القيـم الجمالية للزخارف المنفذة على مصندقات سقف مسجد قيدان بالمحويت – اليمن (2)

القيـم الجمالية للزخـارف المنفَّذَة

على مـصندقات سقف مسجـد قـيدان بالمحويت - اليمن

(الجزء الثاني)

أما الجوائز([1]) والعوارض (البراطيم) التي تحمل السقف فقد زينت أسطحها المتجهة إلى أسفل بزخارف هندسية ونباتية متكررة، يمكن تمييز ثلاثة أنواع منها هي:

النوع الأول: وقوام زخرفته عبارة عن طبق نجمي ذو ثمانية رؤوس، يحيط به مخمسات ومضلعات شغلت مراكزها زهرة ذات ست وريقات، كما شغلت المساحات الناتجة من تكرار الزخارف الهندسية زخارف نباتية قوامها أربعة عناصر كأسية تلتقي مع بعض عند رؤوس فصوصها العلوية.(شكل8)

شكل (8)

النوع الثاني: وقوام زخرفته تعتمد على زخرفة الجفوت اللاعبة(*) التي تشغل سطحها زخارف نباتية محورة من التوريق العربي، قوامها أغصان رشيقة تخرج من عقد رابطة وتتفرع إلى فرعين يغطي كل فرع جهة بشكل حلزوني، ويتولد منه أغصان أخرى بحيث يغطي المساحة الموجودة داخل المضلع بالكامل.(شكل9)

شكل (9)

النوع الثالث: وقوام زخرفته نجمة ذات اثني عشر رأسًا تحيط بها مضلعات معينية الشكل، تحصر بينها أطباقًا نجمية ونجومًا سداسية، وشغلت المساحات الناتجة من التكرار أوراق نباتية بيضية الشكل.(شكل 10)

شكل (10)

أما الأسطح الداخلية للجوائز فقد زينتها آيات من القران الكريم كتبت بالخط الكوفي المورق، والخط الكوفي المضفور، وكذلك بالخط الكوفي المعماري، فضلًا عن خط الثلث الذي كتبت به بعض الآيات الكريمة واسم من أمر بالبناء.(الأشكال 13،12،11).

شكل (11)

شكل (12)

شكل (13)

الـدراسة التحـليليـة:

يزين سقف مسجد قيدان عدد من التصاميم الزخرفية التي تحمل قيم جمالية([2])، ولعل ما يميز هذه المصندقات عن غيرها هو تفرد تنفيذ الزخارف عليها بالألوان فحسب، أي بدون استخدام الحفر الغائر أو البارز، فضلًا عن تمكن من قاموا بالعمل من ضبط معايير الجمالية الإسلامية(*) التي تعتمد على الحرية والإبداع والبحث عن المثل والتسامي والإطلاق([3])، ففي نطاق هذا الفلك الواسع، نجد أن الفنان قد أتقن توزيع المصندقات بشكل متوازن، كما اعتمد في تنظيمها على مبدأ التناظر والتماثل.

لقد تمكن الفنان من تحقيق قيمًا فائقة الحد من الجمال على هذه المصندقات، حيث تقودنا بعض الزخارف إلى زخارف أخرى في داخلها ثم تقودنا هذه بدورها إلى زخارف ثالثة، بما يوحي للمتأمل أنه ينتقل من مستوى فكري إلى آخر،([4]) وتحس العين حين ترى هذه الزخارف أن كل مساحة منها تحقق نوعًا من الإيقاع، لأن الإيقاع في العمل الفني الإسلامي يعتمد التماثل والتناظر والتبادل([5])، فظهرت بذلك وحدة العناصر البنيوية التي طبعت زخارف هذا السقف بطابع متميز.

استخدم الفنان في تزيين هذه المصندقات مزيجًا رائعًا من العناصر الزخرفية المتنوعة، التي تقوم على منطلقات فكرية وفلسفية وجمالية([6]) ويمكن تقسيمها إلى أقسام رئيسة هي: الزخرفة الهندسية، والزخرفة النباتية، والزخرفة الكتابية.

