القيـم الجمالية للزخارف المنفذة على مصندقات سقف مسجد قيدان بالمحويت – اليمن (3)

القيـم الجمالية للزخـارف المنفَّذَة

على مـصندقات سقف مسجـد قـيدان بالمحويت - اليمن

(الجزء الثالث)

استفاد الفنان اليمني من تطويع المروحة النخيلية وتحويرها بما يتلاءم مع الإطار العام للتكوين الزخرفي الذي يقوم بتنفيذه، فقد استفاد من انسيابية خطوطها ومطاوعتها التي تمثلت في استطالة الفص الوسطي أو امتداده بخفة ورشاقة واضحة، وهي السمة التي أكسبت مصندقات السقف الخشبية لمسة جمالية مضافة وأبعد عنها الشعور بالرتابة والملل، فضلًا عن أن هذه العناصر أسهمت في تنوع الإبداع الزخرفي على هذه المصندقات. 

ومن العناصر الأخرى سعفة النخيل التي حاول الفنان محاكاة الطبيعة في شكل هذا العنصر، فقد نفذه بشكل قريب من الطبيعة، وذلك بوضع القطع الخشبية الصغيرة بشكل مائل على هيئة أوراق سعف النخيل، ولم يقم بإضافة الألوان عليها مكتفيًا بألوان الخشب الأصلية.

إن تمثيل سعف النخيل على مصندقات السقف، لما للنخلة من معنى ديني، إذ تعدّ النخلة من أشجار الجنة، كما أنها رمزًا للكفاف([1])، وقد يكون القصد من هذا الأسلوب هو محاكاة التسقيف في المسجد النبوي، فقد أورد السمهودي أن سقفه كان من جريد النخل([2]).

واستعان الفنان في تزيين المصندقات بالورقة الكأسية (calyx)، التي تعرف أيضًا بوريقات كم الزهرة([3])، وهي تمثل شكلًا مختزلًا زخرفيًا لكؤوس أزهار محورة عن الطبيعة([4])، ويقصد بها الجزء الأسفل من أي زهرة بعد أن تتفتح أجزاؤها العلوية على شكل فصوص أو شحمات مدببة فتتخذ بذلك شكل الكأس.

لقد تمثل هذا العنصر على المصندقات بشكل محور وبعيد عن صدق تمثيل الطبيعة، فقد رسمه النقاشون والمزوقون بثلاث فصوص (شحمات)، بحيث يكون الفصّ الأوسط للتويج طويلًا، ولون الجزء العلوي منه مغايرًا كي يوحي لنا بأنها مدببة الرأس، بينما الورقتين الجانبيتين إحداهما تتجه إلى اليمين والأخرى إلى اليسار، وصارت بذلك تشبه المراوح النخيلية ذات الثلاثة فصوص، وواقع الحال أن التمييز بين هاذين النوعين ليس بالأمر السهل، حتى على المختصين([5])، لاسيما عندما تكون حدود الفصين الجانبيين متصلة ببعضها ويبدو معها الفص الوسطي كأنه مستقل قائم بذاته.       

كما ظهرت الأوراق اللوزية وهي تشبه البراعم (blossom) قبل أن تتفتح، أي عندما تكون البراعم مقفولة تمامًا على ما في داخلها من أوراق التويج والمياسم.

وظهرت ضمن التشكيلة الزخرفية على هذه المصندقات ورقة البلطة، وهي عبارة عن ورقة صغيرة محورة في الأرجح من نصف المروحة النخيلية، غير أنها خضعت لبعض التحوير في ثني طرفيها العلوي والسفلي بشكل متساوٍ فصارت على هيئة البلطة([6]). إن أول من أطلق عليها هذه التسمية المستشرق كار لام (lamm)([7]) بينما أطلق عليها هرتسفلد البالمت الجناحية (fliigel- palmette)([8]).

ومن العناصر الزخرفية التي وظفها الفنانون على المصندقات زهرة اللؤلؤ، وقد يطلق عليها (زهرة المار جريت-(marguerite)، وهي زهرة ذات خمس وريقات صبغت باللون الأبيض تارة، وباللون الأحمر تارة أخرى، وهي بذلك تشبه شعار الدولة الرسولية([9])، فقد اهتم بهذا النوع من الزهور بني رسول في اليمن ولازمتهم منذ وقت مبكر([10])، عند ما اتخذوها شعارًا لهم ووسموا بها معظم التحف التي صنعت لهم([11])، بالإضافة إلى بعض المباني التي قاموا بإنشائها.

