفها عناصر نباتية من التوريق، أما العوارض الخشبية فقد زينتها أغصان نباتية أفعوانية الشكل تخرج من دائرة وضعت في الوسط، وتزين وسطها زهرة خماسية الوريقات، تنطلق منها الأغصان بتناظر تمثيلي، أي أن الأغصان الممتدة في الجهة اليمني تساوي الامتداد نفسه في الجهة اليسرى وتناظرها في العناصر، وزين وسط كل مربع زخارف قوامها دائرة تخرج منها أربعة عناصر كأسية، وشغلت وسط كل دائرة زخارف نباتية من التوريق، وعلى الرغم من أن الدوائر تتشابه، فإن الفنان قد غاير الزخارف المنفذة بداخلها، إذ نجد تباينًا من دائرة إلى أخرى في العناصر والتصميم واللون، وربما قصد الفنان من ذلك القضاء على الرتابة والملل وإضفاء نوع من الحيوية على هذه الزخارف. ( لوحة 6)

لوحة (6)

النموذج الثاني: وهذا النموذج من المصندقات قد شغلته زخرفة قوامها مضلعات تزين مركزها نصف كرة تحيط بها دوائر مطموسة, وشغلت سطح المضلع زخارف نباتية من التوريق العربي, ورسم في كل مصندقة مضلعان وضعت بالتبادل مع ما يشبه سعفة النخيل, إذ استفاد الفنان من تغيير وضعية القطع الخشبية الصغيرة ورتبها بحيث تبدو كسعفة نخيل, واحتوت كل مصندقة على سعفتين ومضلعين وضعا بالتبادل. (شكل 6).

 شكل (6)

النموذج الثالث: ويتميز هذا النموذج باحتوائه على مضلع واحد فقط, زين وسطه بما يشبه نصف الكرة في الوسط تحيط بها دوائر مطموسة لونت باللون الأبيض وزين سطح المضلع زخرفة قوامها دوائر متقاطعة شكلت من تقاطعها زهرات ذات أربع وريقات، وتنتهي هذه الدوائر من الجهتين بزخارف نباتية محورة. أما باقي المصندقة فقد زينت بما يشبه السعفة النخيلية.(شكل7)

شكل (7)

(الجزء الثاني)

 


([1]) أستاذ مشارك بقسم الآثار - جامعة صنعاء.

([2]) غيلان، غيلان حمود، زخـارف مـصندقات مسجـد قـيدان، إبـداع إسـلامي متمـيز، مجلة جامعة صنعاء للعلوم الاجتماعية والإنسانية، العدد 7،  ص166.

([3]) غيلان، غيلان حمود، المصدر نفسه، ص167.

([4]) ابن منظور، لسان العرب، المجلد 12، ط 6، دار صادر، بيروت،  1997م، ص500.

([5]) صليبا، جميل، المعجم الفلسفي، جـ2, دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982م، ص212.

([6]) ابن منظور، المصدر السابق، ص745.

([7]) ريد، هربرت، معنى الفن، ترجمة سامي حسين،  وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1989م، ص43.

([8]) صليبا، جميل، المصدر السابق، ص567.

([9]) علوش، سعيد، معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، ط 1، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1982، ص62.

([10]) بدوي، أحمد وآخرون، المعجم العربي الميسر، ط 1، دار الكتاب المصري، القاهرة، 1991م، ص2

([11]) رزق، عاصم، معجم المصطلحات العمارة والفنون الإسلامية، ط 1، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2000م، ص130.

([12]) خليفة، ربيع حامد، الفنون الزخرفية اليمنية في العصر الإسلامي، الدار المصرية اللبنانية، ط1، القاهرة، 1992م، ص129.

([13]) غيلان، غيلان حمود، الأخشاب المزخرفة في اليمن، رسالة ماجستير (غير منشورة) كلية الآداب، جامعة بغداد، 1996م، ص15.

المرفقات
العنوان تحميل
القيـم الجمالية للزخـارف المنفَّذَة على مـصندقات سقف تحميل
التعليقات (0)