الزخـرفة الهندسية:-

تعد الزخرفة الهندسية عنصرًا أساسيًّا من عناصر الزخارف الإسلامية، فمنذ العهد الأموي اتجه الفنان العربي إليها، فقد شاع استعمالها على العمائر والتحف الفنية المتنوعة، معتمد في بداية الأمر على الأشكال البسيطة كالمستقيمات والمربعات والمثلثات والمضلعات والدوائر المتماسة والمتقاطعة والأشكال السداسية والثمانية.([7]) غير أن الفنان المسلم ظل يبحث عن تكوين جديد مبتكر يتولد عن اشتباكات قواطع الزوايا ومزاوجة الأشكال الهندسية لتحقيق الجمال الرصين.([8])

ظهرت العناصر الزخرفية الهندسية على مصندقات سقف مسجد قيدان بشكل متطور فهي تشبه تلك الزخارف المائية المنفذة بالألوان (الفريسكو) المنفذة على مباني العصر الرسولي في مدينة تعز، كالمدرسة المظفرية، والمعتيبة، والأشرفية (لوحة8)، ولم تصل إلى مستوى الزخارف التي ظهرت في مباني الدولة الطاهرية من التعقيد والحشد، ولاسيما ما وجد في المدرسة العامرية في مدينة رداع.(لوحة9)

 

لوحة (9)

تعددت العناصر الزخرفية الهندسية المنفذة على سقف هذا المسجد، فقد قسمت المساحات داخل المصندقات إلى مربعات أو مستطيلات، شغلت المساحات المربعة منها عنصر رئيس كبير يظهر في الوسط على هيئة نجمه أو مثمن أو مسدس، ويدور حول هذا العنصر الكبير عناصر أصغر حجمًا، إما بشكل نجوم صغيرة، أو مضلعات هندسية متنوعة، أو نجوم ومضلعات متعاقبة مع بعضها، في تتشابك  وانسجام مستمر، وكأنّ الفنان أراد بذلك أن يصور مجاميع الأشكال الوميضية التي تشع وتستقبل باستمرار،([9]) حتى تغطى المساحة المراد زخرفتها، أما المساحات المستطيلة فقد قسمت إلى مربعات صغيرة شغلت بالزخارف النباتية، وازدانت الأشرطة الزخرفية بالمضلعات المتنوعة.

إن أبرز العناصر الزخرفية الهندسية المنفذة على هذه المصندقات هي الأطباق النجمية (star pattern)، وهي زخرفة إسلامية صرفة، وتعد أكثر الزخارف الهندسية الإسلامية إبهارًا، وفي الوقت نفسه أبرز سماتها([10]).

لقد وفق الفنان إلى حد كبير في اختيار نوعية العناصر الزخرفية الهندسية التي تنسجم فيما بينها ومع بقية العناصر الأخرى فاختار المناطق المفصصة والمؤلفة من فصوص رباعية تفصلها رؤوس ثلاثية والتي ظهرت في الفن الإسلامي منذ عصر سامراء ثم امتدت إلى الموصل في القرن (5هـ/ 11م)، وظهرت في مصر خلال العهد الفاطمي([11])، وكذلك الدائرة والشكل البيضاوي وكلاهما من عائلة واحدة، وقد أصاب الفنان أن جعل الشكل البيضاوي يحتضن الدوائر المطموسة.(شكل7)

شكل (7)

الـزخرفة النباتية:

اهتم الفنانون المسلمون بالزخارف النباتية اهتمامًا كبيرًا، وليس ذلك فحسب، بل تمكنوا من ابتكار أشكال نباتية عديدة اتسمت بالتجريد عرفت بالتوريق أو (الأرابيسك)، وهى زخارف تميز بها الفن الإسلامي دون غيره من الفنون،([12]) حتى وصفها البعض بأنها لغة الفن الإسلامي([13]).