ومن الزخارف التي تمثلت على المصندقات العقد الرابطة، فقد ظهر هذا العنصر على شكل دائرة مسطحة أو مكورة، وتعد العقد الرابطة بمثابة جذور مختزلة ورمزية، بحيث تشكل منابع لنشوء الأغصان منها، أو تقوم بدور التكوينات الرابطة للأغصان حيث تلتقي فيها وتفترق منها([12]). لقد انتشر هذا العنصر في الفنون السابقة للإسلام إلا أن الفضل يرجع للعرب المسلمين الذين أوصلوها إلى قمة نضجها وطبعوها بالطابع الإسلامي، حتى غدت من العناصر الزخرفية البارزة منذ العهد الأموي وما بعده([13]).   

الـزخرفة الكتابية:

تشكل الكتابات بخطوطها المتنوعة أجمل صور الإبداع الفني التي وصل إليها الفنان المسلم؛ إذ اتخذ منها وسيلة للتعبير عن موهبته، فأخرج منها مواضيع وأنماطًا رائعة حتى بات استعمال الخط من المسائل الضرورية لإنجاز أي عمل فني؛ لأنه يمثل شكلًا إبداعيًا وجماليًا في الفن الإسلامي([14]). 

ارتبط الخط مع اللون على مصندقات سقف مسجد قيدان ارتباطًا وثيقًا، وذلك لزيادة معاني الخط وتجميله ([15]) فاللون يمثل دائمًا محور إغناء جمالي وفني للخط العربي، ولاسيما إذا استخدم استخدامًا متقنًا في تشكيل البنية الخطية، فإنه يحقق تعبيرية العلاقة بين الشكل والمضمون ([16]) ومن هنا فقد أسهمت الألوان في تطور الخط وزيادة زخرفته.([17])   

لقد وضعت الكتابة فوق مهاد زخرفي نباتي(*) مؤلف من تشابك أوراق وسيقان نباتية في رقة حول الحروف دون أن تغير معناها أو أن تختلط بها، بل إن تلك الحروف لا تحتفظ بوضوحها فحسب، وإنما تنال بعدًا رمزيًّا أكثر عمقًا، فالمزاوجة بين الكتابة والنبات توحي بأن كلمات الله مزهرة مثمرة؛ لأن الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة،([18]) ولذلك أدخل الخط كعنصر رئيس من عناصر الزخرفة.  

يحف بالسقف من أسفل أشرطة كتابية نفذت بخطوط متنوعة(**)، لكل منها طابع زخرفي معين منها الخط الكوفي المورق، والخط الكوفي المضفور، والخط الكوفي المعماري، إلى جانب خط الثلث، وجاء أغلب مضمون الكتابة المنفذة على المصندقات آيات من القران الكريم، وكأن الفنان أراد بذلك أن يتبرك بهذه الآيات؛ لأن الفن في الإسلام هو تمجيد للجلال وتسبيح بالجمال، وهدفه التوسل للخالق سبحانه وتعالى،([19]) فانعكس ذلك على فن الخط، فكتابة الآيات القرآنية الكريمة عباده من طراز رفيع جليل، ومن ثم فإن الخط هنا هو نتاج لحالة من الطمأنينة والسكون والتوازن الذي يتوحّد فيه الفنان المسلم مع المعاني المقدسة للذكر الحكيم،([20]) ولهذا تسمو قيمة الشكل بقيمة المضمون الذي يرتبط بصفته القدسية، التي أصبحت جمالية تبعًا لجمالية الخط ذاته، كما حرص الخطاط على قوة أدائه الخطي على المصندقات، وتجلت إمكانياته الفنية والذاتية في حرية غير محدودة من الإبداع والتكوين. غير أن الجدير بالذكر أن الخطاط اليمني الذي نفذ هذه الكتابات قد استفاد من مميزات خط الثلث، ونفذها على طريقة ابن البواب(***)، إذ نجد أن حروف الكتابة المنفذة قد امتازت بالليونة والاستدارات في نهاية الحروف، ووجود الترويس في الحروف المنتصبة، وغلظها في قسمها العلوي، ودقتها وتشعيرها في قسمها السفلي، مع ميلها إلى القصر وتضخم بقية الحروف بصورة عامة، وغطيت الفراغات داخل الأشرطة المخصصة للكتابة بواسطة حركات الشكل، والإضافات الزخرفية، مما أكسبه تناسقًا جميلًا أضفى على المساحات التي يزينها شكلًا دقيق التعبير في النواحي الجمالية، كما أن أسلوب تركيب الكلمات يميل إلى التسلسل المتتالي، إذ قلما تتداخل الكلمات، بالإضافة إلى وجود ظاهرة الترابط بين الحروف، كما تمثلت في هذه الكتابة مميزات فنيه منها الاستناد على مهاد زخرفي، وهو الأسلوب نفسه الذي ظهر في الموصل منذ القرن (6هـ/ 12م).([21])

كما وفق الخطاط في تنفيذه الأشرطة الكتابية أسفل سقف مسجد قيدان إلى حد كبير، ويتضح ذلك من خلال التوزيع والاتزان والسيادة، كما تضمنت هذه الأشرطة نصوصًا إنشائية وتسجيلية، وهي ما يطلق عليها أحيانًا اصطلاح (الطراز)([22])، إذ نجد اسم من أمر بالبناء (بازل بن الليث بن بازل)، وأغفل الخطاط تاريخ البناء وتوقيع الصانع، إلا أنه من خلال أسلوب الزخارف الهندسية والنباتية، وكذلك هذه الخطوط ومميزاتها، إلى جانب ظاهرة الجمع بين الخطين الكوفي والثلث التي ترجع إلى العصر الأيوبي، سواء أكان ذلك على الفنون التطبيقية أم على العمائر، فقد ظهر هذا الجمع على جدران مسجد جامي في قزوين سنة (590هـ/1193م)([23])، كما كان الجمع  بين النوعين من سمات التحف المعدنية الموصلية([24])، كما وجدت هذه الظاهرة في اليمن على جدران مسجد العباس في أسناف خولان (519هـ/1125م)([25])، وقبة الإمام المهدي بصعدة([26]) (لوحة10، 11) ولذلك نرجح أن تاريخ هذه الكتابات، وكذلك المسجد لا يخرج عن المدة التاريخية الواقعة ما بين القرنين (6-7 هـ/ 12-13م).

لوحة (10)                                                                    لوحة (11)

(الجزء الرابع)


([1]) ماهر، سعاد، الخزف التركي، مطابع مدكور، 1960م، ص116.

([2]) السمهودي، نور الدين على بن أحمد (ت 911هـ) وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفي، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت 1977م، ص335-337.

([3]) Shafi، F، simple calyx Ornament in Islamic Arts، Cairo، 1957، p 41

([4]) داوُد، عبد الرضا بهية، الأسس الفنية للزخارف الجدارية في المدرسة المستنصرية، رسالة ماجستير (غير منشورة) كلية الفنون الجميلة، جامعة بغداد، 1987م، ص91.

([5]) انظر: شافعي، فريد، زخارف وطرز سامراء، مجلة كلية الآداب، جامعة فؤاد (القاهرة) مجلد 13، ج2، ديسمبر 1951م، ص1-31.

([6]) شافعي، فريد، المصدر السابق، ص9.

([7])wood work it's style and chronology in،B.i.E، Paris 1936، vol 18،pp63، 65 lamm، c. j. fatimid

([8]) شافعي، فريد، المصدر السابق، ص9.

([9]) محمد، غازي رجب، زهرة اللؤلؤ على تحف وآثار بني رسول في اليمن، أعمال المؤتمر الدولي الخامس للحضارة اليمنية، جـ 2، صنعاء، 2005م، ص340.

([10])  خليفة، ربيع حامد، المصدر السابق، ص219.

([11]) بورتر، فنيشيا، الزجاج ذو الزخارف المموهة بالمينا المصنوع لسلاطين بني رسول، دراسات في تاريخ اليمن الإسلامي، المعهد الأمريكي للدراسات اليمنية، ترجمة نهى صادق، بدون مكان طبع، 2002م، ص197 – 200.

([12]) داوُد، عبد الرضا بهية، المصدر السابق، ص89.

([13]) الجمعة، أحمد قاسم، المصدر السابق، ص354.