لقد وصلت زخارف التوريق (الارابيسك) إلى اليمن عن طريق مصر في العصر الفاطمي حيث شهد هذا العصر علاقة قوية بين الدولة الفاطمية في مصر والدولة الصليحية في اليمن،([14]) إذ تمثلت زخارف التوريق في بداية أمرها في مسجد العباس في أسناف خولان (519هـ/1125م)، ثم بعد ذلك في جامع السيدة بنت أحمد في جبلة (ت: 532هـ/1138م)، سواء ما ظهر منها على السقف أو المحراب أو المنبر([15])، وبعد ذلك شاعت هذه الزخرفة في اليمن خلال العصر الرسولي الذي واكب التطور الزخرفي في مصر والشام خلال العصر الأيوبي، ولاسيما أن بني رسول استجلبوا من مصر والشام آنذاك طوائف من أرباب الصناعات والحرف الذين نقلوا بدورهم آخر الابتكارات والتطورات في مختلف الصنائع والفنون، بالإضافة إلى الصناع اليمنيين الذين اشتهر في تلك المرحلة التاريخية، منهم المؤرخ الخزرجي (الذي كان يعمل في زخرفة المساجد والدور الملكية) ومن ضمنها دار الديباج في منطقة ثعبات([16]) وغيرها.

وعند مقارنة زخارف التوريق التي نفذت على هذه المصندقات بمثيلاتها في العصر الأيوبي سواء أكان ذلك على الفنون التطبيقية أم على العمائر(*) يتضح لنا أن التحوير والتجريد للعناصر النباتية على هذه المصندقات لم تتباين كثيرًا عما وجد في غيرها من الأقطار الإسلامية الأخرى، فزخارف التوريق لا تحتفظ إلا بذكرى بعيدة عن النباتات الطبيعية التي استوحى منها الفنان هذه العناصر، كما أن هذه العناصر النباتية تعتمد قوانين التقابل والتماثل في حركات إيقاعية، بحيث تكسب المشاهد إحساسًا بالحركة التي تمتاز بها زخارف التوريق (الارابيسك).([17]

ومن العناصر النباتية التي استعان بها الفنان لتزيين المصندقات المراوح  النخيلية (palmette) وأنصافها والتي مثلت بأشكال مختلفة منها البسيطة والمفلوقة والمركبة، فضلًا عن أنصافها التي اتخذت أشكالًا متعددة تباينت في هيئاتها العامة وفي تفاصيلها الدقيقة، فقد حدد شكلها الحيز الذي شغلته، بالإضافة إلى الوحدات الزخرفية التي ارتبطت معها أو أحاطت بها.

لقد حظي هذا العنصر بعناية الفنان المسلم فاستعمله في جميع أعماله الفنية، لما تمتاز به المروحة النخيلية من قابلية على التكيف والملائمة مع تباين المساحة المخصصة للزخرفة([18])؛ لما لهذا العنصر من رقة وانسيابية، فضلًا عن أنها تؤلف أشكالًا متناظرة وزخارف متماثلة تحقق للفنان رغبته في التخلص من الفراغ الناتج من تقاطع خطوط الزخارف الهندسية([19])، فقد ظهرت المراوح النخيلية المنفذة على المصندقات بشكل متطور، إذ نجدها تمثلت بشكل مخروطي أطلق عليه بعض الباحثين ( البالمت البسيط)([20])، غير أن الفنانين تمكنوا من إيجاد أشكال مركبة، وذلك بشطر المروحة النخيلية إلى نصفين يلتقيان عند رأسيهما، ويعلوهما مروحة صغيرة بسيطة.

(الجزء الثالث)


([1]) الجائزة: جذع شجرة متوازي المستطيلات يدخل في بناء السقف، يثبت طرفاه على حائطين متقابلين.... ويقصر استعمالها على الأسقف الأفقية، وكثيرًا ما تزين أو تلون. غالب، عبد الرحيم، موسوعة العمارة الإسلامية، جروس برس، بيروت، 1988م، ص114.

* الجفت يعرف بأنه "حلية زخرفيه على هيئة إطار أو سلسلة تشبه عصوين معقوفين بينهما قناة غائرة، وفي هذه الحالة يسمى جفت مجرد، أما إذا تخلل هذا الإطار أشكال زخرفية فيعرف بجفت لاعب". الحداد، محمد حمزة إسماعيل، المدخل إلى دراسة المصطلحات الفنية للعمارة الإسلامية، زهراء الشرق، ط 3، القاهرة، 2008م، ص90.