([14]) بهنسي، عفيف، تراث الفن الإسلامي والمستقبل، دورية الإسلام اليوم، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، العدد الثاني عشر، السنة الثانية عشرة، 1994م، ص97.

([15])  بهنسي، عفيف، دراسات نظرية في الفن العربي، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1974م، ص39.

([16]) حنش، أدهام محمد، الخط العربي وإشكالية النقد الفني، مكتب الأمراء للنشر والدعاية والإعلان، ط1، بغداد، 1990م، ص48.

([17]) حمزة، حمزة حمود، التوريق والتزهير في الخط الكوفي حتى منتصف القرن الخامس الهجري، رسالة ماجستير (غير منشورة)، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1980م، ص73.

* - المهاد: هي الأرضية التي ينفذ عليها العمل الزخرفي بحيث يكون جزءًا من الزخرفة، وأحيانًا أخرى يكون معزولًا، ويسمى أيضًا (الخلفية الزخرفية)، وهو مرادف لكلمة (Background  ). الجبوري، محمود شكر، الخط العربي والزخرفة الإسلامية، دار الأمل، إربد، الأردن، 1998م، ص193.

([18])  كامل، عبد العزيز، الفن الإسلامي بين الدين والإبداع، أعمال الندوة العالمية، الفنون الإسلامية، المبادئ والأشكال والمضامين المشتركة، استانبول، دار الفكر، دمشق، 1989م، ص42.

**  يشير بعض الزملاء بأن النقوش الكتابية المنفذة على هذه المصندقات قد درست من قبل المرحوم سمير مقبل وقدمت لإحدى الجامعات الفرنسية في فرنسا، غير أن الباحث لم يتمكن من العثور على هذه الدراسة في كل المراكز العلمية والأثرية والمكتبات الموجودة في اليمن بما فيها الفرنسية.

([19]) القفاش، أسامة، مفاهيم الجمال، رؤية إسلامية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، القاهرة، 1996م، ص15.

([20]) عبد الله، إياد حسين، اختلاف المنطق الجمالي بين الخط العربي واللوحة الغربية، أوراق الندوة الفنية  التداولية، المتعالق بين الخطاط والفنان، ط1، الشارقة، الأمارات،2007م، ص63. 

*** للمزيد انظر: القلقشندى، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، نسخة مصورة عن المطبعة الأميرية، جـ 3، ص11؛ صالح، عبد العزيز حميد  وآخرون، الخط العربي، التعليم العالي، بغداد، العراق، 1990، ص150- 154.

([21]) الجمعة، أحمد قاسم، المصدر السابق، ص161.

([22]) الطراز: لفظ (تراز) مشتق من الكلمة الفارسية (ترازيدن) بمعنى التطريز والنسيج، وأصبحت تطلق على المنسوجات التي تشمل على أشرطة كتابية تتضمن اسم الخليفة الذي نسجت في عهده والمكان والتاريخ. للمزيد انظر: البحيري، صلاح الدين، نص هام عن أحوال دار الطراز المصرية في أوائل عصر الدولة الأيوبية، نهضة الشرق، القاهرة، 1983م.

([23]) ياسين، عبد الناصر، المصدر السابق، ص306.

([24]) العبيدي، صلاح حسين، التحف المعدنية، موسوعة الموصل الحضارية، المجلد الثالث، دار الكتب للطباعة والنشر، جامعة الموصل، الموصل، العراق،1992م، ص425.

([25]) محمد، غازي رجب، من روائع العمارة العربية الإسلامية في اليمن، ضريح العباس في أسناف خولان، مجلة بين النهرين، العدد 43، لسنة 1983م، ص239.

([26]) انظر: المطاع، إبراهيم أحمد، جامع الإمام الهادي إلى الحق والمنشآت المعمارية الملحقة به في مدينة صعدة باليمن، دراسة أثرية معمارية مقارنة، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، كلية الآداب، جامعة جنوب الوادي، قنا، 2000م، ص274. وكذلك: سيف، علي سعيد، الأضرحة في اليمن من القرن الرابع الهجري- وحتى نهاية القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، دراسة أثرية معمارية، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، كلية الآداب، جامعة صنعاء، 1998م، ص188.

المرفقات
العنوان تحميل
القيـم الجمالية للزخـارف المنفَّذَة على مـصندقات سقف تحميل
التعليقات (0)