([2]) بهنسي، عفيف، أثر الجمالية الإسلامية في الفن الحديث، ط1، دار الكتاب العربي، القاهرة ودمشق، 1998م، ص31

* الجمالية في الفن العربي الإسلامي هي: "ما تمنحه الصور من إحساس جمالي استاطيقي، من خلال جمع عناصرها داخل حيز معين لتتشكل ضمن المفهوم الروحي للإنسان العربي المسلم". محمد، بلاسم، تأويل الفراغ في الفنون الإسلامية، دار مجدلاوي، ط1، عمان، 2008م، ص139.

([3]) بهنسي، عفيف، المصدر السابق، ص8،9.

([4])  الألفي، أبو صالح، الفن الإسلامي، أصوله، فلسفته، مدارسه، دار المعارف، مصر، 1969م، ص95.

([5]) الألفي، أبو صالح، المصدر نفسه، ص109؛ عفيفي، فوزي سالم، نشأة الكتابة الخطية العربية ودورها الثقافي والاجتماعي،  ط1، وكالة المطبوعات، الكويت، 1980م، ص395.

([6])  الصقر، إياد، الفنون الإسلامية، ط1، دار مجدلاوي، عمّان، 2003م، ص107.

([7]) الأعظمي، خالد خليل حمودي، الزخارف الجدارية في آثار بغداد، وزارة الثقافة، بغداد، 1980م، ص128.

([8]) النحاس، أسامة، الوحدات الزخرفية الإسلامية، بل برنت، القاهرة، بدون تاريخ طبع، صب.

([9]) بهنسي، عفيف، معاني النجوم في الرقش العربي، بحث منشور في أعمال الندوة العالمية، الفنون الإسلامية، المبادئ والأشكال والمضامين المشتركة، استانبول، دار الفكر، دمشق، 1989م، ص62.

([10]) الباشا، حسن، موسوعة العمارة والآثار والفنون الإسلامية، أوراق شرقية المجلد الثاني، ط1، بيروت، 1999م، ص97؛ الطايش، علي أحمد، الفنون الإسلامية المبكرة، فن العصرين الأموي والعباسي، مكتبة زهراء الشرق، القاهرة، 1003م، ص19.

([11]) الجمعة، أحمد قاسم، الزخرفة الرخامية، موسوعة الموصل الحضارية، المجلد الثالث، جامعة الموصل، ط1، الموصل، 1992م، ص355.

([12]) غالب، عبد الرحيم، موسوعة العمارة الإسلامية، جروس بروس، ط1، بيروت، 1988م، ص35

([13]) مرزوق، محمد عبد العزيز، الفن الإسلامي، تاريخه وخصائصه، بغداد، 1965م، ص180 – 181.

([14]) الهمداني، حسين بن فيض الله، الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط1، 1986م ص212.

([15]) غيلان، غيلان حمود، محاريب صنعاء حتى أواخر القرن (12هـ/18م)، وزارة الثقافة والسياحة، صنعاء، 2004م ص201.

([16]) البريهي، طبقات صلحاء اليمن، صنعاء، 1983م، ص291؛ صادق، نهى، المؤرخ الخزرجي وعمله في زخرفة العمائر، دراسات في تاريخ اليمن الإسلامي، المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية، صنعاء، 2002م، ص208-209

*- انظر: سالم، عبد العزيز صلاح، الفنون الإسلامية في العصر الأيوبي، جـ 2، مركز الكتاب للنشر، القاهرة، 2000م، ص95 – 98. وكذلك: ياسين، عبد الناصر، الفنون الزخرفية الإسلامية بمصر في العصر الأيوبي، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، 2002م، شكل 66، 122، 125.

([17])  حسين، محمود إبراهيم، الزخرفة الإسلامية، الأرابيسك، المطبعة التجارية الحديثة، القاهرة، 1987م، ص28.

([18]) حميد، عبد العزيز، الزخرفة في الآجر، حضارة العراق، جـ 9، بغداد، 1985م، ص415

([19])  الأعظمي، خالد خليل حمودي، الزخارف الجدارية في آثار بغداد، وزارة الثقافة، بغداد، 1980م، ص137.

المرفقات
العنوان تحميل
القيـم الجمالية للزخـارف المنفَّذَة على مـصندقات سقف تحميل
التعليقات (0)